السودان بين تعثر المسار السياسي واستمرار الحرب: دلالات التحرك الدولي وتحديات التسوية
تتواصل الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى احتواء الحرب في السودان، في ظل استمرار المواجهات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وتفاقم التداعيات الإنسانية والاقتصادية للصراع الذي اندلع في أبريل/نيسان 2023. وفي هذا السياق، يكتسب الاجتماع التشاوري السادس المزمع عقده في جنيف، بمبادرة من الأمم المتحدة وسويسرا، أهمية خاصة بوصفه محاولة لتنسيق المبادرات السياسية القائمة، وتوسيع التشاور بين الأطراف الدولية والإقليمية المعنية، تمهيدًا لإيجاد مسار سياسي يتيح إنهاء الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
غير أن انعقاد الاجتماع يأتي في بيئة سياسية وأمنية معقدة، تتسم باستمرار العمليات العسكرية، وتباين مواقف الأطراف السودانية بشأن شروط التفاوض وترتيبات وقف إطلاق النار، فضلًا عن تعدد المبادرات الدولية والإقليمية وعدم نجاحها حتى الآن في تحقيق تسوية مستدامة. ويعكس هذا الوضع فجوة بين تكثيف التحركات الدبلوماسية من جهة، واستمرار الرهان على القوة العسكرية من جهة أخرى.
ولا تقتصر أهمية التحرك الدولي على فرص استئناف الحوار السياسي، بل تمتد إلى قدرة الأطراف المعنية على الحد من المخاطر التي تهدد المدنيين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف اللازمة لإطلاق عملية سياسية ذات قاعدة سودانية واسعة.
اجتماع جنيف ومحاولة تنسيق المبادرات الدولية
يأتي الاجتماع التشاوري السادس في إطار الجهود الرامية إلى تنسيق المبادرات المتعددة بشأن الأزمة السودانية، بمشاركة جهات دولية وإقليمية، من بينها أطراف منخرطة في الرباعية والآلية الخماسية، إلى جانب دول جوار السودان والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، وفقًا للتقرير الأصلي.
وتعكس هذه المشاركة إدراكًا لأهمية التنسيق بين الجهات الفاعلة في الملف السوداني، في ظل تعدد قنوات الوساطة واختلاف أولويات الأطراف المشاركة فيها. فمن دون قدر مناسب من التوافق الدولي والإقليمي، قد تتحول المبادرات المتوازية إلى مسارات متنافسة، بما يضعف فرص الضغط المنسق على الأطراف المتحاربة ويعقد الوصول إلى إطار تفاوضي مشترك.
وتضم الآلية الخماسية الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» والاتحاد الأفريقي، فيما تضم الرباعية الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة والسعودية ومصر. ويعكس تداخل هذه الأطر أهمية الأدوار الدولية والإقليمية في التعامل مع الأزمة، لكنه يبرز أيضًا الحاجة إلى تحديد أولويات مشتركة وآليات واضحة لتحويل التوافق الدبلوماسي إلى خطوات عملية.
ومع ذلك، فإن نجاح اجتماع جنيف لن يُقاس بمجرد انعقاده أو مشاركة عدد كبير من الأطراف فيه، بل بمدى قدرته على بلورة تصور متوافق عليه لوقف القتال، وتحديد مسار للتفاوض، وتوضيح الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها الأطراف السودانية والقوى الإقليمية والدولية في تنفيذ أي تفاهمات مستقبلية.
استمرار الخيار العسكري وتعقيدات الموقف التفاوضي
تشير التصريحات المنسوبة إلى قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إلى استمرار رفضه التفاوض مع قوات الدعم السريع، والتمسك بمواصلة العمليات العسكرية في عدد من مناطق البلاد، من بينها دارفور وكردفان والنيل الأزرق. وتعكس هذه المواقف استمرار التباعد بين المسار العسكري والتحركات الدبلوماسية، بما يحد من فرص التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في المدى القريب.
ومن منظور الأطراف المتحاربة، قد يُنظر إلى مواصلة العمليات العسكرية باعتبارها وسيلة لتحسين الموقع التفاوضي أو فرض شروط التسوية. غير أن استمرار القتال يرفع في المقابل الكلفة البشرية والاقتصادية للحرب، ويزيد من تعقيد أي عملية سياسية لاحقة، خصوصًا مع اتساع نطاق النزوح وتراجع قدرة مؤسسات الدولة على تقديم الخدمات الأساسية.
وتشير تقديرات بعض المحللين السودانيين إلى أن مواقف قيادة الجيش تتأثر أيضًا بحسابات القوى السياسية المتحالفة معها، بما فيها تيارات إسلامية تتخوف من تداعيات التسوية السياسية على نفوذها وموقعها في ترتيبات الحكم المقبلة. لكن تقييم وزن هذه العوامل يتطلب التمييز بين المواقف المعلنة، والتحليلات السياسية، والأدلة المتاحة بشأن آليات صنع القرار داخل المعسكرات المتنافسة.
وفي هذا الإطار، لا يمكن تفسير تعثر التفاوض بعامل واحد، إذ يتصل أيضًا بتباين تصورات الأطراف بشأن مستقبل المؤسسة العسكرية، وترتيبات الأمن، وتقاسم السلطة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وشروط الانتقال السياسي. وتُعد هذه القضايا من أكثر الملفات تعقيدًا، لأنها تمس المصالح المباشرة للأطراف المتحاربة ومستقبل نفوذها داخل الدولة.
وبالتالي، فإن تجاوز حالة الجمود يتطلب معالجة متوازية للمخاوف الأمنية والسياسية، إلى جانب بناء ضمانات قابلة للتحقق لتنفيذ وقف إطلاق النار. أما الاكتفاء بالدعوات العامة إلى الحوار، من دون اتفاق على خطوات أولية وآليات متابعة، فقد لا يكون كافيًا لتغيير حسابات الأطراف على الأرض.
الحوار المدني ومستقبل العملية السياسية
يمثل إشراك القوى المدنية والسياسية السودانية أحد العناصر الأساسية في أي مسار يستهدف إنهاء الحرب وإعادة تأسيس نظام سياسي مستقر. وفي هذا السياق، أشار المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، وفقًا للتقرير، إلى مشاورات مرتقبة بين الآلية الخماسية والأطراف السياسية السودانية، بعد اجتماع عُقد في أديس أبابا بمشاركة قوى مدنية وسياسية مناهضة للحرب، من بينها التحالف المدني الديمقراطي للقوى الثورية «صمود».
وتستهدف هذه المشاورات التحضير لحوار سياسي شامل يقوده السودانيون أنفسهم، بما يعزز ملكية الأطراف المحلية للعملية السياسية ويحد من الاعتماد المفرط على التفاهمات التي تُصاغ خارج البلاد. كما أن إشراك القوى المدنية يمكن أن يوسع قاعدة أي تسوية، ويوفر إطارًا لمناقشة قضايا الحكم الانتقالي، وإعادة بناء المؤسسات، ومعالجة آثار الحرب، واستعادة الحياة السياسية.
غير أن بناء حوار مدني فعال يواجه تحديات متعددة، من بينها الانقسامات السياسية، وتباين المواقف بشأن المسؤولية عن اندلاع الحرب واستمرارها، وصعوبة التوصل إلى توافق بشأن العلاقة بين المكونين العسكري والمدني. كما يبرز تحدي ضمان تمثيل متوازن للقوى السياسية والمجتمعية، بما في ذلك الفئات المتضررة من النزاع والمناطق التي تحملت جانبًا كبيرًا من آثاره الإنسانية.
ومن ثم، فإن نجاح الحوار لا يتوقف على جمع القوى المدنية حول طاولة واحدة فحسب، بل يتطلب قواعد واضحة للمشاركة، وآليات لإدارة الخلافات، واتفاقًا على المبادئ الأساسية للانتقال السياسي. ويظل من المهم كذلك ألا يتحول الحوار المدني إلى مسار منفصل عن ترتيبات وقف إطلاق النار، بل أن يتكامل مع مسار أمني وإنساني يهيئ الظروف اللازمة لعمل سياسي مستدام.
الأزمة الإنسانية بوصفها عاملًا ضاغطًا على المسار السياسي
تتزايد التداعيات الإنسانية للحرب مع استمرار المواجهات وتعطل الخدمات الأساسية واتساع رقعة النزوح واللجوء. وتشمل هذه التداعيات تراجع الأمن الغذائي، وتضرر البنية التحتية، وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية والمياه، فضلًا عن الضغوط التي تواجهها المنظمات الإنسانية في إيصال المساعدات إلى المناطق المتأثرة بالقتال.
ويقدم الهجوم الذي استهدف شاحنتين متعاقدتين مع برنامج الأغذية العالمي في ولاية جنوب كردفان، أثناء نقلهما مساعدات غذائية من الدلنج إلى كادوقلي في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول، مثالًا على المخاطر التي تواجه العمليات الإنسانية. ووفقًا لما أورده التقرير، أسفر الهجوم عن مقتل أحد السائقين، فيما دعا البرنامج إلى إجراء تحقيق سريع ومحايد ومحاسبة المسؤولين عن الحادث.
وتبرز هذه الواقعة أهمية توفير ضمانات عملية لحماية العاملين في المجال الإنساني ووسائل نقل المساعدات، وضمان احترام القانون الدولي الإنساني، بما يشمل حماية المدنيين والعاملين في الإغاثة وتيسير وصول المساعدات إلى المحتاجين. كما أن استمرار الهجمات أو القيود المفروضة على حركة الإمدادات قد يؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي، ويقوض قدرة المنظمات الدولية والمحلية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
ولا ينبغي التعامل مع المسار الإنساني باعتباره ملفًا ثانويًا ينتظر التسوية السياسية، بل بوصفه أولوية مستقلة يمكن أن تسهم في بناء الثقة بين الأطراف. فقد يساعد الاتفاق على ضمان مرور المساعدات، ووقف الهجمات على العاملين الإنسانيين، وإنشاء ترتيبات محلية لحماية المدنيين، في تقليل المعاناة وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للتفاوض.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن للجهود الإنسانية وحدها أن تعالج جذور الأزمة أو أن تعوض غياب وقف مستدام للقتال. ولذلك، تظل الاستجابة الإنسانية أكثر فاعلية عندما تترافق مع خطوات سياسية وأمنية تحد من أسباب النزوح وتضمن عدم تجدد المواجهات.
التحديات التي تواجه التسوية السياسية
تواجه الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب مجموعة من العقبات المتداخلة، أبرزها استمرار الرهان العسكري، وتعدد المبادرات، وتباين مصالح الأطراف الإقليمية والدولية، والانقسامات داخل المشهد السياسي السوداني. ويؤدي تفاعل هذه العوامل إلى تقليص فرص الوصول إلى تسوية سريعة، حتى في ظل اتساع الدعوات الدولية لوقف الحرب.
وتتمثل إحدى المعضلات الأساسية في العلاقة بين وقف إطلاق النار والتسوية السياسية. فقد ينظر بعض الأطراف إلى وقف القتال باعتباره خطوة ينبغي أن تسبق المفاوضات السياسية، بينما يربط آخرون الاستجابة لهذا المطلب بتفاهمات أوسع تتعلق بمستقبل الحكم وترتيبات الأمن. ويجعل هذا التباين من الضروري تحديد تسلسل واضح للمراحل التفاوضية، مع ضمان ألا تتحول الخلافات حول الترتيبات النهائية إلى مبرر لاستمرار العمليات العسكرية بلا أفق زمني.
كما تبرز قضية العدالة الانتقالية والمساءلة باعتبارها عنصرًا مهمًا في أي تسوية مستدامة. فالتعامل مع الانتهاكات المحتملة وحقوق الضحايا وإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة يتطلب مسارًا قانونيًا ومؤسسيًا واضحًا. وفي المقابل، قد تخشى بعض الأطراف أن تؤدي ترتيبات المساءلة إلى فقدان النفوذ أو التعرض للملاحقة، الأمر الذي قد يدفعها إلى التشدد في المفاوضات.
ومن هنا، فإن التسوية القابلة للاستمرار تحتاج إلى مقاربة تجمع بين وقف القتال، وحماية المدنيين، وترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ والتحقق، وعملية سياسية شاملة، وآليات للمساءلة لا تقوم على تجاهل حقوق الضحايا. كما تتطلب وجود ضمانات دولية وإقليمية متفق عليها لمتابعة الالتزامات، والتعامل مع الخروقات، ومنع انهيار الاتفاق عند أول اختبار ميداني.
فرص التحرك الدولي وحدود تأثيره
يوفر اجتماع جنيف فرصة لإعادة تنسيق الجهود الدولية والإقليمية، وتحديد نقاط الالتقاء بين المبادرات القائمة، ودعم مسار سياسي سوداني أوسع. لكن تأثيره سيظل مرتبطًا بمدى استعداد الأطراف المتحاربة للاستجابة للضغوط الدبلوماسية، وبقدرة الوسطاء على توحيد رسائلهم وربطها بإجراءات عملية.
ومن المرجح أن يكون للتحرك الدولي أثر أكبر إذا ركز على أهداف مرحلية قابلة للقياس، مثل تحسين وصول المساعدات، وحماية المدنيين، وتهيئة قنوات اتصال بين الأطراف، والاتفاق على خطوات أولية لوقف التصعيد. وقد يساعد هذا النهج التدريجي على بناء الثقة وتوفير مساحة سياسية تسمح بالانتقال إلى مفاوضات أكثر شمولًا.
ومع ذلك، تظل قدرة الأطراف الخارجية على فرض تسوية محدودة ما لم تتوافر إرادة سياسية داخلية كافية. فالضغوط الدولية قد ترفع كلفة استمرار الحرب، لكنها لا تضمن وحدها تغيير حسابات الأطراف أو معالجة أسباب النزاع. كما أن اختلاف أولويات الدول المنخرطة في الملف السوداني قد يضعف فعالية الضغط إذا لم يُترجم إلى موقف منسق وآليات متابعة واضحة.
وعليه، فإن الدور الدولي الأكثر فاعلية لا يتمثل في استبدال الإرادة السودانية أو فرض ترتيبات سياسية من الخارج، بل في تهيئة الظروف التي تسمح للسودانيين بالتوصل إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، وتوفير الضمانات اللازمة لحماية المدنيين ودعم التعافي المؤسسي والاقتصادي.
بشل عام، يعكس التحرك نحو عقد الاجتماع التشاوري السادس في جنيف استمرار الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن صعوبة تحويل المبادرات الدبلوماسية المتعددة إلى نتائج ملموسة في ظل استمرار القتال وتباعد مواقف الأطراف. فتعثر المسار السياسي لا يرتبط فقط بغياب قنوات الحوار، بل يتصل أيضًا بحسابات القوة، والخلافات بشأن مستقبل الحكم والمؤسسات العسكرية، والتباينات داخل المشهد السياسي، ومخاوف الأطراف من تبعات التسوية.
وفي المقابل، يفرض التدهور الإنساني ضرورة التعامل العاجل مع حماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات، باعتبارهما التزامين لا ينبغي تأجيلهما إلى حين التوصل إلى اتفاق سياسي شامل. ويمكن أن تمثل الخطوات الإنسانية والأمنية المحددة مدخلًا لبناء الثقة، شريطة ألا تتحول إلى بديل عن معالجة الأسباب السياسية والمؤسسية للصراع.
وفي المحصلة، ستتوقف فرص نجاح اجتماع جنيف على قدرته على تجاوز التنسيق الدبلوماسي العام نحو إطار عملي يجمع بين وقف التصعيد، وتيسير العمل الإنساني، وإشراك القوى المدنية، ووضع مسار تفاوضي واضح بضمانات للتنفيذ. أما إنهاء الحرب بصورة مستدامة، فيتطلب توافقًا سودانيًا واسعًا على مستقبل الدولة، إلى جانب دعم إقليمي ودولي منسق يحترم ملكية السودانيين للعملية السياسية ويحد من فرص تجدد النزاع.
