إسرائيل تستهدف الكاثوليك الأمريكان لمواجهة مواجهة معاداة السامية

دراسات وأبحاث - كين أوليفر-مينديز
كين أوليفر-مينديز
باحث وكاتب في الشؤون السياسية

برز ائتلاف الكاثوليك ضد معاداة السامية (CCAA)، وهو منظمة أمريكية يقودها علمانيون تأسست أواخر عام 2023، كأحد أبرز قنوات التواصل التي تعتمد عليها الحكومة الإسرائيلية في انفتاحها على الكاثوليك الأمريكيين، الذين يشكلون أكبر كتلة دينية منفردة في الولايات المتحدة. ويؤكد الائتلاف «حق الشعب اليهودي في العيش بأمان وأمن في وطنه التاريخي»، كما يقر بأن «إسرائيل الحديثة تمثل عنصرًا أساسيًا في تحقيق هذا الأمن».

وقالت تامي بن حاييم، المسؤولة عن الشؤون الدينية وشؤون الأديان في وزارة الخارجية الإسرائيلية، لشبكة EWTN News إن لقاءً عقدته في واشنطن خلال مايو/أيار مع سيمون رزق الله، مديرة الائتلاف، أقنعها بأهمية التواصل مع المنظمة وأنصارها. وكانت رزق الله، وهي أمريكية من الجيل الأول ومن أصول مصرية-أرمنية، قد لفتت انتباه بن حاييم، التي قالت إنها أعجبت برؤيتها لمكافحة معاداة السامية، وبشبكة الشخصيات المؤثرة التي يمتلكها الائتلاف داخل الأوساط الكاثوليكية الأمريكية.

ويضم الموقعون على «بيان التضامن والعمل» الصادر عن الائتلاف، والذي أُعد في أعقاب هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عشرات من أبرز المفكرين والشخصيات المؤثرة في المجتمع الكاثوليكي الأمريكي. وفي الوقت نفسه، يؤكد البيان أن الاعتراف بحق الشعب اليهودي في الأمن لا ينبغي أن يأتي على حساب حق الفلسطينيين أيضًا في العيش بأمان وأمن.

وعندما قررت وزارة الخارجية الإسرائيلية تكثيف تواصلها مع الكاثوليك، وتنظيم رحلة مخصصة لقادة المجتمع الكاثوليكي، كان من الطبيعي أن تتواصل مع الائتلاف، بحسب رزق الله. ونتيجة لذلك، نظمت الوزارة رحلة استمرت أسبوعًا برعاية الحكومة الإسرائيلية، شارك فيها 13 شخصية مؤثرة من الكاثوليك الأمريكيين، من بينهم ممثلون عن EWTN News.

وهدفت الرحلة إلى تعريف المشاركين بصورة مباشرة بالمخاوف الأمنية التي يواجهها الإسرائيليون في المناطق الحدودية مع غزة ولبنان، إلى جانب إتاحة نقاشات مباشرة مع الكاثوليك العرب الإسرائيليين والفلسطينيين حول الظروف والتحديات التي يواجهونها.

وفي إشارة إلى الأهمية التي أولتها الحكومة الإسرائيلية للمبادرة، سلطت الضوء على زيارة المجموعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ووصفت رحلة قادة المجتمع الكاثوليكي الأمريكي بأنها مبادرة تقوم على «الصداقة والتضامن»، وتهدف إلى تعميق التزامهم بمواجهة معاداة السامية وتعزيز الروابط بين المسيحيين واليهود.

وخلال الزيارة، واجه أعضاء الوفد، الذين مثلوا مؤسسات تعليمية وإعلامية ومراكز بحثية ومؤسسات كاثوليكية مدنية أمريكية مختلفة، بصورة مباشرة ما وصفته إسرائيل بالتهديدات الوجودية التي واجهتها خلال السنوات الأخيرة. وزار الوفد مواقع مرتبطة بهجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي شهدت توغل آلاف من مقاتلي حماس من قطاع غزة إلى إسرائيل، والتقى ناجين من الهجمات التي أسفرت عن مقتل أكثر من ألف إسرائيلي، وفق التقرير.

ومن موقع مرتفع يطل على الحدود الإسرائيلية مع جنوب لبنان، وفي ظل سماع دوي انفجارات في المسافة، تلقى الوفد إحاطة حول عمليات الجيش الإسرائيلي الرامية إلى تحييد التهديد الذي تمثله جماعة حزب الله في لبنان.

كما سهلت الحكومة الإسرائيلية للوفد لقاءات مباشرة مع مسيحيين في الأراضي المتنازع عليها والمعروفة دوليًا باسم الضفة الغربية، والتي تسميها إسرائيل «يهودا والسامرة»، وكذلك في حيفا شمال إسرائيل. ويرى هؤلاء المسيحيون، بدرجات متفاوتة، أنهم يواجهون بدورهم تهديدات وجودية.

وفي بيت لحم، المدينة الواقعة في الضفة الغربية والخاضعة للسيطرة الفلسطينية والتي تُعرف تقليديًا بأنها مسقط رأس المسيح، أعرب مرشد الوفد عن أسفه لأن المدينة فقدت خلال الأسابيع الأخيرة عددًا من الأسر المسيحية الكبيرة والبارزة التي هاجرت إلى اليونان.

ولا تزال بيت لحم تشهد تراجعًا حادًا في أعداد سكانها المسيحيين. فبعد أن كان المسيحيون يشكلون فيها أغلبية كبيرة، تقدر نسبتهم اليوم بأرقام أحادية، بحسب التقرير، فيما تفاقمت أوضاع من بقوا بسبب انخفاض أعداد الحجاج، والقيود الشديدة المفروضة منذ أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول على تصاريح دخول الفلسطينيين إلى إسرائيل للعمل.

وفي حيفا، التقى الوفد رئيس الأساقفة يوسف مطا، من الكنيسة الكاثوليكية للروم الملكيين، التي تمثل واحدة من أكبر التجمعات المسيحية في إسرائيل. وناقش مطا عددًا من التحديات التي تواجه أبناء طائفته، من بينها ما وصفه بالتورط المزعوم لعائلات إجرامية منظمة مسلمة ويهودية في شبكات ابتزاز، فضلًا عن شكاوى تتعلق بالتمييز في الدعم الحكومي المقدم إلى مدارس الكنيسة.

وخلال مأدبة غداء مع الوفد، قال المونسنيور سيمون خوري، وهو كاهن من الروم الملكيين الكاثوليك يخدم في إحدى رعايا قانا، إن الحكومة الإسرائيلية تعمدت، في رأيه، غض الطرف عن شبكات الابتزاز الإجرامية التي تستهدف المسيحيين، معتبرًا أن هذه الجرائم تتوافق مع أجندة بعض قطاعات المجتمع الإسرائيلي التي تؤيد إزاحة السكان غير اليهود من البلاد.

ومنذ بداية الرحلة وحتى نهايتها، حث أعضاء الوفد السلطات الإسرائيلية على توفير المساعدة والحماية الأمنية اللازمة للمسيحيين في البلاد، معتبرين أن اتخاذ مثل هذه الخطوات يمكن أن يسهم بدرجة كبيرة في تعزيز التعاطف مع إسرائيل لدى مئات الملايين من الكاثوليك حول العالم.

وفي اجتماع مع مديرة قسم مكافحة معاداة السامية في وزارة الخارجية الإسرائيلية أريزو هيرسل-روهيلا، ومديرة مكتب رابطة مكافحة التشهير في إسرائيل كارول نورييل، طلبت EWTN News منهما تحديد الرواية الأساسية المتعلقة بمعاداة السامية التي تواجهها إسرائيل حاليًا على المستوى الدولي.

واتفقت المسؤولتان على أن إحدى أبرز هذه الروايات تتمثل في تشبيه السياسة الإسرائيلية في غزة بسياسات ألمانيا النازية، أي الاتهام بأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة. ورفض المسؤولون الإسرائيليون هذا الاتهام بشدة، مستندين إلى أن تعريف الإبادة الجماعية يتطلب توافر القصد، وقالوا إن الجيش الإسرائيلي سعى مرارًا إلى نقل المدنيين الفلسطينيين داخل غزة بعيدًا عن مناطق الخطر أثناء استهدافه للبنية التحتية العسكرية لحماس.

كما تتبنى منظمات أخرى، من بينها اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC)، موقفًا مشابهًا من هذه المسألة، إذ تشير إلى أن الجيش الإسرائيلي يسعى إلى تحذير سكان غزة قبل شن الهجمات، ويسمح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين ضمن ترتيبات تهدف إلى منع حماس من تحويلها لمصلحتها أو استخدامها لتعزيز سيطرتها.

وتشير الحكومة الإسرائيلية أيضًا إلى ما تعتبره أدلة على أن حماس دعت مرارًا المدنيين الفلسطينيين إلى تجاهل التحذيرات الإسرائيلية بشأن الضربات الوشيكة، بما يجعلهم، وفق الرواية الإسرائيلية، دروعًا بشرية. كما يرى المدافعون عن العمليات الإسرائيلية، ومن بينهم اللجنة اليهودية الأمريكية، أن القانون الدولي لا يحظر على إسرائيل القيام بعمليات عسكرية مشروعة يُحتمل أن تؤدي إلى أضرار بين المدنيين، ما لم يتجاوز الضرر المدني المتوقع بصورة واضحة الميزة العسكرية المرجوة من الهجوم.

ومن وجهة نظر رابطة مكافحة التشهير وقطاعات واسعة من المجتمع اليهودي حول العالم، فإن نشر الروايات التي تصف العمليات الإسرائيلية في غزة بأنها معادية للسامية أو مرتبطة بها قد اتسع بصورة خاصة عبر مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي، ومن بينهم بعض الشخصيات الكاثوليكية.

ويوضح ذلك، جزئيًا، سبب دعوة مجموعة واسعة من الشخصيات الكاثوليكية الأمريكية المؤثرة، التي تؤيد شخصيًا «بيان التضامن» الصادر عن الائتلاف، للمشاركة في النقاشات والاطلاع المباشر على هذه القضايا. وشملت هذه الشخصيات مشاركين مرتبطين بمؤسسات إعلامية وتعليمية ومراكز بحثية ومنظمات كاثوليكية أمريكية مختلفة.

وقالت بن حاييم، التي رافقت الوفد خلال جولة في طريق الآلام بالبلدة القديمة في القدس، إنها ترغب مستقبلًا في رؤية المزيد من هذه الزيارات، ولا سيما من جانب القادة والمؤثرين الكاثوليك الشباب الذين يشقون طريقهم إلى مواقع التأثير.

وتعكس هذه المبادرة تحولًا أوسع في أدوات الدبلوماسية الإسرائيلية؛ فالتواصل لم يعد مقتصرًا على الحكومات والمؤسسات السياسية، وإنما بات يستهدف أيضًا الشبكات الدينية والمجتمعية والإعلامية القادرة على التأثير في تشكيل الرأي العام.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو المبادرة مجرد حملة علاقات عامة، بل جزءًا من معركة أوسع حول الرواية السياسية والشرعية الدولية والصورة الذهنية لإسرائيل في مرحلة تواجه فيها البلاد انتقادات دولية واسعة بسبب حرب غزة، إلى جانب استمرار المواجهة مع حزب الله على الجبهة الشمالية.

وتدرك إسرائيل أن التأثير في النقاش الدولي لا يمر فقط عبر الحكومات، وإنما عبر المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والشخصيات العامة. ومن ثم، فإن بناء علاقات مباشرة مع القيادات والمؤثرين الكاثوليك في الولايات المتحدة يمكن أن يوفر لإسرائيل قناة إضافية للدفاع عن روايتها الأمنية والسياسية، ومواجهة ما تعتبره روايات معادية لها.

وفي المقابل، تكشف الزيارة عن تعقيد هذا المسار؛ إذ لم تقتصر أجندتها على الدفاع عن العمليات العسكرية الإسرائيلية أو مواجهة الاتهامات المتعلقة بغزة، وإنما شملت أيضًا تسليط الضوء على المخاوف الأمنية الإسرائيلية، وأوضاع المسيحيين في المنطقة، والعلاقات بين اليهود والمسيحيين، والتواصل مع مؤسسات كاثوليكية مؤثرة.

ومن ثم، فإن التحرك الإسرائيلي تجاه الكاثوليك الأمريكيين يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المعركة على الشرعية الدولية باتت تُخاض، إلى جانب ساحات السياسة والدبلوماسية التقليدية، داخل شبكات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية ووسائل الإعلام ومجتمعات الرأي العام.

وفي هذا السياق، تبدو الرسالة الإسرائيلية واضحة: إذا كان القادة الدينيون والشخصيات المؤثرة قادرين على تشكيل التصورات العامة تجاه إسرائيل، فإن الوصول إليهم وإتاحة الفرصة لهم لرؤية الرواية الإسرائيلية بصورة مباشرة يصبح جزءًا من أدوات السياسة الخارجية.

غير أن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرهونًا بأكثر من قدرة إسرائيل على إيصال روايتها. فالتحدي لا يتمثل فقط في إقناع المتلقين بالمخاوف الأمنية الإسرائيلية، وإنما أيضًا في كيفية التعامل مع الأسئلة الأكثر صعوبة المتعلقة بغزة، والفلسطينيين، ووضع المسيحيين وغيرهم من الجماعات التي تعيش في المنطقة.

وفي النهاية، فإن الانفتاح الإسرائيلي على الكاثوليك الأمريكيين يكشف عن تحول أوسع في طبيعة الدبلوماسية المعاصرة: فالصراع على الشرعية الدولية لم يعد يجري فقط بين الحكومات، وإنما أيضًا داخل المجتمعات الدينية وشبكات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والمنظومات المؤثرة في تشكيل الرأي العام.