المغرب وإسرائيل بعد اتفاقيات أبراهام: من التعايش التاريخي إلى الشراكة الاستراتيجية ونموذج محتمل لشرق أوسط أكبر للسلام والتنمية

دراسات وأبحاث - د. محمد شتاتو
د. محمد شتاتو
محلل سياسي وأستاذ علوم التربية بجامعة محمد الخامس - الرياض

المقدمة: من الذاكرة التاريخية إلى الشراكة الاستراتيجية

يمثل التقارب بين المغرب وإسرائيل في أعقاب اتفاقيات أبراهام واحدًا من أكثر التجارب تأثيرًا في الدبلوماسية الشرق أوسطية المعاصرة. فقد أُعلن عن هذا التقارب في ديسمبر 2020، وجرت صياغته رسميًا من خلال الإعلان الثلاثي الأمريكي–المغربي–الإسرائيلي الصادر في 22 ديسمبر 2020. ولم تأتِ استعادة العلاقات الدبلوماسية من فراغ تاريخي، وإنما قامت على أساس علاقة تمتد جذورها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والإنسانية عميقًا في التاريخ المغربي الممتد عبر القرون. وقليل من العلاقات الثنائية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يجمع في آن واحد مثل هذا التراكم الكثيف من الذاكرة والهجرة والدين والجغرافيا السياسية، وأقل منها ما طُلب منه أن يحمل هذا الثقل الرمزي المتمثل في إثبات إمكانية قيام ملكية عربية–مسلمة ودولة يهودية ببناء شيء أكثر استدامة من مجرد سلام قائم على المعاملات والمصالح.

ومن ثم، فإن العلاقة المغربية–الإسرائيلية تتميز بطبيعة استثنائية؛ فهي في الوقت ذاته جيوسياسية وحضارية، واستراتيجية وإنسانية، ومعاصرة وتاريخية. وتستند بنيتها المعاصرة إلى عدة ركائز، من بينها التطبيع الدبلوماسي، وتنامي التبادلات الاقتصادية، والتعاون في مجالي الزراعة والمياه، والسياحة، والشراكات التكنولوجية، والتبادلات الثقافية والتعليمية، فضلًا عن التعاون المتزايد في مجالي الدفاع والأمن، والذي أصبح أكثر تطورًا وتعقيدًا. غير أن وراء هذه الأبعاد الوظيفية خزانًا أعمق بكثير يتمثل في الوجود التاريخي للجماعات اليهودية في المغرب، واستمرار وجود جالية يهودية مغربية كبيرة في إسرائيل، تحمل معها ذكريات المغرب وعاداته وتقاليده الدينية ومطبخه وموسيقاه وارتباطها به، بما يشكل جسرًا إنسانيًا استثنائيًا بين البلدين (Ben-Layashi & Maddy-Weitzman, 2010; Chtatou, 2023).

ومع ذلك، سيكون من المبالغة التحليلية وصف العلاقة بأنها «تحالف مطلق». فقد طور المغرب وإسرائيل شراكة استراتيجية، لكنهما لا يمتلكان تحالفًا بالمعنى الرسمي، إذ لا توجد بينهما معاهدة للدفاع المشترك، كما أن حكومتي البلدين لا تتفقان بشأن جميع القضايا الإقليمية الرئيسية. ولا يزال المغرب يؤكد دعمه للحقوق الفلسطينية ولحل الدولتين، في حين أدت حرب غزة إلى توترات سياسية ومجتمعية كبيرة حول مسار التطبيع. ولذلك، فمن الأفضل فهم العلاقة باعتبارها تقاربًا استراتيجيًا متعدد الأبعاد، متجذرًا في علاقة مغربية–يهودية ذات خصوصية تاريخية، تعتمد استدامتها على المؤسسات أكثر من اعتمادها على المصالح السياسية لأي قائد منفرد في أي من البلدين.

وتكتسب هذه التفرقة أهميتها لأنها تعزز، بدلًا من أن تضعف، الحجة الأوسع التي تطرحها هذه الدراسة. فليس من الضروري أن يصبح المغرب وإسرائيل فاعلين سياسيين متطابقين حتى يبرهنا على إمكانية التعاون بين ملكية عربية–مسلمة ودولة يهودية. بل تشير تجربتهما إلى إمكانية تعايش الذاكرة التاريخية والدبلوماسية البراغماتية والاعتماد الاقتصادي المتبادل والتعاون التكنولوجي والاعتراف الثقافي، رغم الاختلافات السياسية، بل وحتى رغم الخلافات الحادة حول أزمات إقليمية محددة. ومن هذا المنظور، يمكن أن تقدم التجربة المغربية–الإسرائيلية مبادئ لنموذج مستقبلي لشرق أوسط أكبر يقوم ليس على إزالة الخلاف، وإنما على إضفاء الطابع المؤسسي على التعاون رغم وجود الخلاف؛ أي نموذج للتعددية في ظل الضغوط، وليس تناغمًا مصطنعًا.

وكما ناقشتُ في أعمال سابقة، لا ينبغي تفسير التطبيع باعتباره مجرد صفقة دبلوماسية، وإنما يمكن فهمه أيضًا بوصفه إضفاءً للطابع المؤسسي على أوجه التقارب الثقافي والاتصالات التجارية والروابط الإنسانية والتعاون الأمني القائمة منذ فترة طويلة (Chtatou, 2023, 2026a). ومن ثم، تطرح الحالة المغربية سؤالًا أوسع، وهو السؤال الذي تتخذه هذه الدراسة مشكلةً مركزية لها: هل يمكن تحويل التجربة التاريخية للتعايش المغربي–اليهودي إلى بنية معاصرة للسلام والتفاهم والتنمية الإقليمية؟ أم أن استدعاء الماضي المشترك قد يتحول إلى مجرد زخرفة خطابية تُضاف إلى علاقة أمنية وتجارية عادية في جوهرها، تسعى من خلالها دولتان إلى تحقيق مصالحهما الخاصة؟

وتقدم الدراسة إجابة إيجابية بحذر، ولكن بشرط أن يتحول التعايش من مجرد ذاكرة تاريخية إلى مؤسسات وتعليم واعتماد اقتصادي متبادل ومسؤولية سياسية. فالذاكرة وحدها لا تستطيع الحفاظ على شراكة، كما أن الدبلوماسية القائمة على المعاملات والمصالح وحدها لا تستطيع منح هذه الشراكة الشرعية في أوساط الجماهير الأوسع، التي تحدد موافقتها في نهاية المطاف ما إذا كان التطبيع قادرًا على الصمود أمام الصدمات السياسية، مثل حرب غزة. وتتألف الدراسة من اثني عشر قسمًا. وتبدأ بالأسس التاريخية العميقة للحياة اليهودية في المغرب، ثم تنتقل إلى الجسر الذي أنشأته هجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل، وتتناول اتفاقيات أبراهام باعتبارها فعلًا من أفعال إضفاء الطابع المؤسسي على علاقة قائمة، وليس إنشاءً لعلاقة جديدة، ثم تستعرض بصورة منهجية الأبعاد الاقتصادية والزراعية والأمنية والدبلوماسية والتعليمية والثقافية للعلاقة المعاصرة. وتختتم ببحث ما إذا كانت المبادئ الكامنة في الحالة المغربية–الإسرائيلية قابلة للتعميم على بنية إقليمية أوسع، مع مواجهة القيود التي تفرضها القضية الفلسطينية التي لم تُحل.

ومن الناحية المنهجية، تستند الدراسة إلى التاريخ الدبلوماسي، وسوسيولوجيا الشتات والذاكرة، ونظريات العلاقات الدولية المتعلقة بإضفاء الطابع المؤسسي والاعتماد المتبادل، وتتعامل مع العلاقات المغربية–الإسرائيلية باعتبارها حالة تسهم في النقاشات الأوسع حول كيفية اكتساب اتفاقيات التطبيع شرعية اجتماعية مستدامة، أو فشلها في ذلك. وتنطلق الدراسة من قناعة — يجري الدفاع عنها بصورة أكثر تفصيلًا في القسم الحادي عشر — مفادها أن الدقة التاريخية والمنفعة الدبلوماسية ليستا في حالة تعارض، بل إنهما، إذا فُهمتا على النحو الصحيح، تعززان بعضهما بعضًا؛ فالتاريخ الصادق للتعايش، بكل تعقيداته، يوفر أساسًا أكثر صلابة للشراكة المعاصرة من التاريخ المنقح أو المجتزأ.

1. علاقة أقدم من الدولة القومية الحديثة

لا تكمن أعمق أسس العلاقات المغربية–الإسرائيلية في اتفاق عام 2020، وإنما في العمق التاريخي الاستثنائي للحياة اليهودية في المغرب، وهو عمق يسبق بقرون عديدة المفاهيم الحديثة — الدولة القومية والمواطنة والسياسة الخارجية — التي تُناقش العلاقة في إطارها عادةً في الوقت الراهن.

ويضع الباحثون عمومًا الوجود اليهودي في المغرب عند نحو ألفي عام أو أكثر، رغم استمرار الجدل حول أصوله الدقيقة. وتشير المكتبة الوطنية الإسرائيلية إلى أن اليهود ربما كانوا قد حافظوا على وجود جماعي في المغرب منذ القرن الأول قبل الميلاد، بينما يؤكد Ben-Layashi وMaddy-Weitzman (2010) الوجود التاريخي لليهود المغاربة على مدى يقارب ألفي عام. وقد وصفتُ في أبحاثي الخاصة هذا التاريخ بأنه يمتد لأكثر من ألفين وخمسمائة عام، مع التأكيد على أن التفاعل بين اليهود والمسلمين في المغرب لم يقتصر على التسامح، بل شمل أشكالًا معقدة من الاعتماد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي المتبادل (Chtatou, 2023, 2025, 2026a). وقد تراكبت موجات متعاقبة من الوصول والاستقرار — بدءًا من الاستيطان في فترة ما قبل الإسلام، مرورًا بانتشار الجماعات اليهودية في شمال أفريقيا خلال العصور القديمة المتأخرة، ووصولًا إلى التدفق اللاحق لليهود السفارديم بعد طردهم من إسبانيا عام 1492 — لتنتج جماعة يهودية مغربية لم تكن متجانسة في أي وقت، وإنما كانت فسيفساء من جماعات تتحدث العربية والأمازيغية والإسبانية، موزعة بين المدن الساحلية والعواصم الإمبراطورية وسلاسل جبال الأطلس والأطلس الصغير.

وتكتسب كلمة «التعايش» أهمية خاصة هنا. فلا ينبغي الخلط بينها وبين صورة مثالية لتعايش متناغم ومتواصل بلا انقطاع. فقد شهد التاريخ اليهودي في المغرب فترات من الازدهار والحماية، لكنه شهد أيضًا مراحل من التمييز والقيود السياسية والعنف. وكان الوضع القانوني لليهود في ظل الحكم الإسلامي متميزًا قانونيًا من خلال إطار «أهل الذمة»، كما تفاوتت العلاقات بين الجماعات اليهودية والمسلمة بصورة كبيرة بحسب السلالة الحاكمة والموقع الجغرافي والظروف الاقتصادية والسياق السياسي (Ben-Layashi & Maddy-Weitzman, 2010; Chetrit, 2019). فقد فرضت فترات مثل عهد الموحدين قيودًا شديدة على الجماعات غير المسلمة، بينما قدم السلاطين العلويون في فترات لاحقة أشكالًا من الحماية الملكية أتاحت للجماعات اليهودية، ولا سيما رجال البلاط والتجار والدبلوماسيين اليهود، شغل مواقع مؤثرة في التجارة وإدارة شؤون الدولة.

ومع ذلك، فإن تعقيد التاريخ لا يلغي أهمية التعايش، بل على العكس، يجعله أكثر فائدة في استخلاص الدروس. فقد تشارك اليهود والمسلمون الأحياء نفسها والأسواق والمساحات الزراعية والأنشطة الحرفية ومزارات الأولياء واللغات والتقاليد الموسيقية وأنماط الحياة اليومية. ويوثق Chetrit (2019)، على سبيل المثال، العلاقات الوثيقة، وإن كانت في بعض الأحيان ملتبسة، بين اليهود والجماعات الأمازيغية، بما في ذلك التعاون الاقتصادي والممارسات الثقافية المشتركة في المناطق الجبلية الداخلية، حيث كان الحرفيون اليهود والمرابون والتجار المتنقلون مندمجين داخل اقتصادات قبلية تقوم على الالتزام والحماية المتبادلين. وفي المقابل، يوضح Marglin (2016) كيف أسهمت المؤسسات القانونية في دمج اليهود داخل النسيج الاجتماعي الأوسع للمغرب الحديث، مبينًا أن المتقاضين اليهود كانوا يستخدمون المحاكم الإسلامية بصورة منتظمة إلى جانب المحاكم الحاخامية، وهي ممارسة تكشف عن درجة من التعددية القانونية والاعتراف المتبادل نادرًا ما تحظى بالاهتمام في الروايات التي تتعامل مع المغرب اليهودي والمغرب المسلم باعتبارهما عالمين قانونيين منفصلين بصورة تامة.

ويضيف Boum (2013) بُعدًا مكملًا من خلال دراسة الطريقة التي يتذكر بها المغاربة المسلمون أنفسهم الجماعات اليهودية التي غادرت بلداتهم وقراهم. فقد كشفت دراسته الإثنوغرافية في جنوب المغرب أن ذكريات الجيران اليهود ظلت حاضرة لدى المسلمين بعد عقود من الهجرة اليهودية، من خلال أسماء الأماكن، والروايات الشفوية عن الاحتفالات المشتركة، واستمرار زيارة المقابر اليهودية وأضرحة الأولياء. وتمثل هذه المفارقة — أي وجود شتات يتذكر المغرب بكثافة من داخل إسرائيل، إلى جانب مجتمع مسلم يتذكر جيرانه اليهود الغائبين بمزيج من الحنين والالتباس، وأحيانًا النسيان — موضوعًا جديرًا باهتمام سوسيولوجي مستمر، لأنه يؤثر في الطريقة التي يروي بها كل طرف العلاقة في الوقت الراهن.

ومن ثم، فإن التجربة المغربية لا تمثل جنة مثالية طوباوية، كما أنها ليست مجرد تاريخ من الاضطهاد. وإنما كانت شكلًا تاريخيًا مشروطًا من الوجود الاجتماعي المشترك، أنتجته هياكل اقتصادية محددة — مثل «الملاح» الذي كان في الوقت نفسه حيًا محميًا وموقعًا للقيود — وترتيبات سياسية محددة — تمثلت في الحماية الملكية التي كانت تُمنح بصورة انتقائية وقابلة للسحب — وممارسات ثقافية محددة، مثل الحج المشترك إلى أضرحة الأولياء الذين كان كلا المجتمعين يوقرهم، والموروثات الغذائية المشتركة، وأنماط اللغة العربية اليهودية والعربية المغربية التي كانت مفهومة بصورة متبادلة.

وتكتسب هذه التفرقة أهمية حاسمة بالنسبة إلى الشراكة المعاصرة. فالسلام لا يمكن أن يُبنى على الأساطير، وإنما ينبغي أن يقوم على وعي تاريخي ناضج قادر على الاعتراف بالتعايش والصراع معًا، وبالحماية وعدم المساواة معًا، وبالتضامن والاختلاف معًا. فالدبلوماسية التي لا تفعل سوى الاحتفاء بـ«التعايش» بينما تمحو فصوله الأكثر قتامة تخاطر بإنتاج سردية هشة يسهل على منتقديها تفكيكها؛ أما الدبلوماسية التي تعترف بالسجل التاريخي كاملًا، فإنها تنتج أساسًا أكثر قدرة على الصمود للتعاون، لأنه أساس أكثر صدقًا.

2. الشتات اليهودي المغربي بوصفه جسرًا إنسانيًا

تتمثل إحدى أكثر الخصائص استثنائية للعلاقات المغربية–الإسرائيلية في أن المجتمعين يرتبطان بجسر إنساني واسع يتمثل في اليهود المغاربة وذريتهم في إسرائيل. وقليل من العلاقات الثنائية في أي مكان في العالم تستند إلى جالية مهاجرة بهذا الحجم وبهذه الأهمية الديموغرافية والثقافية.

عند قيام دولة إسرائيل عام 1948، كان المغرب يضم واحدة من أكبر الجماعات اليهودية في العالم العربي والإسلامي، إذ بلغ عددها نحو 250 ألفًا إلى 300 ألف شخص، وفقًا للمكتبة الوطنية الإسرائيلية. وقد هاجر معظم هؤلاء لاحقًا، ولا سيما إلى إسرائيل وفرنسا وكندا ودول أخرى، في موجات تسارعت بعد عام 1948، ثم مرة أخرى بعد استقلال المغرب عام 1956، ثم بعد حرب عام 1967، عندما جعلت التوترات الإقليمية استمرار الحياة اليهودية في عدد من الدول العربية أكثر هشاشة، حتى في بلد مثل المغرب، حيث كانت الملكية تشجع مواطنيها اليهود على البقاء وتسعى إلى حماية رعاياها اليهود.

وأصبحت الجالية اليهودية المغربية في إسرائيل لاحقًا واحدة من أهم الجماعات الإثنية والثقافية في البلاد، ويُقدر عددها بمئات الآلاف عند احتساب أحفادها، كما مارست تأثيرًا كبيرًا في السياسة الإسرائيلية والأعمال والفنون والثقافة الشعبية. وقد حمل أفرادها معهم العربية المغربية والعربية اليهودية والتقاليد اليهودية–الأمازيغية والعادات الدينية والممارسات الغذائية والموروثات الموسيقية وذكريات المدن والقرى المغربية — فاس ومراكش والصويرة وسفوح الأطلس — التي انتقلت، في بعض الحالات بقدر لافت من الدقة، عبر جيلين وثلاثة أجيال وُلدت في إسرائيل.

وقد أدى هذا الشتات إلى تحويل العلاقة بين المغرب وإسرائيل إلى شيء يتجاوز كثيرًا حدود الدبلوماسية المعتادة بين الدول. فهو يخلق ما يمكن تسميته «بنية تحتية دبلوماسية للشتات»؛ أي شبكة كثيفة وغير رسمية إلى حد كبير من الروابط العائلية والحج الديني والحنين إلى المطبخ المغربي والعروض الموسيقية والزيارات الدورية، وهي شبكة سبقت التطبيع الرسمي لعام 2020، بل يمكن القول إنها ساعدت على تهيئة الظروف له.

فقد تمتلك الأسرة المغربية–الإسرائيلية في الوقت نفسه علاقة عاطفية بالمغرب، وعلاقة سياسية بإسرائيل، وعلاقة دينية بالذاكرة التاريخية اليهودية. ولا تزال المعابد والمقابر اليهودية ومواقع الحج في المغرب تمثل مواضع ارتباط بالنسبة إلى اليهود الإسرائيليين من أصول مغربية، الذين يسافرون إلى المغرب بأعداد مهمة للمشاركة في مواسم «الهيلولة» السنوية لزيارة الصالحين والأولياء اليهود، ولزيارة أسرهم، وبصورة متزايدة في إطار سياحة تراثية منظمة تدعمها المؤسسات المغربية الرسمية. وفي المقابل، بدأت المؤسسات المغربية بصورة متزايدة في الاعتراف بالتراث اليهودي باعتباره جزءًا من السردية التاريخية الوطنية، من خلال ترميم المعابد والمقابر اليهودية، وفهرسة الأرشيفات، وإدماج المواقع اليهودية في الاستراتيجية الوطنية للسياحة.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن الدستور المغربي لعام 2011 يعترف صراحة بالمكون اليهودي للهوية المغربية إلى جانب المكونات العربية–الإسلامية والأمازيغية والحسانية الصحراوية. وتتمثل أهمية هذا الاعتراف في بعده المفاهيمي بقدر ما تتمثل في بعده الدستوري؛ فالتاريخ اليهودي لا يُقدم باعتباره مجرد تاريخ لأقلية خارجية، وإنما باعتباره جزءًا من عملية تشكل المغرب الوطني والتاريخي. ويوفر هذا الاعتراف الدستوري مرتكزًا قانونيًا ورمزيًا داخليًا للعلاقة مع إسرائيل لا تمتلكه سوى قلة من الدول العربية الأخرى، لأنه يؤطر الانخراط في التراث اليهودي — وبالتبعية في العلاقة مع الدولة اليهودية — باعتباره تعبيرًا عن فهم المغرب لذاته، وليس تنازلًا أمام ضغوط خارجية.

وكما ناقشتُ في أعمالي السابقة، يشكل اليهود المغاربة في إسرائيل «شتاتًا جديدًا»، يعيش، على نحو مفارق، داخل الدولة اليهودية، لكنه يحتفظ بروابط ثقافية وعاطفية قوية مع وطنه المغربي الأصلي (Chtatou, 2021). وتستحق هذه المفارقة التأمل؛ فالشتات يُنظَر إليه عادةً بوصفه حالة من المنفى بعيدًا عن وطن ذي سيادة، لكن اليهود المغاربة في إسرائيل يعيشون داخل وطنهم اليهودي ذي السيادة، بينما يواصلون رواية المغرب — وليس إسرائيل — باعتباره موطن جذورهم التاريخية وذاكرتهم الغذائية، وبالنسبة إلى كثير من الأسر، موقعًا لاستمرار حقوق الملكية والدفن.

ويمنح هذا البعد الإنساني العلاقات المغربية–الإسرائيلية قدرًا من المرونة تفتقر إليه الدبلوماسية القائمة على المعاملات وحدها. فالعلاقات الدبلوماسية المبنية حصريًا على الحسابات الاستراتيجية يمكن أن تنعكس بسرعة نسبيًا عندما تتغير الحسابات التي قامت عليها؛ أما العلاقات المتجذرة في ذاكرة الأسرة والحج الديني والإنتاج الثقافي فهي أكثر مقاومة للتراجع، لأنها تستند إلى ملايين القرارات الفردية — زيارة المغرب، وإعداد طبق من الذاكرة، وتعليم حفيد أغنية تهويدة بالعربية اليهودية — وهي قرارات مستقلة عن سياسة الحكومات، بل كثيرًا ما سبقتها.

ومن المفيد التوقف قليلًا عند آليات هذا الجسر الذي يصنعه الشتات، لأن الحديث عنه غالبًا ما يجري بصورة عامة دون الانتباه إلى المؤسسات المحددة التي تحافظ عليه. فالجمعيات اليهودية المغربية في إسرائيل تحافظ على روابط نشطة مع شبكات المدن الأصلية — وهي منظمات شبيهة بجمعيات أبناء المدن، تقوم على الانتماء إلى مدن مغربية محددة مثل فاس ومكناس والدار البيضاء والصويرة — وتنظم فعاليات تذكارية، وتمول ترميم المعابد التاريخية، وتنسق رحلات جماعية للحج تتزامن مع مواسم «الهيلولة». وتعمل هذه الجمعيات بوصفها مؤسسات وسيطة بين الذاكرة العائلية الفردية والدبلوماسية الرسمية بين الدول، إذ تحول الحنين الخاص إلى المغرب إلى مطالب منظمة، ومن ثم قابلة للترجمة السياسية، باستمرار الانخراط مع المملكة.

أما الدولة المغربية، فقد استثمرت بصورة متعمدة في الحفاظ على هذا الجسر بدل السماح له بالاضمحلال مع ابتعاد الأجيال المتعاقبة عن الذاكرة الحية المباشرة للمغرب. وتمثل مشروعات ترميم المقابر والمعابد اليهودية في أنحاء البلاد، ورقمنة الأرشيفات الحاخامية، وإدماج مواقع التراث اليهودي في مسارات السياحة الوطنية، جميعها خيارات سياسية واعية تهدف إلى التعامل مع الشتات باعتباره موردًا مستمرًا وليس فصلًا تاريخيًا مغلقًا، وباعتباره موردًا لصورة المملكة الدولية، وبصورة متزايدة لعلاقتها مع إسرائيل تحديدًا. كما أن هذا الاستثمار سبق عام 2020 بعقود، وهو ما يمثل في حد ذاته دليلًا على الحجة القائلة إن التطبيع أضفى الطابع المؤسسي على علاقة قائمة أصلًا، ولم ينشئها من العدم.

3. اتفاقيات أبراهام: تطبيع أم إضفاء للطابع المؤسسي؟

ينبغي وضع اتفاق التطبيع المبرم في ديسمبر 2020 ضمن هذا التاريخ الأطول، بدلًا من التعامل معه باعتباره نقطة انطلاق العلاقة المغربية–الإسرائيلية. فقراءة اتفاقيات أبراهام بوصفها بداية العلاقة المغربية–الإسرائيلية تعني الخلط بين لحظة إضفاء الطابع الرسمي على العلاقة ولحظة نشأتها.

مثّلت اتفاقيات أبراهام تحولًا كبيرًا في الدبلوماسية الشرق أوسطية على نطاق أوسع. وتمثلت فلسفتها المركزية في أن التعاون والتجارة والتبادل التكنولوجي والحوار بين الأديان والتواصل بين الشعوب يمكن أن تنتج حوافز للاستقرار، في خروج واضح عن تسلسل «الأرض مقابل السلام» الذي هيمن على المفاوضات العربية–الإسرائيلية السابقة. وقد شدد الإعلان الرسمي على التعايش والحرية الدينية والحوار بين الثقافات والتعاون العلمي والتجارة والتسامح ومواجهة التطرف، مقدمًا التطبيع باعتباره مولدًا للسلام وليس مجرد مكافأة تأتي في نهايته.

وكان قرار المغرب أيضًا براغماتيًا إلى حد كبير. فقد ارتبط الاتفاق الثلاثي باعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، ما جعل عملية التطبيع جزءًا من صفقة استراتيجية أوسع حصلت من خلالها الرباط على ما تعتبره هدفها الأكثر أهمية في السياسة الخارجية، مقابل استعادة العلاقات مع إسرائيل. ولا تزال قضية الصحراء الغربية عنصرًا أساسيًا لفهم حسابات الرباط (Guzansky & Marshall, 2023)، ولا يمكن لأي رواية صادقة لدوافع المغرب أن تتجاهلها؛ فالتطبيع مع إسرائيل لم تسعَ إليه الرباط باعتباره غاية في ذاته، وإنما باعتباره عنصرًا ضمن استراتيجية أوسع لتكريس الاعتراف الدولي بالسيادة المغربية على الإقليم المتنازع عليه.

غير أن اختزال التطبيع في صفقة قائمة على المعاملات والمصالح سيكون بدوره ناقصًا. فقد حافظ المغرب على علاقات غير معلنة مع إسرائيل لعقود، كما كانت هناك علاقات دبلوماسية رسمية خلال تسعينيات القرن العشرين، عندما عملت مكاتب اتصال في الرباط وتل أبيب بعد افتتاحها عام 1994 في أعقاب عملية أوسلو. واستمرت الاتصالات الاقتصادية والاستخباراتية والإنسانية حتى بعد القطيعة الرسمية عام 2000، عندما دفعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية المغرب إلى إغلاق مكتب الاتصال تحت ضغط داخلي وإقليمي (Chtatou, 2021, 2023). ومن ثم، مرت العلاقة بدورات من الانفتاح الرسمي، والاستمرار غير الرسمي، ثم إعادة الانفتاح الرسمي؛ وهو نمط يشير إلى استمرار المصالح الهيكلية الكامنة لدى الطرفين حتى عندما كانت الدبلوماسية الرسمية معلقة.

ومن ثم، أدت اتفاقيات أبراهام وظيفة مهمة تتمثل في تحويل العلاقات غير الرسمية إلى مؤسسات. ويُعد إضفاء الطابع المؤسسي هذا الاختراق الاستراتيجي الحقيقي، وربما كان أكثر أهمية على المدى الطويل من الإعلان الأولي نفسه، لأن المؤسسات تستمر بعد انتهاء اللحظة السياسية التي أنشأتها.

فالسفارات ومكاتب الاتصال، والزيارات الوزارية، ووفود رجال الأعمال، والاتفاقيات، والشراكات الأكاديمية، والرحلات الجوية المباشرة، والسياحة، والاتصالات العسكرية، والتبادلات التجارية، كلها تخلق جماعات ومؤسسات ذات مصلحة في الحفاظ على العلاقة. ويصبح السلام تدريجيًا أقل اعتمادًا على القادة الأفراد وأكثر رسوخًا داخل الهياكل البيروقراطية والاقتصادية والمجتمعية. ويكتسب مخططو الرحلات الجوية، ومكاتب العلاقات الدولية في الجامعات، وغرف التجارة، ومسؤولو المشتريات الدفاعية، ومنظمو الرحلات السياحية، كل منهم مصلحة في استمرارية العلاقة يمكن أن تصمد أمام تغير الحكومات وحتى أمام فترات التوتر السياسي الحاد؛ لأن عكس مسار علاقة أصبحت مؤسسية يفرض تكاليف — مثل فقدان العقود، وإلغاء التبادلات الأكاديمية، واضطراب سلاسل الإمداد — وهي تكاليف لا تنتجها علاقة رمزية بحتة.

ومن الجدير بالملاحظة أيضًا أن عملية إضفاء الطابع المؤسسي تدريجية ولا تزال غير مكتملة. فلم تُنشأ سفارات كاملة بصورة فورية في العاصمتين، كما تفاوتت سرعة تنفيذ الاتفاقات في القطاعات المختلفة، إذ تقدم التعاون الأمني والدفاعي بدرجة أكبر بكثير من التعاون الثقافي والتعليمي، وهي مفارقة يجري تناولها بمزيد من التفصيل في القسم الثامن. ولذلك، فإن أطروحة إضفاء الطابع المؤسسي تصف مسارًا وليس إنجازًا مكتملًا، وسيعتمد نجاحها النهائي على ما إذا كانت القطاعات الأبطأ — التعليم والثقافة وتبادل المجتمع المدني — ستلحق في النهاية بالقطاعات الأسرع تقدمًا.

وهناك جانب إضافي في أطروحة إضفاء الطابع المؤسسي يستحق التأكيد، وهو أن اتفاقيات أبراهام أضفت الطابع المؤسسي على التوقعات، وليس الاتفاقيات وحدها. فعندما تعلن قيادات الدول عن علاقة ثنائية بصورة رسمية، وتحظى هذه العلاقة بدعم ضامن خارجي رئيسي مثل الولايات المتحدة، يصبح لدى الحكومتين مصلحة وسمعة ينبغي الحفاظ عليهما من خلال إثبات أن العلاقة تنتج نتائج ملموسة. ويساعد منطق السمعة هذا على تفسير السرعة اللافتة التي أعقبت بها الاتفاقَ الأولي في ديسمبر 2020 اتفاقياتٌ قطاعية في مجالات الطيران وتشجيع التجارة والضرائب والزراعة والدفاع، إذ أصبح كل اتفاق إضافي في الوقت نفسه إنجازًا موضوعيًا ودليلًا، أمام الجماهير الداخلية والدولية، على أن التطبيع يتجاوز كونه خطوة رمزية.

وفي الوقت نفسه، لم تكن عملية إضفاء الطابع المؤسسي بمنأى عن الانقطاعات. فقد أدت حرب غزة إلى ضغوط واضحة على العلاقة، تمثلت في مظاهرات شعبية في المدن المغربية، وانتقادات برلمانية، وإشارات دورية من الرباط تؤكد استمرار التضامن مع الفلسطينيين بالتوازي مع استمرار الانخراط مع إسرائيل. وأن العلاقة صمدت أمام هذه الضغوط من دون قطيعة رسمية — بخلاف سابقة عام 2000 التي نوقشت أعلاه — يمثل في حد ذاته دليلًا على مقدار العمق المؤسسي الذي تراكم بين عامي 2020 و2023، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن إضفاء الطابع المؤسسي يوفر المرونة في مواجهة الصدمات، وليس الحصانة منها.

4. من الدبلوماسية إلى الاعتماد الاقتصادي المتبادل

ربما يمثل البعد الاقتصادي المكون الأكثر وعدًا في الشراكة، لأن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يمكن أن يخلق جماعات ذات مصلحة في الاستقرار تعمل بصورة مستقلة عن التوجه السياسي لأي حكومة منفردة.

وقد أقام البلدان تعاونًا في مجالات الصناعة والزراعة والسياحة وإدارة المياه والتكنولوجيا والطاقة والصحة والخدمات اللوجستية والفضاء وإنتاج السيارات وغيرها من المجالات. وحددت وزارة الصناعة والتجارة المغربية بصورة خاصة مجالات الصناعة 4.0، والصناعات الغذائية والزراعية، وصناعة السيارات والطيران، والمنسوجات، وتقنيات المياه، والطاقة المتجددة، وخدمات التعهيد، والأجهزة الطبية، والصناعات الدوائية، باعتبارها مجالات ذات إمكانات كبيرة، بما يعكس استراتيجية المغرب الصناعية الرامية إلى الارتقاء في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية في القطاعات التي تتمتع فيها شركات التكنولوجيا الإسرائيلية بمزايا تنافسية.

وبالمثل، أكدت وزارة الاقتصاد والمالية المغربية أهمية تطوير التجارة والاستثمار الثنائيين، وحددت السياحة والزراعة والمياه باعتبارها قطاعات واعدة بصورة خاصة؛ وهو تقاطع بين أولويات الوزارات المغربية ومواطن القوة التكنولوجية الإسرائيلية، يساعد على تفسير سبب تقدم هذه القطاعات الثلاثة بصورة أكبر وأسرع من غيرها من مسارات العلاقة الاقتصادية.

ولا تزال العلاقة الاقتصادية محدودة نسبيًا مقارنة بتجارة المغرب مع الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة أو شركائه الآسيويين الرئيسيين. وقد وصف البنك الدولي الروابط التجارية المباشرة بين المغرب وإسرائيل بأنها محدودة. وتمثل هذه الحقيقة تصحيحًا مهمًا للسرديات المبالغ فيها التي تصور العلاقة الاقتصادية باعتبارها وصلت بالفعل إلى مرحلة التكامل الكامل، وينبغي أن تحد من أي ميل إلى تضخيم حجم التجارة المغربية–الإسرائيلية لأغراض العلاقات العامة. فالاتحاد الأوروبي وحده يستحوذ على الغالبية العظمى من التجارة المغربية، ولا يوجد مسار معقول على المدى المتوسط يجعل إسرائيل شريكًا مماثلًا من حيث الحجم الإجمالي.

ومع ذلك، فإن الأهمية الاستراتيجية لا تتطابق بالضرورة مع حجم التجارة المطلقة. فقد تحمل التدفقات التجارية الصغيرة أهمية استراتيجية تفوق حجمها عندما تتعلق بتكنولوجيات يصعب استبدالها، أو عندما تتيح الوصول إلى شبكات — مثل رأس المال الاستثماري، واتحادات البحث العلمي، وسلاسل إمداد الصناعات الدفاعية — لا يمكن قياس قيمتها بصورة كاملة من خلال إحصاءات الجمارك وحدها.

وتوفر إسرائيل للمغرب خبرات تكنولوجية في مجالات يواجه فيها المغرب تحديات هيكلية، مثل ندرة المياه والري الدقيق والإنتاجية الزراعية والأمن السيبراني والرقمنة والابتكار التكنولوجي. كما أن مكانة إسرائيل بوصفها دولة رائدة عالميًا في التكنولوجيا الزراعية وتقنيات المياه، والتي تطورت على مدى عقود من التكيف مع ظروفها المناخية الجافة، تجعلها شريكًا تقنيًا طبيعيًا لبلد يواجه قطاعه الزراعي ضغوطًا مناخية متزايدة. وفي المقابل، يوفر المغرب لإسرائيل إمكانية الوصول إلى أسواق شمال أفريقيا والشبكات الاقتصادية الأفريقية والبنية التحتية الأطلسية والموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط أوروبا وأفريقيا والبحر المتوسط؛ وهي إمكانية يصعب على إسرائيل الحصول عليها عبر شريك عربي آخر بالنظر إلى عضوية المغرب في الاتحاد الأفريقي في الوقت نفسه، وشبكته الواسعة من اتفاقيات التجارة الحرة، وبنيته التحتية للموانئ المطلة على الأطلسي، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط، فضلًا عن ميناء الداخلة مستقبلًا.

ويخلق ذلك علاقة تقوم على التكامل وليس مجرد المعاملة. فالعلاقات التكاملية، بخلاف المنافسة التجارية القائمة على منطق المحصلة الصفرية، تميل إلى التعاظم مع مرور الوقت، مع ازدياد اندماج كل طرف في سلاسل إمداد الطرف الآخر وشبكات البحث العلمي ومحافظ الاستثمار. وإذا استمر هذا المسار، فقد يؤدي في نهاية المطاف إلى تضييق الفجوة بين الانخراط الاقتصادي للمغرب مع إسرائيل وانخراطه الأكبر بكثير مع الشركاء الأوروبيين والأمريكيين، حتى وإن ظلت المساواة الكاملة بين الطرفين غير مرجحة.

وثمة اعتبار آخر يتعلق بالطريقة المنهجية التي ينبغي من خلالها تقييم العلاقة الاقتصادية. فإحصاءات التجارة الثنائية تقيس السلع التي تعبر الحدود بصورة مباشرة، لكنها تقلل بصورة منهجية من تقدير الأهمية الاقتصادية لترخيص التكنولوجيا والمشروعات المشتركة والاستثمار في رأس المال الاستثماري ونقل المعرفة؛ وهي تحديدًا فئات التبادل الأكثر أهمية في الحالة المغربية–الإسرائيلية. فقد لا يظهر بصورة كبيرة في بيانات الجمارك قيام شركة إسرائيلية للتكنولوجيا الزراعية بترخيص برنامج للري التكنولوجي لصالح تعاونية مغربية، أو قيام صندوق استثماري إسرائيلي بالمشاركة في تمويل شركة مغربية ناشئة في مجال التكنولوجيا المالية، رغم أن هذه العمليات قد تنقل قدرات يمكن أن تعيد تشكيل القدرة الإنتاجية المغربية على المدى المتوسط. ولذلك، فإن أي تقييم جاد للعلاقة الاقتصادية ينبغي أن يتجاوز أرقام التجارة الإجمالية ليتناول قنوات التبادل الأقل ظهورًا، لكنها قد تكون أكثر تأثيرًا.

ويقدم قطاع السياحة مثالًا مشابهًا على الكيفية التي يمكن أن تخفي بها الأرقام الرئيسية المحدودة أهمية أعمق. فقد أدت الرحلات الجوية المباشرة بين المغرب وإسرائيل، التي أُطلقت في أعقاب التطبيع، إلى فتح مسار جوي كان يتطلب سابقًا العبور عبر أوروبا، مما أدى إلى تقليص وقت السفر بصورة كبيرة لعشرات الآلاف من الإسرائيليين من أصول مغربية الراغبين في زيارة مدن أجدادهم، إلى جانب عدد أصغر لكنه متزايد من السياح الإسرائيليين الذين لا يمتلكون تراثًا مغربيًا شخصيًا، وإنما تجذبهم جاذبية المغرب الأوسع بوصفه وجهة سياحية. ولا تزال عائدات السياحة، شأنها شأن أرقام التجارة، صغيرة مقارنة بالتدفقات القادمة من أوروبا، لكن التركيبة الديموغرافية للزوار الإسرائيليين — الذين ترتبط نسبة كبيرة منهم بالجسر الذي صنعه الشتات والذي تناولناه في القسم الثاني — تمنح هذه العلاقة السياحية المحدودة وظيفة رمزية واجتماعية تفوق بكثير ما يمكن أن يكشفه التقييم الاقتصادي البحت.

8. الثقافة والتعليم: الركيزة المفقودة

هنا تكمن، ربما، أعظم نقاط ضعف اتفاقيات أبراهام، وكذلك الركيزة التي يمثل ضعفها أكبر خطر طويل الأجل على استدامة البنية بأكملها.