حرب اليمن يبن تهديد طرق النفط وتحدي منظومة التحالفات
نادراً ما تتجمع في وقت واحد عوامل عسكرية واقتصادية ودبلوماسية بالقدر الذي تواجهه المملكة العربية السعودية في سبتمبر/أيلول 2026. فالتطورات المتسارعة في اليمن، وتقدم جماعة الحوثيين على الساحل الغربي، وتصاعد المخاطر حول باب المندب، بالتزامن مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، والهجوم الذي أدى إلى تعطيل خط أنابيب النفط السعودي شرق-غرب، كلها وضعت المملكة أمام اختبار يتجاوز حدود قدرتها على احتواء تهديد أمني على حدودها الجنوبية.
المسألة لا تتعلق فقط بتعرض الأراضي السعودية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وإنما باتت ترتبط بصورة أوسع بقدرة الرياض على حماية البنية التحتية التي تقوم عليها قوتها الاقتصادية، وضمان استمرار صادرات النفط، والحفاظ على شبكة التحالفات التي تعتمد عليها في مواجهة بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
وقد جاءت هذه التطورات في لحظة حساسة بالنسبة إلى ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، الذي جعل من «رؤية 2030» مشروعاً لإعادة بناء الاقتصاد السعودي وتقليل اعتماده النسبي على النفط، وتعزيز مكانة المملكة كقوة اقتصادية وسياسية عالمية.
لكن المفارقة أن الأزمة الراهنة تعيد النفط والأمن الإقليمي إلى قلب المعادلة السعودية من جديد.
فكلما اتسعت رقعة الحرب، زادت احتمالات تعرض طرق التصدير والمنشآت الحيوية للخطر، وكلما طال أمد الاضطرابات، ازدادت صعوبة الفصل بين المشروع الاقتصادي الداخلي للمملكة وبين التحولات العسكرية في الإقليم.
أولاً: التحول في اليمن يفتح جبهة جديدة أمام السعودية
يشكل التقدم الحوثي على الساحل الغربي لليمن التطور الأكثر خطورة في المعادلة الحالية.
فخلال سبتمبر/أيلول، تمكن الحوثيون من تحقيق مكاسب ميدانية مهمة على ساحل البحر الأحمر، شملت السيطرة على مدينة المخا ومواقع استراتيجية قرب باب المندب، ثم تعزيز حضورهم في الجزر الواقعة في البحر الأحمر. وقد وصفت تقارير حديثة السيطرة على جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى بأنها تطور يوسع قدرة الجماعة على التأثير في طرق الملاحة البحرية.
وكان سقوط المخا ذا دلالة خاصة؛ فالمدينة تقع على ساحل البحر الأحمر بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم، فيما تمثل جزيرة ميون، الواقعة عند باب المندب، موقعاً بالغ الحساسية من الناحية الاستراتيجية.
وتكمن أهمية هذه التطورات في أن باب المندب ليس مجرد ممر بحري يربط البحر الأحمر بخليج عدن، وإنما يمثل إحدى الحلقات الأساسية في شبكة التجارة والطاقة التي تربط آسيا وأوروبا.
ومن منظور سعودي، تزداد أهمية الممر بسبب استخدام الساحل الغربي للبحر الأحمر كجزء من البدائل المتاحة لنقل النفط بعيداً عن مضيق هرمز.
وبالتالي فإن انتقال السيطرة العسكرية الحوثية إلى مناطق أقرب إلى باب المندب يعني أن الرياض تواجه تهديداً ليس فقط على حدودها الجنوبية، وإنما على أحد المسارات التي تحتاج إليها لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز.
ثانياً: من تهديد الحدود إلى تهديد الاقتصاد
تكمن خطورة الوضع الحالي في أن التهديد الحوثي لم يعد محصوراً في إمكانية إطلاق صواريخ أو طائرات مسيّرة على جنوب السعودية.
فالمعادلة انتقلت إلى مستوى أكثر حساسية: القدرة على التأثير في حركة الطاقة نفسها.
وأفادت تقارير بأن الحوثيين باتوا يمتلكون مواقع متقدمة على الساحل الغربي لليمن، بما يزيد مخاطر استهداف السفن أو تهديد حركة الملاحة في المنطقة. وسبق أن أدى التوتر في البحر الأحمر منذ عام 2023 إلى انخفاض كبير في حركة الشحن عبر المنطقة، مع تحول العديد من السفن إلى طرق أطول وأكثر تكلفة.
ومع اتساع التوتر في مضيق هرمز بالتوازي، أصبحت المملكة أمام معضلة استراتيجية:
- طريق هرمز يواجه مخاطر مرتبطة بالصراع مع إيران.
- طريق البحر الأحمر وباب المندب أصبح أكثر عرضة للتهديد الحوثي.
- وخط الأنابيب السعودي الذي يسمح بتجاوز هرمز تعرض بدوره لهجوم.
وهكذا لم يعد التحدي يتعلق بوجود طريق بديل واحد، بل بإمكانية تعرض عدة مسارات متزامنة للضغط.
ثالثاً: ضربة خط الشرق-الغرب تكشف هشاشة شبكة تصدير النفط
كان التطور الأخطر اقتصادياً هو تعرض خط أنابيب النفط السعودي شرق-غرب لهجوم بطائرات مسيّرة في 10 سبتمبر/أيلول.
ويمتد الخط لمسافة تقارب 1,200 كيلومتر، ويربط مناطق إنتاج النفط في شرق المملكة بميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يسمح بتصدير جزء من النفط السعودي بعيداً عن مضيق هرمز.
وقد أدى الهجوم إلى أضرار في محطات ضخ وإلى تعليق العمليات على الخط، مع تقديرات بأن عودة التشغيل الكامل قد تستغرق عدة أسابيع. وتختلف التقديرات حول حجم التدفقات المتوقفة، لكنها تتفق على الأهمية الاستراتيجية للخط بالنسبة إلى قدرة المملكة على تجاوز مخاطر هرمز.
وتزداد حساسية الوضع بسبب انخفاض المخزونات المتاحة في ينبع، الأمر الذي يعني أن استمرار توقف الخط لفترة طويلة يمكن أن يفرض قيوداً أكبر على قدرة السعودية على الحفاظ على مستويات التصدير المعتادة.
لكن من المهم عدم القفز إلى استنتاج أن الهجوم أدى بالفعل إلى انهيار الصادرات السعودية أو توقف إمدادات النفط العالمية. فقد أظهرت بيانات حديثة أن بعض المشترين، ومنهم شركة أورلين البولندية، تمكنوا من تعويض انخفاض الشحنات السعودية بمصادر بديلة، حتى مع تراجع الإمدادات القادمة من المملكة.
وهذا يعني أن الخطر الأكبر في المرحلة الحالية ليس «انهياراً فورياً» لصادرات السعودية، وإنما تحول اضطراب مؤقت إلى أزمة ممتدة إذا طال أمد تعطل البنية التحتية وتزامن مع استمرار اضطراب هرمز وباب المندب.
رابعاً: لماذا يمثل النفط أكثر من مجرد مصدر دخل؟
قد يبدو من السهل التعامل مع اضطراب صادرات النفط باعتباره مشكلة مالية مؤقتة، لكن بالنسبة إلى السعودية فإن المسألة أعمق.
فالنفط لا يزال يمثل أحد الأعمدة الأساسية التي تستند إليها الدولة في تمويل الإنفاق العام والاستثمار في مشروعات «رؤية 2030».
وقد حاول محمد بن سلمان خلال السنوات الماضية تقليل الاعتماد على النفط من خلال تطوير السياحة، والصناعة، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا، والترفيه، ومشروعات البنية التحتية العملاقة.
لكن عملية التحول الاقتصادي نفسها تتطلب إنفاقاً ضخماً.
وبالتالي فإن انخفاض الإيرادات النفطية في وقت تتصاعد فيه كلفة الأمن والدفاع يمكن أن يخلق ضغطاً مزدوجاً:
إنفاق أكبر على الأمن + إيرادات أكثر عرضة للتقلب.
وهذا لا يعني أن السعودية تقترب من أزمة مالية بالمعنى التقليدي. فالمملكة ما زالت تمتلك احتياطيات وأصولاً وصندوقاً سيادياً وقدرات مالية كبيرة.
لكن المشكلة تكمن في أن استمرار الأزمات الخارجية قد يجبرها على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، خصوصاً إذا تزامن انخفاض الإيرادات مع ارتفاع تكلفة حماية المنشآت والطرق البحرية والطاقة.
خامساً: جنوب السعودية يعود إلى الواجهة
إلى جانب التهديد الاقتصادي، تواجه السعودية ضغطاً أمنياً مباشراً في محافظات جازان ونجران وعسير.
وقد تكررت خلال الأزمة هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة استهدفت مناطق ومنشآت في جنوب المملكة، بما في ذلك مناطق قريبة من أبها وخميس مشيط.
وتكمن أهمية هذه المناطق في أنها ليست مجرد مناطق حدودية، وإنما ترتبط تاريخياً واجتماعياً واقتصادياً بشبكات قبلية تمتد عبر الحدود السعودية-اليمنية.
وهنا يصبح الصراع أكثر تعقيداً من مواجهة عسكرية بين دولتين أو بين دولة وجماعة مسلحة.
فالحدود السعودية-اليمنية ليست حاجزاً اجتماعياً كاملاً، وهناك قبائل وعائلات وشبكات تجارية تتجاوز الحدود السياسية الحديثة.
وهذا يمنح الحوثيين، في حال استمرار الحرب، إمكانية محاولة استثمار الروابط المحلية، أو الضغط على جماعات قبلية، أو توظيف الاقتصاد الحدودي في الصراع.
لكن ينبغي الحذر من المبالغة في تقدير هذه الورقة؛ فالوجود القبلي العابر للحدود لا يعني تلقائياً ولاءً سياسياً للحوثيين، كما أن الدولة السعودية تمتلك أدوات أمنية واقتصادية وإدارية قوية في المناطق الحدودية.
الخطر الحقيقي ينشأ إذا اجتمعت الضغوط الاقتصادية مع تصاعد الهجمات الأمنية ومع محاولة الحوثيين بناء شبكات محلية أكثر عمقاً.
سادساً: الاختبار الأكبر للتحالف مع الولايات المتحدة
تضع التطورات الحالية العلاقة السعودية-الأميركية أمام اختبار حساس.
لطالما اعتمدت المملكة على الولايات المتحدة بوصفها الشريك الأمني الخارجي الأهم، لكن السنوات الأخيرة شهدت إعادة تقييم سعودية لهذه العلاقة.
فالرياض تسعى إلى الحفاظ على الشراكة الأميركية، لكنها في الوقت نفسه تحاول تنويع علاقاتها الدولية، بما في ذلك مع الصين وروسيا وتركيا وباكستان.
وفي الأزمة الحالية، تبرز مشكلة مختلفة: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة أو ترغب في تقديم ضمانات عسكرية مباشرة للسعودية؟
وتشير التقارير إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب أبدت حذراً من الانخراط العسكري المباشر في جبهة إضافية، مع تقديم مستويات محدودة من الدعم الاستخباراتي أو الاستهدافي. وقد أصبحت هذه النقطة موضع نقاش في ظل مطالبة الرياض بمزيد من المساعدة لمواجهة التقدم الحوثي.
وهذا لا يعني أن التحالف السعودي-الأميركي انهار.
بل إن المسألة أكثر دقة: السعودية تريد من واشنطن أن تكون ضامن أمن، بينما تحاول واشنطن تجنب تحمل كلفة حرب إقليمية مفتوحة.
وهذه الفجوة قد تصبح أحد أهم محددات السياسة السعودية خلال المرحلة المقبلة.
سابعاً: هل تبحث الرياض عن بديل للتحالف الأميركي؟
في هذا السياق يمكن فهم الاتفاق الدفاعي الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة في أغسطس/آب 2026.
ينص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُنظر إليه باعتباره هجوماً عليها جميعاً، مع تعزيز التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث.
لكن من الخطأ وصف الاتفاق منذ الآن بأنه بديل كامل للتحالف الأميركي.
فالولايات المتحدة تمتلك شبكة واسعة من القدرات العسكرية والاستخباراتية والقواعد والشراكات في الخليج، ولا تستطيع تركيا أو باكستان منفردتين توفير البديل نفسه.
ومع ذلك، فإن الاتفاق يحمل أهمية سياسية كبيرة لأنه يعكس رغبة سعودية في تنويع مصادر الردع.
والأهم أن الاتفاق لم يتوقف عند الإعلان السياسي. ففي 31 أغسطس/آب، اجتمعت وزارات الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان في الدول الثلاث، واتفقت على خطوات لإضفاء طابع مؤسسي على التعاون، بما في ذلك إنشاء أمانة للاتفاق في السعودية وتعزيز التعاون الصناعي والتكنولوجي والتدريبات المشتركة.
وهذا يجعل تقييم الاتفاق أكثر تعقيداً من القول إنه «لم ينتج شيئاً».
لكن في المقابل، تبقى هناك أسئلة جوهرية لم تختبر بعد:
هل ستتحول صيغة «الهجوم على أحدنا هجوم على الجميع» إلى التزام عسكري فعلي؟
هل ستشارك تركيا أو باكستان في عمليات قتالية دفاعاً عن السعودية إذا اندلع نزاع واسع؟
ما هي آليات اتخاذ القرار؟
وما حدود الالتزام العسكري لكل طرف؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد القيمة الفعلية للاتفاق، وليس نصه السياسي وحده.
ثامناً: تركيا وباكستان... شريكان مهمان ولكن ليسا بديلاً بسيطاً
تمتلك تركيا قدرات عسكرية وصناعية متقدمة، وخبرة كبيرة في استخدام الطائرات المسيّرة والصناعات الدفاعية.
أما باكستان فتتمتع بقدرات عسكرية كبيرة، فضلاً عن كونها دولة نووية، ولها علاقات دفاعية تاريخية مع السعودية.
لكن مصالح الدول الثلاث ليست متطابقة.
فتركيا تسعى إلى الحفاظ على استقلالية قرارها الإقليمي، وتوازن علاقاتها مع إيران وروسيا والولايات المتحدة ودول الخليج.
وباكستان من جهتها لديها حساباتها الخاصة، ولا ترغب في الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع إيران، خصوصاً بالنظر إلى الجغرافيا المشتركة والاعتبارات الأمنية في المنطقة.
لذلك فإن قيمة التحالف الثلاثي تكمن في الردع السياسي والتنسيق الدفاعي وتنويع الشراكات أكثر من كونه تحالفاً عسكرياً آلياً على غرار حلف شمال الأطلسي.
تاسعاً: البعد الإسرائيلي... أزمة أمنية وسياسية في الوقت نفسه
من أكثر عناصر الأزمة حساسية احتمال لجوء السعودية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى إسرائيل للحصول على معلومات أو دعم استخباراتي في مواجهة التهديد الحوثي.
حتى إذا بقي التعاون في نطاق محدود أو غير مباشر، فإن مجرد ظهور تقارير حول اتصالات من هذا النوع يحمل تكلفة سياسية محتملة بالنسبة إلى الرياض.
فالسعودية ليست دولة خليجية عادية في النظام الإقليمي الإسلامي؛ فهي الدولة التي تستضيف مكة والمدينة، وتحمل قيادتها الرسمية صفة خادم الحرمين الشريفين.
ومن ثم فإن العلاقة مع إسرائيل تملك بعداً رمزياً يتجاوز السياسة الخارجية التقليدية.
لكن يجب أيضاً عدم المبالغة في تصوير هذا الأمر بوصفه أزمة شرعية فورية للنظام.
فالسعودية خلال عهد محمد بن سلمان شهدت بالفعل تحولاً كبيراً في سياستها الخارجية، وأصبحت أكثر براغماتية في إدارة العلاقات الدولية.
كما أن المجتمع السعودي نفسه ليس كتلة سياسية واحدة.
هناك جيل شاب استفاد من التحولات الاجتماعية والاقتصادية الأخيرة، وهناك تيارات محافظة، وشرائح سياسية واجتماعية مختلفة لها مواقف متباينة من إسرائيل والقضية الفلسطينية.
لذلك فإن الخطر السياسي الحقيقي لا يتمثل في «طلب مساعدة إسرائيل» بحد ذاته، بل في كيفية إدارة صورته داخل المجتمع السعودي والعالم الإسلامي.
عاشراً: أزمة الشرعية ليست أزمة إسقاط النظام
تثير التطورات الحالية سؤالاً حول شرعية نظام محمد بن سلمان، لكن ينبغي التمييز بين «ضغط الشرعية» وبين «تهديد بقاء النظام».
فمنذ صعوده إلى مركز القرار، نجح محمد بن سلمان في بناء درجة عالية من تركيز السلطة داخل الدولة السعودية.
وقد تراجعت قدرة مراكز القوى المنافسة داخل الأسرة الحاكمة على العمل بصورة مستقلة، كما أُعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية، وتعرضت المعارضة السياسية والاجتماعية لإجراءات أمنية وقانونية مشددة.
وفي المقابل، استفاد النظام من قاعدة دعم اجتماعي مهمة، خصوصاً بين قطاعات من الشباب، نتيجة التغيرات الاجتماعية، وتوسيع فرص الترفيه والعمل، وتقليص بعض القيود الاجتماعية السابقة.
وبالتالي لا توجد مؤشرات كافية تسمح بالقول إن الأزمة الخارجية الحالية تهدد النظام السعودي بالانهيار.
لكن الأنظمة شديدة المركزية قد تواجه مشكلة مختلفة: كلما تركز القرار، تركزت تكلفة الفشل أيضاً في رأس السلطة.
إذا نجحت القيادة في احتواء الأزمة، فإن مركزية القرار تصبح مصدر قوة.
أما إذا تراكمت الإخفاقات العسكرية والاقتصادية والسياسية، فقد يتحول التركيز نفسه إلى نقطة ضعف.
الحادي عشر: الأسرة الحاكمة... خطر محتمل لا أزمة معلنة
يظل العامل الداخلي الأكثر حساسية هو الأسرة المالكة.
فالمملكة ليست دولة مؤسسات سياسية تنافسية بالمعنى التقليدي، بل نظام ملكي يقوم جزء كبير من استقراره على إدارة التوازنات داخل الأسرة الحاكمة.
وقد أدى صعود محمد بن سلمان إلى إعادة تشكيل هذه التوازنات بصورة عميقة.
لكن ذلك لا يعني وجود صراع مفتوح داخل الأسرة.
الأكثر دقة هو القول إن احتمال التوتر داخل النخبة يرتفع عادة عندما تتعرض القيادة لأزمة ممتدة.
إذا نجحت السعودية في احتواء الأزمة الحالية، فمن المرجح أن تستمر مركزية القرار.
أما إذا تحولت الحرب إلى استنزاف طويل، وارتفعت كلفتها المالية والعسكرية، وفقدت القيادة جزءاً من قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها الطرف القادر على حماية المملكة، فقد تبدأ حسابات النخبة بالتغير.
لكن هذا السيناريو يبقى احتمالاً مستقبلياً، وليس واقعاً قائماً يمكن الجزم به.
الثاني عشر: الطائفية والمناطق الشرقية... عامل يجب مراقبته بحذر
تمثل المنطقة الشرقية، بما فيها التجمعات الشيعية السعودية، أحد الملفات التي يمكن أن تصبح أكثر حساسية إذا تصاعد التوتر الإقليمي.
لكن من الضروري الفصل بين وجود مظالم أو توترات اجتماعية وبين احتمال تحولها إلى تهديد أمني منظم.
فالسعودية تمتلك أدوات أمنية قوية، كما أن الدولة نجحت في احتواء كثير من التوترات السابقة.
الخطر يظهر إذا حاولت أطراف خارجية، ولا سيما إيران أو جماعات مرتبطة بها، استثمار أي شعور بالتمييز أو التهميش وتحويله إلى شبكات سياسية أو أمنية.
وعندها قد تنتقل الحرب من حدود اليمن إلى الداخل السعودي بصورة غير مباشرة.
الثالث عشر: العامل القبلي على الحدود
تزداد أهمية القبائل في هذه الأزمة بسبب الطبيعة الجغرافية والاجتماعية للحدود السعودية-اليمنية.
وتوجد قبائل وشبكات اجتماعية تمتد بين الجانبين، ما يمنح الصراع قدرة على تجاوز الخطوط السياسية.
وقد يحاول الحوثيون استثمار بعض هذه الشبكات، خصوصاً إذا طال أمد الحرب وأُغلقت طرق التجارة وتضررت مصادر الدخل المحلية.
لكن هذا العامل لا ينبغي تضخيمه.
فالقبائل الحدودية ليست كتلة موحدة، وولاءاتها تتأثر بالمصالح الاقتصادية والأمنية والمحلية بقدر تأثرها بالاعتبارات السياسية.
لذلك فإن الخطر المحتمل ليس «انقلاب القبا
