صناعة الصواريخ الإيرانية بين أضرار الحرب وخيار التحصين تحت الأرض

تحليلات - د. طه علي أحمد
د. طه علي أحمد
باحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا وسياسات الهوية

تواجه صناعة الصواريخ الباليستية الإيرانية مرحلة دقيقة تتداخل فيها تداعيات الضربات العسكرية مع مساعي إعادة بناء القدرات الدفاعية، في ظل اتجاه متزايد نحو نقل الأنشطة الإنتاجية والتجميعية إلى منشآت تحت الأرض، بما يقلل من تعرضها للاستهداف مستقبلاً. وبينما تشير صور الأقمار الصناعية إلى استمرار الأضرار في عدد من المنشآت الرئيسية، فإن أعمال الحفر وإعادة تأهيل بعض المرافق توحي بأن طهران لا تكتفي بمحاولة استعادة ما دُمّر، بل قد تسعى أيضاً إلى إعادة تشكيل البنية التحتية لصناعتها الصاروخية على نحو أكثر قدرة على الصمود.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ضوء تقرير أخير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، أشار إلى استئناف إيران تجميع الصواريخ الباليستية داخل منشآت تحت الأرض، بالاعتماد على مكونات مخزنة مسبقاً، إلى جانب احتمال التوسع في إنشاء شبكات أنفاق جديدة لحماية الإنتاج العسكري من الضربات المستقبلية.

وفي هذا السياق، يقدم تحليل أعده فريق مبادرة الردع والحد من التسلح، استناداً إلى صور الأقمار الصناعية، تقييماً لحالة ثلاثة من أبرز مواقع إنتاج الصواريخ الإيرانية في بارشين وخجير وشاهرود. وتكشف النتائج عن صورة أكثر تعقيداً من مجرد استئناف الإنتاج أو توقفه؛ إذ تظهر استمرار النشاط في بعض المنشآت المحصنة، مقابل تعثر واضح في إعادة تشغيل مرافق إنتاج الوقود الدافع وتجميع الصواريخ في مواقع رئيسية أخرى.

المعطيات المتعلقة بالمواقع الثلاثة تكشف عن حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للصناعة الصاروخية الإيرانية، خصوصاً المنشآت المرتبطة بإنتاج الوقود الصلب والسائل. ولم تقتصر آثار الضربات على تدمير المباني، بل امتدت إلى مرافق الإنتاج والمساندة، وهو ما يجعل استعادة القدرة التشغيلية أكثر تعقيداً من مجرد إزالة الأنقاض وإعادة تشييد المنشآت المتضررة.

فإنتاج الصواريخ الباليستية يتطلب منظومة صناعية متكاملة تشمل تجهيز المواد الدافعة، وخلطها وصبها، وتركيب المكونات، وإجراء الاختبارات اللازمة، فضلاً عن توافر معدات متخصصة يصعب تعويضها بسرعة. ومن ثم، فإن الأضرار التي تطال هذه المراحل قد تؤدي إلى اختناقات في سلسلة الإنتاج حتى في حال بقاء بعض المنشآت أو خطوط التجميع سليمة نسبياً.

وتشير صور الأقمار الصناعية إلى أن أعمال إعادة التأهيل لا تزال محدودة في أجزاء مهمة من المواقع التي شملها التحليل. غير أن هذه الصورة لا تسمح وحدها بالجزم بمدى توافر المكونات والمعدات داخل المنشآت، أو بحجم المخزونات التي يمكن استخدامها لاستئناف عمليات التجميع. كما أن الأضرار التي لحقت بمواقع أخرى مرتبطة بإنتاج مكونات الصواريخ قد تؤثر في القدرة الإجمالية للصناعة الإيرانية، حتى لو نجحت طهران في إعادة تشغيل بعض منشآتها الرئيسية.

في جموقع بارشين، على سبيل المثال، يبرز أحد المؤشرات المهمة على الصعوبات التي تواجه إعادة بناء القدرات الإيرانية المرتبطة بإنتاج الوقود الصلب. ووفقاً للتحليل، لا يزال الجزء الشمالي من المنشأة المخصص لهذا الغرض خارج الخدمة، مع استمرار وجود الأنقاض في عدد من المرافق التي تعرضت للضربات الأمريكية والإسرائيلية خلال عملية "إبيك فيوري".

ورغم رصد أعمال إنشائية في الموقع، فإنها ترتبط، بحسب التقييم، بإصلاح أضرار سابقة تعود إلى حرب يونيو 2025، ولا تمثل بالضرورة تقدماً ملموساً في معالجة الأضرار الأحدث. وتحتاج المنشأة إلى إزالة الركام وإعادة بناء المباني وتركيب المعدات الصناعية المتخصصة قبل أن تتمكن من استئناف الإنتاج.

وتوضح هذه الحالة أن تعافي الصناعة الصاروخية الإيرانية قد يتطلب وقتاً يتجاوز المدة اللازمة لإعادة تشييد المباني، خصوصاً إذا كانت المعدات الأساسية قد تعرضت للتدمير أو أصبحت غير صالحة للاستخدام.

أما مجمع خجير، فيعكس حجم الضرر الذي أصاب البنية الصناعية الدفاعية الإيرانية بصورة أكثر اتساعاً. فقد تعرضت أجزاء واسعة منه للضربات، بما في ذلك منشآت مرتبطة بإنتاج الوقود الصلب وأخرى مخصصة للصواريخ العاملة بالوقود السائل. ولا تزال الأنقاض تعيق تشغيل عدد من هذه المرافق، فيما لم تظهر أعمال إعادة التأهيل تقدماً كافياً يسمح بالحديث عن عودة وشيكة إلى مستويات الإنتاج السابقة.

وتكتسب منشآت الوقود السائل أهمية خاصة في هذا السياق، إذ يشير التحليل إلى تعرض مواقع مرتبطة بهذا النوع من الصواريخ لأضرار كبيرة، مع استمرار تعطل أجزاء منها. كما أن المنشأة الرئيسية تحت الأرض المرتبطة بمجمع شهيد موحد، والتي يُرجح أنها كانت تؤدي دوراً في التجميع النهائي للصواريخ العاملة بالوقود السائل، لا تظهر مؤشرات واضحة على استئناف النشاط فيها.

وتشير حالة مداخل الأنفاق في هذه المنشأة إلى أن بعض المداخل لا يزال مغلقاً، بينما تبدو حالة مداخل أخرى غير محسومة. ويستند التقييم إلى هذه المؤشرات، إلى جانب محدودية النشاط المرصود، للترجيح بأن خجير لا يشهد حالياً عمليات تجميع صاروخي تحت الأرض على النحو الذي تحدث عنه تقرير وول ستريت جورنال.

لكن هذا الاستنتاج يظل محدوداً بنطاق المنشآت التي أمكن تحديدها وتحليلها؛ إذ لا يمكن استبعاد وجود مرافق أخرى غير معروفة في المصادر المفتوحة، أو أنشطة تجري في مواقع لا تكشف عنها الصور المتاحة.

وفي موقع شاهرود يرصد التقرير صورة مختلفة نسبياً. فعلى الرغم من تعرض منشآت إنتاج الوقود الصلب فيه لأضرار كبيرة، تبدو أعمال إزالة الأنقاض أكثر تقدماً مقارنة ببارشين وخجير. ومع ذلك، لا تزال مؤشرات العودة إلى التشغيل محدودة، في ظل الحاجة إلى إعادة بناء مبانٍ وتركيب معدات إنتاجية أساسية.

وتكمن أهمية شاهرود في أن النشاط المرصود لا يقتصر على محاولة إصلاح الأضرار القائمة، بل يتزامن مع استمرار العمل في مجمع أنفاق داخل الجبل شمال خط إنتاج الوقود الصلب. وتشير المعطيات إلى أن أعمال الحفر بدأت في خريف عام 2024، وأنها استمرت خلال الفترة اللاحقة، مع احتمال إضافة مدخل ثالث إلى الأنفاق.

ويعزز استمرار الحفر خلال فترة الحرب فرضية أن إيران تسعى إلى نقل جانب من أنشطتها الصاروخية إلى بيئة أكثر تحصيناً. ومع ذلك، لا تكفي صور الأقمار الصناعية وحدها لتحديد طبيعة الاستخدام النهائي لهذه الأنفاق بصورة قاطعة، أو لمعرفة ما إذا كانت ستخصص للإنتاج أو التجميع أو التخزين أو وظائف مساندة أخرى.لكن وجود المجمع قرب منشآت مرتبطة بالصواريخ، إلى جانب محدودية الأنشطة الأخرى المرصودة في محيطه، يجعل ارتباطه بالصناعة الصاروخية احتمالاً يستحق المتابعة.

وتكشف هذه التطورات عن مفارقة استراتيجية: فبينما تواجه المنشآت القائمة صعوبات في استعادة قدرتها الإنتاجية، تستمر أعمال إنشاء بنية تحتية جديدة يُرجح أنها تهدف إلى تقليل قابلية الصناعة الصاروخية للاستهداف مستقبلاً.

ومن هذا المنظور، قد لا تكون الأنفاق الجديدة مجرد استجابة طارئة للأضرار، بل جزءاً من توجه أوسع لإعادة توزيع الأنشطة الصناعية والعسكرية داخل منشآت محصنة، بما يحد من الاعتماد على المباني والمرافق المكشوفة.

أما منشأة شهيد بوروجردي، الواقعة بالقرب من بارشين، فتستحق اهتماماً خاصاً بسبب طبيعتها وتطورات النشاط المرصود فيها. فقد ارتبط الموقع سابقاً ببنية تحتية كانت مخصصة لأنشطة نووية، قبل إلغاء البرنامج المرتبط بها في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، وفقاً للمعلومات الواردة في التحليل.

وخلال الحرب، تعرض مجمع الأنفاق في الموقع لضربات يُعتقد أنها استهدفت مداخل الأنفاق وأجزاء من بنيته الداخلية، كما تضرر مبنى خدمي يُرجح أنه كان يوفر الكهرباء وغيرها من الخدمات اللازمة لتشغيل المجمع. غير أن إعادة بناء هذا المبنى بسرعة بعد وقف إطلاق النار، وردم الحفر الناتجة عن الضربات، يشيران إلى وجود مساعٍ لاستعادة بعض الوظائف الأساسية للموقع.

والأكثر دلالة هو رصد حاويات كبيرة متفاوتة الأطوال خارج مجمع الأنفاق، تتراوح أطوالها التقديرية بين خمسة وثلاثة عشر متراً. ويرجح التحليل أنها قد تكون حاويات مخصصة للصواريخ، استناداً إلى أوجه التشابه بينها وبين حاويات رُصدت في شاهرود ومواقع صاروخية إيرانية أخرى.

واستناداً إلى طبيعة النشاط المرصود، يطرح التحليل احتمال أن تكون المنشأة قد اكتسبت دوراً في إنتاج الصواريخ أو تجميعها، بعد أن كانت مرتبطة ببنية تحتية ذات استخدام مختلف. ومع ذلك، لا تمثل هذه المؤشرات دليلاً قاطعاً على طبيعة النشاط الجاري داخل الأنفاق، إذ لا يمكن تحديد محتويات الحاويات أو الوظيفة الدقيقة للموقع من الصور وحدها.

وتكتسب هذه الحالة أهمية تتجاوز الموقع ذاته؛ فهي تطرح احتمال إعادة توظيف منشآت محصنة قائمة ضمن بنية الإنتاج العسكري، بدلاً من الاعتماد حصرياً على إنشاء مرافق جديدة. وقد يتيح هذا الخيار تقليص الوقت اللازم لتطوير بعض القدرات، وإن كان ذلك يظل مرهوناً بسلامة البنية الداخلية للأنفاق وتوافر المعدات اللازمة للتشغيل.

بشكل عمام، تتجاوز أهمية المنشآت تحت الأرض مسألة إخفاء الأنشطة العسكرية عن الرصد. فالتوجه نحو التحصين قد يعكس محاولة لتغيير العلاقة بين الصناعة الصاروخية الإيرانية ومصادر التهديد الخارجي، عبر تقليل الاعتماد على منشآت مكشوفة يسهل تحديد مواقعها واستهدافها.

وتوضح المقارنة بين خجير وشاهرود أن وجود الأنفاق لا يعني بالضرورة استمرار الإنتاج. فقد تتعرض مداخل المنشآت ومرافق الخدمات والتجهيزات الداخلية لأضرار تعطل استخدامها، حتى عندما تظل أجزاء من البنية المحصنة قائمة. كما أن حماية خطوط الإنتاج من الضربات لا تعالج تلقائياً مشكلة تعطل المعدات أو نقص المكونات الأساسية.

وبالتالي، فإن نقل النشاط إلى تحت الأرض يمكن أن يعزز القدرة على البقاء والاستمرارية، لكنه لا يوفر بديلاً كاملاً عن منظومة صناعية متكاملة. فالصواريخ لا تُنتج بمجرد توافر الأنفاق، بل تحتاج إلى معدات متخصصة وسلاسل توريد وقدرات فنية ولوجستية يصعب حمايتها جميعاً بالدرجة نفسها.

ومن المرجح أن يتوقف نجاح هذا التوجه على قدرة إيران على الجمع بين إعادة بناء المنشآت المتضررة وتطوير مرافق أكثر تحصيناً، مع الحفاظ على تدفق المعدات والمكونات اللازمة للإنتاج. وفي حال تعذر تحقيق هذه المتطلبات، فقد تصبح الأنفاق وسيلة لحماية بعض الأنشطة المحدودة، لا أساساً لاستعادة القدرة الإنتاجية الشاملة.

هنا يصعب تحديد موعد دقيق لعودة المواقع الإيرانية الرئيسية إلى التشغيل، في ظل عدم توافر معلومات كاملة عن حجم الأضرار التي لحقت بالمعدات الأساسية، أو عن قدرة طهران على تأمين البدائل محلياً أو عبر الاستيراد.

ويشير التحليل إلى أن التركيز على إعادة تأهيل موقع واحد، مثل شاهرود، قد يتيح استئناف إنتاج الصواريخ خلال نحو عام، إذا توافرت المعدات المتخصصة واستمرت أعمال إعادة البناء بوتيرة مناسبة. ويستند هذا التقدير جزئياً إلى أن إيران تمكنت، وفقاً للتحليل، من إصلاح الأضرار الخارجية التي لحقت بالموقع خلال حرب يونيو 2025 في غضون أربعة إلى خمسة أشهر تقريباً.

لكن المقارنة بين الأضرار السابقة والأحدث لا تسمح بتعميم الجدول الزمني نفسه؛ فالدمار الأوسع قد يفرض فترة أطول لإعادة التشغيل، لا سيما إذا طال معدات يصعب تعويضها، مثل الخلاطات الصناعية المتخصصة ومرافق تجهيز الوقود الصلب وصبه.

كما أن استعادة الإنتاج في أحد المواقع لا تعني بالضرورة تعافي الصناعة الصاروخية الإيرانية ككل. فقد تتسبب الأضرار التي لحقت بمصانع المكونات والمرافق المساندة في اختناقات تحد من قدرة المنشآت المعاد تشغيلها على العمل بكامل طاقتها.

وعليه، ينبغي التعامل مع تقدير العام الواحد باعتباره سيناريو مشروطاً، لا موعداً مؤكداً لاستعادة الإنتاج. إذ تظل النتيجة النهائية مرتبطة بأولويات القيادة الإيرانية، وحجم الموارد المخصصة لإعادة الإعمار، ومدى توافر المعدات والمكونات اللازمة، فضلاً عن قدرة المنشآت على استعادة وظائفها التشغيلية الفعلية.

الغاية أن المعطيات المتاحة تشير إلى أن صناعة الصواريخ الإيرانية تمر بمرحلة انتقالية تتسم بتعثر إعادة تشغيل عدد من المنشآت الرئيسية، بالتوازي مع استمرار الجهود الرامية إلى تطوير بنية تحتية أكثر تحصيناً. وتوضح حالات بارشين وخجير وشاهرود أن الضربات العسكرية ألحقت أضراراً ملموسة بقدرات الإنتاج، لكن حجم تأثيرها طويل الأمد لا يمكن قياسه من خلال حالة المباني وحدها. وفي المقابل، يطرح استمرار الحفر في شاهرود، والنشاط المرصود في منشأة شهيد بوروجردي، احتمال أن تتجه طهران إلى إعادة توزيع بعض أنشطة الإنتاج والتجميع داخل منشآت تحت الأرض، بما يقلل تعرضها للاستهداف مستقبلاً. غير أن هذه المؤشرات لا تثبت بصورة قاطعة استئناف التجميع الصاروخي تحت الأرض في المواقع التي تناولها التحليل.

الأهم هنا المسألة الاستراتيجية الأهم تتمثل في أن التحدي الإيراني لا يقتصر على إعادة بناء ما دُمّر، بل يشمل تحديد شكل الصناعة الصاروخية التي تسعى طهران إلى امتلاكها في المرحلة المقبلة: هل ستعطي الأولوية لاستعادة المنشآت القائمة، أم ستوجه موارد أكبر نحو بنية إنتاجية موزعة وأكثر تحصيناً، أم ستجمع بين المسارين؟ وهنا تتحدد الإجابة عن هذا السؤال مدى قدرة إيران على تحويل إعادة الإعمار إلى استعادة فعلية للقدرات الصاروخية، لا مجرد إصلاح مادي للمنشآت. وفي جميع الأحوال، فإن استمرار الأضرار والقيود الصناعية، بالتوازي مع التوسع المحتمل في البنية التحتية تحت الأرض، يجعل تقييم مستقبل البرنامج الصاروخي الإيراني مرتبطاً بمتابعة مؤشرات التشغيل والإنتاج وسلاسل التوريد، وليس بصور إعادة البناء وحدها.