جنوب لبنان... هل تعيد إسرائيل تعريف «الانسحاب» عبر حزام المرتفعات؟
لم يعد السؤال المتعلق بالوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان محصوراً في موعد الانسحاب أو حدود المناطق التي ستخليها إسرائيل، وإنما بات يتصل بصورة أعمق بطبيعة الجغرافيا الأمنية التي تريد تل أبيب إنتاجها في الجنوب. فبعد عقود من التجارب العسكرية والسياسية، تبدو إسرائيل أمام محاولة لإعادة صياغة معادلة السيطرة: بدلاً من العودة إلى نموذج الاحتلال المباشر لشريط جغرافي واسع، قد يكون الهدف هو الإمساك بمجموعة من المرتفعات والنقاط الحاكمة التي تمنحها قدرة على المراقبة والسيطرة بالنار، وتحرم «حزب الله» في الوقت نفسه من استخدامها عسكرياً.
ولا توجد، حتى الآن، معطيات كافية للقول إن إسرائيل تبنّت رسمياً «عقيدة حزام المرتفعات»، كما لا يوجد إعلان إسرائيلي واضح يحدد هذا الهدف باعتباره استراتيجية مستقلة. لكن قراءة خريطة العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان، ولا سيما التركيز على مرتفعات الشقيف وزوطر وعلي الطاهر ومواقع أخرى، تفتح الباب أمام فرضية عسكرية وسياسية تستحق التوقف عندها: هل تسعى إسرائيل إلى تحويل التفوق الجغرافي إلى بديل عن الانتشار العسكري الواسع؟
تكتسب هذه الفرضية أهميتها من طبيعة الحرب نفسها. فالسيطرة على شريط جغرافي متصل تعني، بالضرورة، انتشاراً برياً واسعاً، وتأمين طرق الإمداد، وحماية القوات المنتشرة، وتحمل كلفة بشرية ولوجستية مستمرة. أما السيطرة على عدد محدود من النقاط المرتفعة والحاكمة، فتسمح بتحقيق جزء من الوظيفة الأمنية نفسها من دون تحمل كامل أعباء الاحتلال المباشر.
وهنا تحديداً تبرز أهمية مرتفعات علي الطاهر، التي لا تمثل مجرد موقع جغرافي مرتفع، وإنما نقطة ذات قيمة عسكرية بسبب إشرافها على النبطية ومناطق باتجاه إقليم التفاح، فضلاً عن موقعها ضمن شبكة من المرتفعات التي يمكن أن تمنح من يسيطر عليها قدرة أكبر على الرصد والتأثير في المجال المحيط.
من الشريط الأمني إلى شبكة النقاط الحاكمة
يمكن فهم التحرك الإسرائيلي في جنوب لبنان من خلال التمييز بين مفهومين مختلفين للسيطرة العسكرية. الأول يقوم على إنشاء شريط أمني متصل، وهو النموذج الذي ارتبط تاريخياً بالوجود الإسرائيلي في الجنوب اللبناني. أما الثاني فيقوم على التحكم في «الجغرافيا الحاكمة»، أي المرتفعات والمواقع التي تمنح أفضلية في الرصد والنيران، حتى لو لم تكن جزءاً من منطقة احتلال متصلة.
وفق هذا المنطق، لا تصبح القيمة العسكرية للموقع مرتبطة بمساحته، وإنما بما يستطيع أن يمنحه من تفوق على المجال المحيط به. فالمرتفعة التي تكشف مساحة واسعة يمكن أن تكون، عسكرياً، أكثر أهمية من مساحة أكبر تقع في أرض منخفضة. ومن ثم فإن الإمساك بمجموعة من هذه المواقع قد يسمح لإسرائيل ببناء عمق أمني غير متصل جغرافياً، لكنه مترابط وظيفياً.
وهذا ما يفسر، إلى حد كبير، التركيز على المرتفعات المقابلة للمستوطنات الإسرائيلية. فبحسب التصور الذي يطرحه العميد المتقاعد سعيد قزح، فإن ما تسميه إسرائيل «الخط الأصفر» يقوم على مجموعة من المرتفعات الممتدة من القطاع الغربي إلى الأوسط والشرقي، بما يجعلها أقرب إلى خط دفاعي قائم على التضاريس منه إلى حدود جغرافية تقليدية.
وبهذا المعنى، فإن أهمية هذا الخط لا تكمن فقط في المسافة التي تفصل هذه المرتفعات عن المستوطنات، وإنما في محاولة إسرائيل خلق منطقة تفصل التجمعات السكانية الإسرائيلية عن مواقع يمكن أن تُستخدم لإطلاق النار المباشر أو للمراقبة أو للإسناد العملياتي.
لكن هذا التصور لا يعني بالضرورة أن إسرائيل تريد الاحتفاظ بكل قمة مرتفعة أو إقامة مواقع عسكرية دائمة عليها. فالوظيفة العسكرية للمرتفعات يمكن تحقيقها بوسائل مختلفة: السيطرة المباشرة، أو منع الخصم من استخدامها، أو إخضاعها للمراقبة، أو الدفع باتجاه أن تكون تحت سيطرة الجيش اللبناني أو أي ترتيبات أمنية أخرى.
"علي الطاهر"... اختبار لنظرية جديدة
في هذا السياق، تتحول علي الطاهر من مجرد موقع في خارطة العمليات إلى اختبار حقيقي لطبيعة الاستراتيجية الإسرائيلية المقبلة.
فإذا كان الهدف الإسرائيلي يقتصر على عمليات عسكرية مؤقتة لمنع إعادة بناء القدرات العسكرية لـ«حزب الله»، فإن أهمية المرتفع قد تتراجع مع تغير الظروف الميدانية. أما إذا استمر الضغط العسكري والسياسي للاحتفاظ به أو بإقامة ترتيبات تمنع الحزب من العودة إليه، فإن ذلك قد يشير إلى تحول أوسع في مفهوم إسرائيل للأمن على الحدود الشمالية.
وتزداد أهمية المسألة لأن السيطرة على المرتفعات لا تنفصل عن السيطرة على البنية العسكرية الموجودة في محيطها. فالمرتفعات ليست أهدافاً عسكرية بمعزل عن المواقع الموجودة أسفلها أو على جوانبها؛ إذ يمكن أن تكون القمة نفسها نقطة مراقبة، بينما توجد مراكز القيادة والإسناد والتحصينات في مناطق أقل ارتفاعاً.
ومن هنا، فإن المعركة على التلال ليست بالضرورة معركة على «القمة» وحدها، بل على النظام العسكري الذي تحكمه القمة.
وهذا يفسر أيضاً لماذا لا تبدو العملية البرية خياراً سهلاً لإسرائيل. فالسيطرة على هذه المناطق بالقوة تتطلب قوات برية، وتعرضها لخطر الكمائن والاستنزاف، وتفرض عليها تأمين المواقع بعد السيطرة عليها. وفي المقابل، فإن استخدام القوة الجوية والمدفعية والطائرات المسيّرة يمكن أن يوفر قدرة على الضغط والتدمير من دون تحمل الكلفة البشرية نفسها، لكنه لا يحقق بالضرورة السيطرة الميدانية الكاملة.
وهنا تظهر إحدى المعضلات الأساسية في الحساب الإسرائيلي: كيف يمكن تحويل التفوق الناري إلى ترتيبات أمنية مستقرة من دون الانجرار إلى احتلال بري واسع؟
الكلفة البشرية تعيد تشكيل الخيار الإسرائيلي
إذا كانت إسرائيل قد تعلمت شيئاً من تجربتها الطويلة في لبنان، فهو أن الاحتلال المباشر لا يقاس فقط بالمساحة التي تسيطر عليها القوات، وإنما بالكلفة التي تفرضها المحافظة على هذه السيطرة.
ولهذا فإن السيطرة على المرتفعات قد تكون، في حال تبنيها، محاولة للجمع بين ميزتين متناقضتين: الاحتفاظ بالقدرة على التأثير في العمق اللبناني، وفي الوقت نفسه تقليل الحاجة إلى انتشار بري واسع.
لكن نجاح هذه المعادلة ليس مضموناً. فالمرتفعات لا توفر الأمن بمجرد احتلالها. فإذا بقيت المجموعات المسلحة قادرة على العمل خلف الخطوط أو استهداف القوات والمواقع الإسرائيلية، فإن السيطرة الجغرافية لا تتحول بالضرورة إلى حسم عسكري.
وهنا تكمن أهمية تقييم اللواء الركن المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي، الذي يرى أن المرتفعات مثل علي الطاهر والدبشة والشقيف اكتسبت قيمتها من كونها نقاطاً حاكمة يمكن استخدامها للمراقبة والنيران والقيادة والإسناد. وبالتالي فإن الصراع عليها لا يتعلق فقط بمن يرفع علمه فوق القمة، وإنما بمن يمتلك القدرة على استخدامها ضمن منظومة عسكرية متكاملة.
لماذا يصعب تكرار نموذج 2000؟
هذه التطورات تضع مطلب الانسحاب الإسرائيلي أمام معضلة تختلف جذرياً عن تلك التي عرفها لبنان في عامي 2000 و2006.
في 25 مايو/أيار 2000، انسحبت إسرائيل من معظم جنوب لبنان بعد نحو 22 عاماً من الاحتلال، في قرار ارتبط بدرجة كبيرة بالحسابات الإسرائيلية الداخلية وكلفة الوجود العسكري. وكان القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن عام 1978 يمثل إطاراً دولياً قائماً للانسحاب، لكن التنفيذ جرى من دون اتفاق سلام أو ترتيبات أمنية ثنائية مع الحكومة اللبنانية.
أما في عام 2006، فقد كان الانسحاب جزءاً من سياق مختلف أنتج القرار 1701، الذي وضع إطاراً لوقف الأعمال العدائية وتعزيز انتشار الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة في الجنوب.
الفارق الجوهري بين التجربتين أن عام 2000 شهد قراراً إسرائيلياً بالانسحاب، بينما جاء عام 2006 في إطار ترتيب دولي لوقف الحرب وإعادة تنظيم الوضع الأمني في الجنوب.
أما اليوم، فإن أي انسحاب محتمل يواجه سؤالاً أكثر تعقيداً: ما الذي سيأتي بعد الانسحاب؟
فإسرائيل لا تنظر إلى المسألة باعتبارها مجرد إعادة انتشار جغرافي، وإنما تربطها بمسألة أوسع تتعلق بمن يملك القدرة العسكرية في جنوب لبنان، وكيف يمكن منع إعادة بناء البنية العسكرية لـ«حزب الله». وفي المقابل، يصر لبنان على مبدأ الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، بما يجعل جوهر الخلاف متعلقاً ليس فقط بمكان تموضع القوات، وإنما بالترتيب الأمني الذي سيحكم المنطقة بعد الانسحاب.
من الأمم المتحدة إلى واشنطن
وهنا يظهر أحد أهم المتغيرات مقارنة بعام 2006: تبدل البيئة الدولية المحيطة بالملف اللبناني.
في أعقاب حرب يوليو/تموز 2006، كان للأمم المتحدة وفرنسا والدولة اللبنانية وأطراف عربية أدوار مؤثرة في إنتاج التسوية التي انتهت إلى القرار 1701. أما في المرحلة الراهنة، فتبدو الولايات المتحدة أكثر حضوراً في إدارة المسار التفاوضي والضغط على الأطراف، في وقت يواجه فيه الدور الأممي نفسه أسئلة متزايدة حول قدرته على فرض ترتيبات جديدة.
وهذا التحول يغير طبيعة التفاوض. ففي عام 2006 كان هناك قرار دولي واضح، وآلية أممية للمتابعة، وانتشار لقوات دولية معززة. أما اليوم، فإن أي ترتيبات جديدة تحتاج إلى تحديد أكثر دقة لمن يضمن تنفيذها، ومن يراقبها، وما هي الآليات التي ستمنع عودة الوضع السابق.
ولهذا فإن الحديث عن «اتفاق» من دون تحديد آليات التنفيذ قد يكون مضللاً. فالخلاف الحقيقي لن يكون بالضرورة حول مبدأ الانسحاب، وإنما حول الخط الذي سيحدد الانسحاب، والجهة التي ستسيطر على المناطق التي تخليها إسرائيل، والضمانات التي ستمنع عودة التهديد الذي تقول إسرائيل إنها تتحرك لمنعه.
إسرائيل تشتري الوقت... أم تعيد رسم الجنوب؟
من هذه الزاوية، يمكن تفسير المماطلة الإسرائيلية المحتملة بطريقة تتجاوز الرغبة في تأجيل الانسحاب. فالوقت بالنسبة إلى إسرائيل ليس محايداً؛ إنه فرصة لتحسين موقعها التفاوضي والميداني في آن واحد.
كل يوم إضافي من الوجود العسكري يسمح بجمع المعلومات، وتحديد المواقع ذات القيمة، وتدمير أجزاء من البنية العسكرية، وتحسين شروط أي تفاوض لاحق. وفي المقابل، فإن استمرار الاحتلال يراكم ضغوطاً سياسية على إسرائيل، خصوصاً إذا تحول الوجود العسكري إلى مصدر توتر دائم مع لبنان والولايات المتحدة والمجتمع الدولي.
ومن ثم تبدو إسرائيل أمام معادلة مزدوجة: لا تريد احتلال جنوب لبنان مجدداً بالمعنى التقليدي، لكنها لا تريد أيضاً الانسحاب منه من دون ضمانات أمنية تراها كافية.
وهنا تصبح المرتفعات حلاً وسطاً محتملاً، وإن لم يكن حلاً مستقراً بالضرورة: وجود محدود أو قدرة على الوصول إلى نقاط حاكمة يمكن أن يمنح إسرائيل عمقاً أمنياً من دون إعادة إنتاج تجربة المنطقة الأمنية التي انتهت عام 2000.
ما بعد "علي الطاهر"
لذلك، فإن السؤال الأهم في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: هل ستنسحب إسرائيل من جنوب لبنان؟ بل: من أي جنوب ستنسحب، وإلى أي حدود، وتحت أي ترتيبات، ومن سيملأ الفراغ الذي سيتركه انسحابها؟
فإذا تحولت علي الطاهر والشقيف وزوطر وغيرها إلى نموذج ثابت في الحسابات الإسرائيلية، فقد نكون أمام إعادة تعريف لمفهوم «الحدود الأمنية» نفسها. لن تكون الحدود بالضرورة خطاً متصلاً، بل شبكة من المواقع التي تتحكم في الحركة والمراقبة والنيران.
وهذا سيجعل أي اتفاق مستقبلي أكثر صعوبة، لأن لبنان قد يعتبر بقاء إسرائيل في أي نقطة من أراضيه احتلالاً، بينما قد تعتبر إسرائيل أن الانسحاب من دون الاحتفاظ بالقدرة على السيطرة على النقاط الحاكمة يعيد إنتاج التهديد الذي تريد منعه.
وبالتالي، فإن جوهر المعضلة اللبنانية–الإسرائيلية المقبلة لن يكون في رسم خط جديد على الخريطة فحسب، وإنما في التوفيق بين مفهومين متعارضين للأمن والسيادة: لبنان يريد انسحاباً يعيد تثبيت سيادته الكاملة على أراضيه، وإسرائيل تريد انسحاباً لا يلغي قدرتها على منع تحول هذه الأراضي مرة أخرى إلى منصة تهديد.
وبين هذين التصورين، قد تتحول معركة التلال في جنوب لبنان إلى عنوان المرحلة المقبلة. فإذا بقيت المرتفعات مجرد أهداف عسكرية مؤقتة، فإنها ستندرج في سياق الحرب الحالية. أما إذا أصبحت أساساً لترتيب جغرافي–أمني جديد، فإن «حزام المرتفعات» قد لا يكون مجرد توصيف ميداني، بل بداية لتحول أعمق في الطريقة التي تنظر بها إسرائيل إلى أمن حدودها الشمالية، وفي الطريقة التي سيتعين بها على لبنان التفاوض حول معنى الانسحاب وحدوده وشروطه.
