اجتماع باريس وإعادة تشكيل الترتيبات الأمنية في لبنان

تحليلات - Foresight

لا يبدو اجتماع باريس الذي تستضيفه فرنسا في 17 سبتمبر/أيلول 2026 مجرد لقاء دولي لتحديد احتياجات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بقدر ما يمثل محاولة لبناء إطار أمني وسياسي للمرحلة المقبلة في لبنان. فالمؤتمر، الذي يشارك فيه ممثلون عن 17 دولة، يأتي في توقيت تتقاطع فيه ثلاثة ملفات يصعب فصل أحدها عن الآخر: مستقبل سلاح حزب الله، والوجود الإسرائيلي في أجزاء من الأراضي اللبنانية، وإعادة ترتيب الوجود الدولي في الجنوب مع اقتراب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل».

وتكمن أهمية الاجتماع في أنه ينقل النقاش حول دعم المؤسسة العسكرية اللبنانية من مستوى الإعلان السياسي العام إلى محاولة تحديد القدرات المطلوبة والمهام التي يفترض أن يضطلع بها الجيش. وبذلك، يصبح دعم الجيش جزءًا من ترتيبات أوسع تتعلق بإعادة بناء قدرة الدولة اللبنانية على ممارسة وظائفها الأمنية والعسكرية، وليس مجرد استجابة لاحتياجات لوجستية أو مالية آنية.

من دعم الجيش إلى إعادة تعريف دوره

تسعى باريس إلى تحويل قائمة الاحتياجات التي أعدها الجيش اللبناني إلى تصور مرتبط بالمهام التي سيُطلب منه تنفيذها على الأرض. وتشمل هذه الاحتياجات المركبات والأسلحة والذخائر والوقود ووسائل الاتصال والاستخبارات والقدرات اللوجستية، إضافة إلى التدريب والهندسة وإزالة الألغام، فضلًا عن معالجة أوضاع العسكريين ورواتبهم. لكن السؤال الأهم سياسيًا لا يتعلق فقط بما يحتاج إليه الجيش، وإنما بما سيُطلب منه القيام به بعد حصوله على هذه القدرات.

وهنا يظهر التحول الأساسي في طبيعة المقاربة الدولية. فتعزيز الجيش يفترض أن يكون وسيلة لتمكين الدولة اللبنانية من توسيع انتشارها وفرض سلطتها، وفي مقدمة ذلك تطبيق مبدأ حصرية السلاح بيد مؤسسات الدولة. إلا أن تحقيق هذا الهدف يواجه معضلة تتجاوز القدرات العسكرية نفسها؛ إذ إن امتلاك الجيش للوسائل لا يعني بالضرورة امتلاكه الظروف السياسية اللازمة لاستخدامها.

وتزداد حساسية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بسلاح حزب الله. ففرنسا تؤكد أن نزع السلاح يجب أن يتم من خلال السلطات والقوات المسلحة اللبنانية، فيما ترفض أن تتحول القوة الدولية إلى أداة لتنفيذ هذه المهمة بدلًا من الدولة اللبنانية. وفي الوقت نفسه، حذر الخطاب الفرنسي من أن إضعاف المؤسسات الشرعية في الوقت الذي يُطلب منها استعادة احتكار السلاح يمكن أن يقود إلى نتائج عكسية، بما فيها خطر تجدد الصراع الداخلي.

سلاح حزب الله: معضلة سياسية أكثر منها عسكرية

يمثل ملف سلاح حزب الله الاختبار الأصعب لأي خطة لإعادة بناء سلطة الدولة. فالمسألة لا تتعلق فقط بقدرة الجيش على تنفيذ قرار سياسي، وإنما بالظروف التي يمكن أن تجعل تنفيذ هذا القرار ممكنًا من دون تفجير التوازنات الداخلية اللبنانية.

وتكشف المواقف المطروحة عن فجوة بين الهدف المعلن ووسائل تحقيقه. فالرئيس اللبناني جوزاف عون يؤكد أن حصر السلاح بيد الدولة ليس موضع تفاوض، لكنه في الوقت نفسه يرفض تحويل العملية إلى مواجهة داخلية. وهذه المعادلة تعني عمليًا أن المطلوب ليس مجرد نزع السلاح، وإنما الوصول إلى صيغة تسمح بانتقال تدريجي لمسؤوليات الدفاع والأمن إلى مؤسسات الدولة دون انهيار التوازن الداخلي.

ومن هنا تبرز مقاربات تدعو إلى التدرج بدلًا من اللجوء المباشر إلى القوة. وتشير تحليلات بحثية واردة في التقرير إلى أهمية تعزيز مؤسسات الدولة والخدمات وإعادة الإعمار في المناطق التي يتمتع فيها حزب الله بنفوذ اجتماعي واسع، باعتبار أن تعزيز قدرة الدولة على تقديم الأمن والخدمات يمكن أن يدعم شرعيتها على المدى الأبعد. كما تطرح مقاربات أخرى مسارًا تدريجيًا يبدأ بتجميد تطوير القدرات العسكرية الثقيلة والنشاط العسكري عبر الحدود، قبل الانتقال إلى ترتيبات أوسع بشأن وضع الحزب ودوره.

وبذلك، تبدو القضية أقرب إلى عملية إعادة توزيع تدريجية للوظائف الأمنية والسياسية داخل الدولة منها إلى عملية نزع سلاح عسكرية منفصلة عن السياق السياسي.

الجنوب اللبناني ومعضلة «من يبدأ أولًا؟»

إذا كان سلاح حزب الله يمثل البعد الداخلي للمشكلة، فإن استمرار الوجود الإسرائيلي في أجزاء من جنوب لبنان يمثل أحد أبعادها الخارجية الأكثر تعقيدًا.

فالمسار الذي يفترض أن يقود إلى استعادة الدولة اللبنانية سلطتها يقوم، بصورة عامة، على تداخل ثلاثة عناصر: الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح حزب الله، وانتشار الجيش اللبناني. غير أن كل طرف يربط تنفيذ الخطوة التي تقع ضمن نطاق مسؤوليته بتحقق خطوات أخرى.

إسرائيل تربط الانسحاب بمعالجة مسألة سلاح حزب الله، بينما يرفض الحزب التخلي عن سلاحه في ظل استمرار الوجود الإسرائيلي، في حين تواجه المؤسسة العسكرية اللبنانية حدودًا عملية وسياسية أمام الانتشار الكامل في مناطق لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، تحاول الدولة اللبنانية تجنب تحويل عملية نزع السلاح إلى صدام داخلي.

وهكذا تتشكل حلقة متبادلة من الشروط: الانسحاب يحتاج إلى ترتيبات أمنية، والترتيبات الأمنية تحتاج إلى انتشار الجيش، وانتشار الجيش يرتبط بمسألة السلاح، بينما ترتبط شرعية معالجة السلاح أيضًا بانتهاء الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية. وهذه المعضلة هي التي تجعل اجتماع باريس يتجاوز مسألة التمويل والتجهيز؛