انهيار الثقة في الحقائق: كيف نفهم التحقق من المعلومات على الإنترنت؟
لكي يعمل المجتمع والنظام الديمقراطي بصورة سليمة، اعتدنا الاعتماد على حقائق مشتركة، وعلى منظومة تقوم على النقاش المستنير وصنع القرار القائم على المعلومات. لكن الناس يشعرون بالغضب لأنهم يعتقدون أن هذه المنظومة لم تعد تؤدي دورها كما ينبغي، وأنها باتت تخذلهم.
يعود التحقق من الحقائق إلى فترة طويلة؛ ولعل أشهر تجاربه المبكرة تتمثل في وحدة التحقق التي أنشأتها مجلة «نيويوركر» عام 1927. غير أن حركة التحقق الحديثة من الحقائق بدأت فعلياً مع مطلع القرن الحالي، أي قبل نحو 25 عاماً.
لكن بحلول أوائل عام 2025، كنا قد أشرنا إلى أن التحقق المتخصص من الحقائق، بوصفه آلية لتصحيح المعلومات أو مساعدتنا على فهمها، كان يتراجع. فقد أعلن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، أن جهات التحقق المستقلة من الحقائق «منحازة سياسياً بدرجة كبيرة، وقد دمرت من الثقة أكثر مما خلقت». وبالطبع، كانت لدى «ميتا» دوافع سياسية واقتصادية أخرى وراء إلغاء برنامجها للتحقق من الحقائق بواسطة جهات خارجية في الولايات المتحدة. لكن هذا التغيير كانت له تداعيات خطيرة؛ فبمجرد أن سحبت «ميتا» دعمها، حذت منصات أخرى حذوها. واختفى التمويل الطوعي، سواء في صورة مساهمات عينية أو مالية. ورغم استمرار مجتمع العاملين في مجال التحقق من الحقائق، فإن حجمه أخذ في الانكماش.
وخلال هذه الفترة، أدخلت المؤسسات الإعلامية أشكالاً أخرى من التحقق ضمن عمليات إعداد تقاريرها ومحتواها المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي. ففي عام 2023، استبدلت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) وحدة التحقق التابعة لها «Reality Check» وأطلقت «BBC Verify»، وهي وحدة متخصصة في التحقق من صحة الصور ومقاطع الفيديو. وسارت هيئة الإذاعة الأسترالية العامة على النهج نفسه، عندما استبدلت وحدة التحقق التي كانت تعمل بالشراكة مع إحدى الجامعات، وهي «ABC RMIT Fact Check»، بوحدة «ABC Verify». ويعكس التغييران الضغوط نفسها، وفي مقدمتها التدفق الهائل للمحتوى الذي يُشتبه في أنه مولد بالذكاء الاصطناعي، فضلاً عن التدفق المتواصل للأخبار والأحداث العاجلة التي تتجاوز في سرعتها الأساليب التقليدية للتدقيق الصحفي.
ولسد هذه الفجوة، تتنافس حالياً ثلاثة نماذج للتحقق من المعلومات: التحقق الذي يجريه الخبراء، إلى جانب أساليب التحقق الأحدث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتحقق القائم على مساهمات الجمهور في توفير السياق. غير أن كل نهج من هذه المناهج يظل، منفرداً، قاصراً بسبب مشكلات تتعلق بالموثوقية، أو قابلية التفسير، أو السرعة، أو القدرة على استيعاب السياق.
«غروك» علامة تحذير
رغم أن منصة «إكس» تدفع مستخدميها باتجاه «غروك» باعتباره أداة للتحقق من الحقائق داخل المنصة، فإن النتائج تبدو سيئة بوضوح. فقد درس مختبر الأبحاث الرقمية الجنائية التابع للمجلس الأطلسي، الذي تأسس عام 2016، أكثر من 130 ألف منشور على منصة «إكس» خلال الصراع بين إسرائيل وإيران، ووجد أن «غروك» كان يعجز بصورة متكررة عن التمييز بين المقاطع المصورة الحقيقية والمحتوى الإعلامي المولد بالذكاء الاصطناعي. وفي إحدى الحالات، اعتبر مقطع فيديو مفبركاً يُظهر مطاراً متضرراً مقطعاً حقيقياً.
ووجد الباحثون إخفاقات مماثلة خلال الصراع بين الهند وباكستان، وكذلك أثناء احتجاجات الهجرة في لوس أنجلوس. وكحال جميع نماذج اللغات الكبيرة التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي، يتحدث «غروك» بثقة، ولا يحمل أي تحذير واضح للمستخدم، لكنه غالباً ما يكون مخطئاً.
وتواجه أيضاً أدوات الكشف المصممة لرصد النصوص والصور والتسجيلات الصوتية المولدة بالذكاء الاصطناعي حدوداً كبيرة. فبعضها يركز على الأنماط الإحصائية في الكتابة، بينما يكتفي بعضها الآخر بقراءة البيانات الوصفية المضمنة في الملفات. وهناك أدوات لا تتحقق إلا من وجود العلامات المائية، مثل «SynthID» التابعة لـ«غوغل». وكل طريقة من هذه الطرق محدودة النطاق، ويبدو، حتى الآن، أن جميعها قابلة للتحايل عليها.
ويواجه التحقق المدعوم بالذكاء الاصطناعي مشكلات تتعلق بقابلية التفسير والموثوقية. فعندما تقدم أداة الكشف درجة للثقة من دون أن توضح الحجة أو الأدلة التي استندت إليها، لا يكون بوسعك مساءلة هذه الدرجة بالطريقة التي يمكنك بها فحص مصادر مدقق الحقائق أو الاستناد إلى مراجع المساهمين في «ملاحظات المجتمع». وعندما تخطئ أدوات الكشف وتصف محتوى حقيقياً بأنه زائف، فإننا نعتقد أن الناس يميلون إلى اللجوء إلى المؤسسات والأشخاص الذين يثقون بهم.
قوة الجمهور
توفر أنظمة مثل «ملاحظات المجتمع» (Community Notes) على منصة «إكس»، إلى جانب المنتديات المجتمعية على الإنترنت مثل مجتمع «r/isitAI» على «ريديت»، بديلاً لهذه النماذج. لكن الدراسات تظهر أن المساهمين في «ملاحظات المجتمع» يعتمدون بدرجة كبيرة على عمليات التحقق المهنية من الحقائق، وعلى تقارير وسائل الإعلام الرئيسية، وعلى «ويكيبيديا».
ويؤدي إرفاق ملاحظة بمنشور مضلل إلى خفض إعادة نشر المحتوى بنحو 46%، والإعجاب به بنحو 44%. كما أن الملاحظات المتعلقة بالادعاءات الخاصة بلقاحات كوفيد-19 تكون دقيقة في معظم الحالات تقريباً. غير أن العملية بطيئة، في حين تتحرك موجات الغضب أسرع من أي عملية تصحيح.
لكن التحقق القائم على مساهمات الجمهور يمتلك ميزة حقيقية على الأساليب الأخرى، تتمثل في قدرته على أن يكون محلياً وحساساً للسياق. فما يُعد محتوى موثوقاً به في مجتمع إلكتروني معين قد لا يكون مقبولاً في مجتمع آخر. وقد يكون التحقق الذي يجريه أعضاء في المجتمع نفسه، ممن يدركون السياق المحيط بالمعلومة، أقل عرضة للاتهام بمحاولة إسكات حرية التعبير.
ويبقى السؤال الحقيقي: من يملك حق تحديد ما هو صحيح؟ وكيف تخضع هذه القرارات للمراجعة؟ وماذا يحدث بعد اتخاذ القرار؟
هذه أسئلة جوهرية تحتاج إلى إجابات واضحة.
لقد كان من الممكن في السابق التسامح مع بطء عمليات تفسير المعلومات والتحقق من الحقائق وشفافيتها، ما دام المسار الذي تُتخذ من خلاله القرارات واضحاً وقابلاً للفحص. أما الآن، فقد أصبحت المؤسسات التي أنشأت تلك العمليات البطيئة والقابلة للتدقيق متأخرة عن الركب أمام حفنة من الشركات التي تدير منصات تعتمد على وظائف غير قابلة للرصد بوضوح، ويبدو أنها تكافئ المحتوى المثير للغضب والانفعال.
وتعمل أستراليا حالياً على إعداد أول «استراتيجية وطنية لمحو الأمية الإعلامية»، وهي خطوة مهمة إلى الأمام. لكن من الضروري أن تتجاوز أي جهود لمحو الأمية الإعلامية المتعلقة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي مجرد تعليم الناس كيفية «اكتشاف المحتوى المزيف».
فإذا كانت «ملاحظات المجتمع» و«غروك» وأدوات الكشف تؤدي الوظيفة التي كان يؤديها مدققو الحقائق في السابق، فإن محو الأمية الإعلامية يجب أن يشمل أيضاً الوعي بكيفية إدارة المنصات الرقمية. ويحتاج الناس إلى فهم من يتخذ القرار، والعملية التي يُتخذ من خلالها، والحوافز التي تؤثر في ذلك القرار. ونعتقد أيضاً أن مفتاح ذلك يكمن في بناء قدرات للذكاء الاصطناعي تكون مرتبطة بالسياقات المتنوعة التي يعيش الناس من خلالها تجربتهم مع هذه التكنولوجيا.
ويشير الاتجاه المتزايد نحو «غروك» وأدوات الكشف عن المحتوى الاصطناعي إلى أن الناس يبحثون قبل كل شيء عن السرعة والبساطة. وقد تكون عمليات التحقق التي يجريها البشر بطيئة، وقد تكون سلطتها موضع تشكيك، لكن إلى أن تصبح الأنظمة الآلية قادرة على الجمع بين السرعة وقابلية التفسير والثقة، سيظل التحقق البشري هو الخيار الذي لا غنى عنه.
نقلا عن 360info.
