الاقتصاد التونسي في 2026: صمودٌ يمنع الانهيار... لكنه لا يصنع الإقلاع
تدخل تونس النصف الثاني من عام 2026 بصورة اقتصادية أكثر تعقيدًا مما توحي به بعض المؤشرات الإيجابية أو التحذيرات المتشائمة. فمن جهة، تمكن الاقتصاد من الحفاظ على قدر من الاستقرار النقدي والمالي، وتحسن النمو وتراجعت معدلات التضخم، كما أسهمت السياحة وتحويلات التونسيين في الخارج والصادرات في دعم احتياطيات البلاد من العملة الأجنبية. ومن جهة أخرى، لا تزال البطالة مرتفعة، والقدرة الشرائية تحت ضغط التراكمات السعرية، والاستثمار يعاني ضعف التمويل، بينما تستهلك خدمة الدين جانبًا كبيرًا من موارد الدولة.
لهذا تبدو المفارقة الأساسية في المشهد التونسي واضحة: الاقتصاد نجح في الصمود، لكنه لم ينجح بعد في تحقيق إقلاع اقتصادي مستدام. وهذه المسافة بين تجنب الانهيار وتحقيق التنمية هي التي ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة.
الاستقرار لا يعني بالضرورة التعافي
تقدم المؤشرات الرسمية أساسًا لقراءة أكثر إيجابية للوضع الاقتصادي. فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي نموًا بلغ 2.6 في المائة خلال الربع الأول من عام 2026، قبل أن يتراجع إلى 2.3 في المائة خلال الربع الثاني. كما تحسن أداء السياحة وتحويلات التونسيين في الخارج والصادرات الصناعية والزراعية، وأسهمت هذه التدفقات في توفير نحو 10 مليارات دولار ودعم احتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية.
لكن هذه المؤشرات لا تكفي وحدها للحكم على قدرة الاقتصاد على تجاوز مشكلاته الهيكلية. فمعدل نمو يتراوح بين 2 و3 في المائة يمكن أن يساعد على منع التدهور، لكنه يظل محدودًا في اقتصاد يواجه بطالة رسمية تقترب من 15 في المائة، ولا سيما في صفوف الشباب وخريجي الجامعات.
وهنا يظهر الفرق بين النمو الكلي والنمو ذي الأثر الاجتماعي. فقد ينمو الناتج، بينما لا تتولد بالسرعة نفسها وظائف جديدة أو موارد دخل كافية لتحسين مستوى المعيشة. ولذلك فإن السؤال الاقتصادي الأهم في تونس لم يعد فقط: هل ينمو الاقتصاد؟ بل أصبح: هل ينمو بالسرعة والكيفية اللتين تسمحان بامتصاص البطالة وتحسين الدخول وتوسيع قاعدة الإنتاج؟
هذه الفجوة تفسر اختلاف التقييمات بين الحكومة وبعض الخبراء والنقابات. فالحكومة تنظر إلى تحسن المؤشرات بوصفه دليلًا على قدرة سياسة «التعويل على الذات» على تحقيق الاستقرار، بينما يرى منتقدون أن الاستقرار المالي لا يكتسب معناه الاقتصادي الكامل ما لم ينعكس على الحياة اليومية للمواطنين.
معضلة التضخم: تباطؤ ارتفاع الأسعار لا يعني تراجعها
ربما تمثل الأسعار المثال الأكثر وضوحًا على الفارق بين المؤشر الاقتصادي والتجربة الاجتماعية.
فتراجع التضخم من مستويات تجاوزت 10 في المائة في السنوات السابقة إلى نحو 5 في المائة يعني أن سرعة ارتفاع الأسعار أصبحت أقل، لكنه لا يعني أن الأسعار نفسها عادت إلى مستوياتها السابقة. وبعبارة أخرى، فإن انخفاض معدل التضخم لا يعكس بالضرورة استعادة الأسر ما فقدته من قدرتها الشرائية خلال سنوات ارتفاع الأسعار.
ومن هنا، فإن استمرار الضغط على الدخول يصبح قضية تتجاوز السياسة النقدية لتتحول إلى قضية اجتماعية وسياسية. فالطبقة الوسطى والفئات الأقل دخلًا لا تتعامل مع معدل التضخم بوصفه رقمًا اقتصاديًا، وإنما مع تكلفة الغذاء والطاقة والنقل والخدمات وقدرتها الفعلية على الوفاء باحتياجاتها.
وهذا يفسر أيضًا عودة قضايا الأجور والحوار الاجتماعي إلى صدارة النقاش. فالاستقرار المالي يتطلب ضبط الإنفاق، لكن الاستقرار الاجتماعي يحتاج في المقابل إلى الحد من تآكل الدخول. وبين الشرطين تتحرك السياسة الاقتصادية التونسية في مساحة ضيقة.
الدين العام: عندما يتحول التمويل إلى عبء على الاستثمار
إذا كانت الأسعار تمثل الوجه الاجتماعي للأزمة، فإن الدين يمثل أحد أبرز تحدياتها المالية.
ويشير التقرير إلى أن تخصيص أكثر من ثلث الميزانية لخدمة الدين يحد من الموارد المتاحة للاستثمار، في وقت تعتمد فيه الدولة بدرجة أكبر على الاقتراض الداخلي.
ولا تكمن المشكلة في حجم الاقتراض وحده، بل في الطريقة التي يعاد بها توزيع الموارد داخل النظام المالي. فعندما تتجه البنوك بدرجة كبيرة إلى تمويل الدولة، تصبح السندات الحكومية بديلًا أكثر أمانًا من تمويل الشركات والمشروعات، وهو ما قد يؤدي إلى تقليص الائتمان المتاح للقطاع الخاص.
وتنشأ هنا مفارقة هيكلية: الدولة تحتاج إلى البنوك لتمويل عجزها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى أن تمول البنوك القطاع الخاص حتى يتمكن الاقتصاد من تحقيق النمو وتوفير الوظائف.
وبالتالي، فإن نجاح الدولة في توفير احتياجاتها التمويلية على المدى القصير لا يعني بالضرورة نجاح السياسة الاقتصادية على المدى الطويل، إذا جاء ذلك التمويل على حساب الاستثمار والإنتاجية.
التمويل النقدي بين الحل المؤقت والمخاطرة
تزداد حساسية المعادلة عندما يصل النقاش إلى التمويل المباشر للخزينة من البنك المركزي.
فزيادة السيولة في اقتصاد لا تنمو فيه السلع والخدمات بالمعدل نفسه قد تعيد الضغوط على الأسعار وعلى قيمة العملة. ولذلك، فإن توفير التمويل النقدي يمكن أن يمنح المالية العامة مساحة للحركة في الأجل القصير، لكنه لا يعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في ضعف الإنتاجية والاستثمار.
ومن هذه الزاوية، تبدو المسألة أقرب إلى المفاضلة بين الاستقرار الفوري والاستدامة المالية. فالإجراءات الاستثنائية يمكن أن تساعد الدولة على تجاوز أزمة تمويلية محددة، لكنها تصبح أكثر خطورة إذا تحولت من أدوات مؤقتة إلى آليات دائمة لتمويل الإنفاق العام.
الطاقة: قلب الاختلال الخارجي
يكشف الميزان التجاري عن بعد آخر من الأزمة. فقد بلغت صادرات تونس خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 نحو 40.6 مليار دينار، مقابل واردات بلغت قرابة 55.6 مليار دينار، أي بفجوة تقارب 15 مليار دينار، أو ما يزيد قليلًا على خمسة مليارات دولار وفق سعر الصرف المشار إليه في التقرير.
ويشير التحليل الوارد في التقرير إلى أن الطاقة تمثل أكثر من نصف هذا العجز التجاري، وهو ما يمنح التحول نحو الطاقة المتجددة أهمية تتجاوز البعد البيئي.
فالاستثمار في الطاقة الشمسية والرياح يمكن أن يؤدي، من هذا المنظور، إلى تقليل الحاجة إلى واردات الطاقة، وخفض الطلب على العملة الصعبة، وتحسين الميزان التجاري، فضلًا عن دعم استقرار إمدادات الكهرباء للقطاع الصناعي.
ومن ثم، فإن قضية الطاقة في تونس ترتبط مباشرة بمفهوم السيادة الاقتصادية. فكلما انخفض الاعتماد على واردات الطاقة، اتسعت قدرة الاقتصاد على التحكم في جزء من احتياجاته الخارجية، وانخفض تعرضه لتقلبات أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية.
أزمة الكهرباء تكشف مشكلة أوسع من نقص التمويل
أظهرت اضطرابات الكهرباء خلال الصيف أن التحدي لا يتعلق فقط بتكلفة الطاقة أو حجم التمويل المتاح. فالمشكلة ترتبط كذلك بقدرة الدولة على تحويل الموارد إلى استثمارات فعلية في الإنتاج والشبكات.
ويشير التقرير إلى ارتفاع الاعتمادات المخصصة للاستثمار العمومي من 4.7 مليار دينار عام 2023 إلى 6.5 مليار دينار في 2026، مع تأكيد الحكومة أن التحدي لم يعد فقط توفير الأموال، وإنما تنفيذ المشاريع في مواعيدها.
وهنا تظهر مشكلة أكثر عمقًا: التمويل ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق استثمار منتج.
فإذا توفرت الاعتمادات ولم تتحول إلى مشاريع مكتملة ترفع الإنتاجية وتخفض كلفة الطاقة وتدعم القطاع الخاص، فإن زيادة الإنفاق الاستثماري قد لا تنتج الأثر الاقتصادي المتوقع.
الاقتصاد والسياسة: أين يبدأ أحدهما وينتهي الآخر؟
لا يمكن فصل الأداء الاقتصادي عن البيئة السياسية والاجتماعية في تونس. فالمعارضة والنقابات تنظر إلى تدهور بعض المؤشرات الاجتماعية باعتباره جزءًا من أزمة أوسع تتعلق بالحوار السياسي والمساءلة والحوكمة. وفي المقابل، ترى الحكومة أن سياساتها أعادت للدولة قدرًا أكبر من الاستقلال في اتخاذ القرار الاقتصادي، ومكنتها من الحفاظ على الاستقرار رغم الضغوط الخارجية.
وبصرف النظر عن اختلاف التفسيرات السياسية، فإن العامل الاقتصادي والاجتماعي يظل عنصرًا مؤثرًا في الاستقرار العام.
فالارتفاع المستمر في الأسعار أو البطالة لا يبقى طويلًا قضية اقتصادية بحتة، كما أن ضعف الاستثمار لا يؤثر فقط في معدلات النمو، بل في قدرة الدولة على خلق فرص عمل وتحسين الخدمات والحفاظ على التوازنات الاجتماعية.
ولهذا، فإن التحدي أمام تونس ليس تحقيق الاستقرار الاقتصادي بمعناه الضيق، وإنما تحويل الاستقرار إلى قاعدة لنمو أكثر شمولًا.
ثلاثة مسارات أمام الاقتصاد التونسي
استنادًا إلى المعطيات الواردة في التقرير، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للمرحلة المقبلة.
المسار الأول هو استمرار الوضع الحالي: نمو يتراوح بين 2 و3 في المائة، وتضخم تحت السيطرة نسبيًا، واستمرار تدفقات السياحة والتحويلات والصادرات، مع قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وهذا المسار يمكن أن يمنع حدوث أزمة شاملة، لكنه لا يعالج بالضرورة البطالة أو ضعف القدرة الشرائية أو تراجع الاستثمار.
المسار الثاني يتمثل في عودة الضغوط المالية إذا استمر ارتفاع الدين والاعتماد على التمويل الداخلي، بالتزامن مع اتساع العجز التجاري أو حدوث صدمات جديدة في أسعار الطاقة. وفي هذه الحالة، قد تتزايد المخاطر المرتبطة بالتضخم والتمويل النقدي وتراجع قدرة الدولة على توجيه الموارد نحو الاستثمار.
أما المسار الثالث، وهو الأكثر ارتباطًا بتحويل الاستقرار إلى نمو، فيقوم على توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج، وتسريع مشروعات الطاقة المتجددة، وتحسين البنية التحتية والموانئ، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية، وتوسيع قدرة النظام المالي على تمويل الشركات، إلى جانب الاستفادة بصورة أكبر من مدخرات واستثمارات التونسيين في الخارج.
من إدارة الأزمة إلى بناء نموذج نمو
المعضلة التونسية في 2026 لا تبدو، وفق المعطيات المتاحة في التقرير، أزمة انهيار وشيك، كما أنها ليست قصة تعافٍ اقتصادي مكتمل. إنها أقرب إلى مرحلة انتقالية تمكنت فيها الدولة من احتواء عدد من المخاطر، لكنها لم تحسم بعد المشكلات التي أنتجتها.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للسياسة الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.
فقد يكون من الممكن الحفاظ على معدل نمو محدود، وضبط التضخم، وتوفير التمويل اللازم للميزانية، وتجنب أزمة نقدية واسعة. لكن هذه الإنجازات ستظل دفاعية في جوهرها ما لم تتحول إلى استثمارات تزيد الإنتاجية وتخلق الوظائف وتقلل الاعتماد على الواردات وتوسع قاعدة الصادرات.
لذلك، فإن السؤال المركزي أمام تونس لم يعد فقط كيف تتجنب الأزمة؟، وإنما كيف تحول الاستقرار الذي تحقق إلى دورة جديدة من الاستثمار والإنتاج والتشغيل؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان «التعويل على الذات» سيصبح أساسًا لنمو أكثر استدامة، أم سيظل في المقابل إطارًا لإدارة أزمة مالية واقتصادية طويلة الأمد.
وفي الحالتين، ستظل المعادلة الأكثر حساسية هي الموازنة بين قدرة الدولة على ضبط ماليتها العامة، وحاجتها إلى تمويل الاستثمار، وضرورة حماية القدرة الشرائية، وتوفير فرص العمل. فالصمود يمنح الاقتصاد وقتًا، لكنه لا يمثل في حد ذاته استراتيجية نمو.
وتونس، وفق هذه القراءة، تقف أمام فرصة لتحويل الاستقرار النسبي إلى نقطة انطلاق، لكن نجاح هذه الفرصة سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة السياسات العامة على الانتقال من إدارة الموارد المتاحة إلى توسيع القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
