مفهوم المساواة وموقعها كحق إنساني في الدساتير الداخلية والشرعة الدولية لحقوق الإنسان
الملخص
تعرف المساواة بأنها التطابق والمماثلة بين الأفراد في الحقوق والواجبات بمقتضى القاعدة القانونية التي تنظم العلاقات الاجتماعية وتحتل المساواة مكاناً مرموقاً ضمن المنظومات الحقوقية للدول المعاصرة لأنها تعدّ شرطاً للحرية كما يعدّ بعض الفقه أن المساواة هي أول الحقوق وأساسها.
إن الحق بالمساواة من الحقوق الأساسية التي يتمتع بها الإنسان و التي يتفرع عنها أشكال مختلفة تحدد المركز القانوني لصاحبها, كما ان الفقه القانوني قدم تقسيم خاص لأنواع المساواة, لذلك سنبين في بحثنا تحديد مفهوم المساواة و أشكالها القانونية و أنواعها مع توضيح مكانتها دوليا بطريقة تعامل المجتمع الدولي مع هذا الحق و تبيان موقف المعاهدات الدولية و القانون السوري من هذا الحق.
الكلمات المفتاحية: الحق بالمساواة,، المساواة أمام القانون, المساواة أمام القضاء, المساواة في التكاليف العامة.
مقدمة:
المساواة هي حجر الأساس في حقوق الإنسان بوصفه كائنا اجتماعيا يعيش في جماعة قد تختلف عناصرها العرقية أو الدينية أو اللغوية والسياسية،. ولا شك في أن حق المساواة بصفة عامة يعد أهم المبادئ الإنسانية التي تحرص الأمم والشعوب على التمسك به، ومن الأسس الجوهرية التي استند عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ودعمه في مختلف نواحي الحياة، فلا ينبغي أن تقوم في المجتمع البشري أي فوارق نابعة من اختلاف الأصل أو الجنس أو الدين ويعتبر حق المساواة من أهم الحقوق الإنسانية والصقها بالإنسان وأقدمها، وأكثرها أصالة على الإطلاق، فهذا الحق هو أساس كل الحقوق، وهو أساس مرتبط بالوجود الإنساني ارتباطا لا يقبل الانفكاك، فهو ضروري له، تماما كقلبه و روحه فكما أن الإنسان لا يكون إنسانا سويا إلا بقلب وروح، فان الغاية من وجود الإنسان لا تستقيم ولا تتحقق إلا بتمكينه من ممارسة حق بالمساواة، لان الله سبحانه وتعالى قد فطره وجبله على أن يكون حرا، ومتساويا بالكرامة الإنسانية مع أبناء جنسه جميعا، لا فرق في ذلك بين لون ولون، أو عرق وعرق، أو إقليم وإقليم أو مكانة اجتماعية ومكانة أخرى، فالناس متساوون بالكرامة الإنسانية.
تلك حقيقة مطلقة كشفتها الأديان السماوية، ودافع عنها كحقيقة إنسانية وإسلامية خالدة ينقلها من عالم الفكر والنظر إلى واقع التطبيق والحركة، كما أشارت كثير من المواثيق لهذا الحق بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادرة عن الجمعية العامة لأمم المتحدة .
مشكلة البحث
تعتبر المساواة من الحقوق الأساسية و قد مر تطورها في عدة مراحل تاريخية, كما حدث جدل فقهي حول تقسيم أنواع المساواة., قد أهتم المجتمع الدولي بهذا الحق حتى أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان انطلق من مبدأ المساواة كأساس قانوني للحقوق المتفرعة عنه لذلك سندرس أهمية حق المساواة, و الأشكال المتفرعة عنها و أهم أنواعها.
أهمية البحث:
تظهر أهمية البحث بالإجابة عن التساؤلات التالية:
1- ما هي الطبيعة القانونية لحق بالمساواة؟
2- ما هي أبراز القواعد القانونية الداخلية التي تعرضت لتحديد الحق بالمساواة؟
3- ما هي التقسيمات الأساسية التي قدمت للحق بالمساواة؟
4- كيف تعامل الدستور السوري مع الحق بالمساواة و تقسيماته؟
5-ما هو موقف القانون الدولي و القانون الأوروبي من الحق بالمساواة؟
منهجية البحث:
اعتمد في هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي من خلال بيان التعريف بالمبادئ القانونية الناظمة للحق بالمساواة من خلال تعريف حق المساواة و ما هي أنواع المنبثقة عنها و كيف تعامل القانون الدولي و الأوروبي مع فكرة المساواة. لذا سنقوم بتقسيم بحثنا إلى مبحثين, إذ سنتناول في المبحث الأول تعريف بالمساواة و اشكالها, و سنشرح أنواع المساواة و موقف القانون الدولي و الأوروبي من ذلك في المبحث الثاني.
المبحث الأول: التعريف بالمساواة و الأشكال المتفرعة عنها
المطلب الأول مفهوم الحق في المساواة
المساواة l egalite تعني التطابق والمماثلة بين الأفراد في الحقوق والواجبات بمقتضى القاعدة القانونية التي تنظم العلاقات الاجتماعية وتحتل المساواة مكاناً مرموقاً ضمن المنظومات الحقوقية للدول المعاصرة لأنها تعدّ شرطاً للحرية كما يعدّ بعض الفقه أن المساواة هي أول الحقوق وأساس الحقوق.(1)
وقد عبر الفيلسوف الفرنسي روسو عن مبدأ المساواة بقوله إنها تعني عدم وجود شيء يمكن أن يعطي للجميع ولا يعطى لشخص محدد Chacun se donnant a tous ne se donne a personne وفي رأي الفيلسوف نفسه أن المساواة هي التي تدفع بالأشخاص إلى احترام القوانين لأنها صادرة في النهاية عن إرادتهم(2) وقد رأى بعض الفقه أنه توجد علاقة وثيقة بين المساواة والعدالة حيث يطرحون معنيين للمساواة الأول هو المفهوم التبادلي لها وهو الذي يعني المساواة الكاملة بين الأفراد من حيث الأداءات التي يقدمونها والمقابل الذي يحصلون عليه وهو ما يقابل بدوره مفهوم العدالة التبادلية أما المفهوم الأخر للمساواة فهو مفهوم تناسبي و يتماهى مع مفهوم العدالة التوزيعية حيث يعترف هذا المفهوم التناسبي للمساواة باختلاف في المعاملة بين الأفراد في نطاق توزيع الثروة والأعباء بمعنى أن كل فرد وفقاً للمفهوم التناسبي للمساواة يثاب أو تشدد الأعباء الملقاة على عاتقه حسب جدارته في المجتمع.(3)
ويجتمع فقه القانون العام على حسبان المساواة عنصراً أساسياً لبناء دولة القانون وذلك لأنها تعدّ مبدأ سياسياً من شأنه ضمان وحفظ الحقوق ضمن المجتمع.(4)
وتحتل المساواة مكاناً بارزاً في النظم الدستورية المقارنة فقد نصت المادة(33 ف3) من دستور الجمهورية العربية السورية على مايلي: (....
1- المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات.
2- تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين)...
وكذلك أقر الدستور المصري بالحق في المساواة بين المواطنين حيث نصت المادة (40) منه على مايلي: (المواطنون لدى القانون سواء وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة لا نميز في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة...).
أما في فرنسة فقد أقر مبدأ المساواة منذ صدور إعلان حقوق الإنسان والمواطن سنة 1789والذي فرق بين الأساس الفلسفي للمساواة وتحققها القانوني فأقر أنه لا توجد مساواة مطلقة بين الأفراد إنما توجد أشكال محظورة للتمييز بينهم فقد نصت المادة 6 منه على أن القانون لا يصدر عن الأفراد جميعهم في الدولة إنما أيضاً يجب أن يطبق على الجميع. وكذلك نص الإعلان على أن المساواة تقتضي أيضاً أن تكون الفرص متساوية للجميع وأن الثروة يجب أن توزع بالتساوي ضمن المجتمع(5) مع ملاحظة أن الإعلان لم يضع المساواة في قائمة الحقوق الطبيعية للإنسان وغير القابلة للتقادم (وهي الحرية الملكية الأمن مقاومة الطغيان...م . منه).
وقد أقرت مقدمة الدستور الفرنسي لعام 1946 مبدأ المساواة في العديد من فقراتها فأقرت الفقرة الثانية حق المرأة في المساواة مع الرجل في المجالات جميعها كما نصت الفقرة 12 منه على تضامن جميع الفرنسيين ومساواتهم أمام الأعباء التي تنتج عن الكوارث الوطنية كما ضمنت الفقرة 13 من المقدمة نفسها للجميع حق التعليم على قدم المساواة وقد كرس دستور 1958الحق في المساواة في متنه حيث نص المادة الثانية منه على أن شعار الجمهورية الفرنسية هو الحرية والمساواة والإخاء.
المطلب الثاني أشكال المساواة
تأخذ المساواة أشكالاً مختلفة ومتعددة إذ أنها تتنوع وفقاً لمضمونها وغاياتها وسوف ندرس هذه الأشكال وفقاً لما يلي:
أولاً- المساواة أمام القانون:
ويتجلى هذا النمط من المساواة على ثلاثة مستويات:
1ً- المساواة أمام قاعدة القانون :
ويقتضي هذا المفهوم مساواة الجميع أمام القانون وذلك عن طريق التزام يقع على كل من يطبق القاعدة القانونية يفرض عليهم أن لا يرتكبوا تمييزاً بين الخاضعين للقاعدة القانونية لا تنص عليه هذه الأخيرة ودون شك فإن هذا المظهر للمساواة أمام القانون لا يتعلق بمحتوى العمل التشريعي ذاته إنما يتعلق فقط بأساليب تطبيقه.(6)
وفي الحقيقة إن المساواة أمام قاعدة القانون تكون تاريخياً التعبير الأول عن المساواة بحيث تطرح نظاماً قانونياً يقوم على إبطال أنماط التمييز جميعها التي تقترف من قبل القائمين على تطبيق القاعدة القانونية وقد ظهرت هذه القاعدة لتقضي على التمايزات الاجتماعية التي كانت توجد خصوصاً في النظم الإقطاعية القديمة ولتطرح مبدأ قانونياً جوهرياً يقوم على وحدة البنية القانونية التي تطبق على الجميع دون استثناء أي ضرورة تطبيق قانون وحيدdroit unique على الجميع فطالما كان الأفراد يملكون جميعاً الحقوق نفسها ضمن المجتمع السياسي فإنه من الطبيعي أن يخضعوا لقانون واحد ولمعيار واحد يطبق على الجميع للتمييز.(6)
وبالتالي فإن الوظيفة الأساسية التي يطرحها مفهوم المساواة أمام قاعدة القانون إنما تتمثل في تجميع كل المواطنين في فلك قانوني واحد une sphere juridique unique وبغض النظر عن مراكزهم الواقعية التي يشغلونها.(7)
ويشكل مبدأ المشروعية والذي يقوم على أساس مطابقة القاعدة القانونية الأدنى للقاعدة الأعلى(8), ضماناً مهماً لتحقيق المساواة أمام القانون لأنه من شأنه أن يحول دون ارتكاب تغييرات عن طريق الأعمال القانونية الأدنى (لوائح, قرارات فردية,...) بالمخالفة لمقتضى ومضمون القواعد الناتجة عن الأعمال القانونية الأعلى مثل القوانين.(9)
2- المساواة ضمن قاعدة القانون:
في الواقع إن المساواة أمام قاعدة القانون لا تحول دون وجود حالات من عدم المساواة بين المخاطبين بالقاعدة القانونية إلا ضمن تطبيق القواعد العامة على المراكز الفردية لذلك يطرح مفهوم المساواة ضمن قاعدة القانون ليؤكد المساواة من خلال محتوى القاعدة القانونية ذاته. (10)وفي الحقيقة إن المساواة ضمن قاعدة القانون تقتضي من الجهة المختصة بسن القانون أن لا ترتكب تمييزاً أو محاباة بين المخاطبين بها وبالتالي فإن القانون يجب أن يعامل كل المراكز المتماثلة بطريقة متطابقه.(11)
ويلاحظ أن المساواة أمام القانون تقوم بتحقيق المساواة بشكل مباشر في حين أن المساواة ضمن قاعدة القانون تحقق هذه المساواة بشكل غير مباشر وهذا هو السبب الذي يدفعنا إلى القول إن المساواة أمام القانون على النحو السابق بيانه لا يمكن أن تتحقق إلا إذا تم تأمين المساواة ضمن قاعدة القانون فكيف يمكن تكليف القائمين على تطبيق قاعدة القانون باحترام مبدأ المساواة عند تطبيق القاعدة القانونية إذا كانت هذه الأخيرة في حد ذاته يجب أن يحقق المساواة في مضمونه وإن يطبق بشكل متساوٍ بين المواطنين. (12)
ومن المسلم أن المساواة ضمن قاعدة القانون إنما تتحقق عن طريق عمومية القاعدة القانونية لدرجة أن عمومية القاعدة القانونية ومبدأ المساواة أصبحا يعبران عن المفهوم الأصيل للقانون.
ويكون القانون عاماً بوساطة أساليب إعداده المتمثلة بشكل أساسي في مساهمة المواطنين جميعهم في النهاية بسنة ولو كان ذلك بوساطة ممثليهم وهذا لا يمنع من أن يتنج القانون في بعض الحالات أفضليات من نمط معين غير أن هذه الامتيازات لا يمكن أن تستند بشكل خاص إلى شخص معين.(13)
3ً- المساواة بوساطة قاعدة القانون:
مفهوم المساواة بوساطة قاعدة القانون لا يختلف بعمق عن المساواة ضمن القانون فهو كما يطرحها المفهوم الأخير يتعلق بمحتوى القاعدة وهو يجد مصدره ضد ضرورات تدخل الدولة عن طريق القانون لحفظ مبدأ المساواة ولكن يختلف المفهومان عن بعضهما في أن مفهوم المساواة بوساطة قاعدة القانون يفترض موقفاً إيجابياً من القائمين على سن قاعدة القانون ففي حين يمتنع على السلطة التشريعية بموجب المساواة ضمن قاعدة القانون أن تضمن القاعدة القانونية أي نمط من أنماط التمييز أو المحاباة ضمن القاعدة القانونية وأن لا يعامل أصحاب المراكز المتساوية معاملة مختلفة فإن المساواة بوساطة قاعدة القانون تفرض على السلطة القائمة على سن القاعدة القانونية أن تعامل بشكل مختلف المراكز المختلفة وبالتالي يمكن القول أن مفهوم المساواة ضمن قاعدة القانون يعني طرح مبدأ المساواة ضمن محتوى القاعدة القانونية بغض النظر عن تنوع المراكز الواقعية للأفراد أما مفهوم المساواة بواسطة القانون فإنه يطرح مبدأ المساواة ضمن محتوى القاعدة القانونية أخذين بالحسبان تنوع الراكز الواقعية وتعددها وعدم انتظامها في أنماط واحدة وهذا التمايز في المراكز الواقعية هو الذي يرخص للقاعدة القانونية أن تخص أحكاماً مختلفة للمراكز المتنوعة والمختلفة.(14)
المبحث الثاني أنواع المساواة
أولا- المساواة أمام القضاء:
تعني المساواة أمام القضاء ممارسة مواطني الدولة جميعهم لحق التقاضي على قدم المساواة أمام محاكم واحدة وبلا تمييز أو تفرقة بينهم بسبب الأصل أو الجنس أو اللون أو اللغة أو العقيدة أو الآراء الشخصية.(15)
ويقتضي مضمون المساواة مضمون المساواة أمام القضاء أن يكون القضاء الذي يتقاضى أمامه الجميع واحداً وألا يختلف المحاكم باختلاف الأشخاص الذين يتقاضون أمامها وكذلك يقتضي المضمون نفسه أن تكون إجراءات التقاضي التي يسير عليها المتقاضون واحدة.(16)
ولا يتنافى مع جوهر المساواة أمام القضاء أن تعطى الحرية للقاضي لكي يحكم بالعقوبة الملائمة تبعاً لاختلاف ظروف كل قضية أو تبعاً لاختلاف ظروف المتهمين ولو كانت الجريمة واحدة.(17)
وكذلك لا يتعارض مع مضمون مبدأ المساواة أمام القضاء وجود محاكم مختلفة باختلاف أنواع المنازعات أو باختلاف طبيعة الجرائم بشرط أن لا تقام تفرقة بين أشخاص المتقاضين.
كما لا يخالف مبدأ المساواة أمام القضاء أن توجد محاكم خاصة بطوائف معينة من المواطنين إذا دعت الضرورة لذلك ولكن بشرط أن لا يكون وجود مثل هذا النوع من المحاكم سبباً في تمييز فئة من الأفراد على غيرها وذلك كما هو الحال في نطاق محاكم الأحداث التي تختص بمحاكمة المجرمين الأحداث على اقترفوه من جرائم وتطبق عليهم عقابياً مختلفاً عن تلك التي تطبق على الراشدين وكذلك تطبق عليهم إجراءات خاصة للتقاضي تختلف عن إجراءات التقاضي المتعارف عليها أمام المحاكم الأخرى بقصد إصلاحهم وتقويم سلوكهم وإعادة تأهيلهم.(18)
ولكن وفي الحالات كلها يجب عدم التوسع في إنشاء مثل هذه المحاكم الخاصة وإلا تم خرق مبدأ المساواة أمام القضاء وأن يقتصر إنشاؤها على حالات الضرورة وبما يتلاءم مع ضرورات الصالح العالم.(19)
وينتج عن مبدأ المساواة أمام القضاء ثلاث نتائج مهمة جداً:
1ً- وحدة القضاء: ويقصد بوحدة القضاء أن يكون التقاضي بالنسبة للمواطنين جميعهم أمام القضاء نفسهم الذين هم من الدرجة نفسها وبدون أي تفرقة أو تمييز بين الأفراد أو بين الطبقات الاجتماعية وبالتالي فإن وحدة القضاء تفترض عدم وجود محاكم خاصة أو استثنائية لأفراد معينين بذواتهم أو لطوائف أو طبقات اجتماعية محددة وذلك كما كان عليه الحال في فرنسة قبل الثورة حيث كانت توجد محاكم خاصة بطبقة النبلاء والأشراف وغيرها من الطبقات وذلك تمييزاً لكل طبقة عن غيرها من طبقات الشعب.(20)
2ً- المساواة أمام التشريعات والعقوبات المطبقة:
تتمثل النتيجة الثانية لمبدأ المساواة أمام القضاء في ضرورة تحقيق المساواة بين المتقاضين بالنسبة للقوانين التي تطبق عليهم فيما يثور بينهم من منازعات وتوقيع ذات العقوبات المقررة للجرائم نفسها على جميع مرتكبيها.
وتتضمن هذه النتيجة فيما يتعلق بالعقوبات شقين اثنين: الشق الأول ويتمثل في وحدة العقوبات الموقعة نتيجة لوحدة القانون المطبق والشق الثاني نجده في مبدأ شخصية العقوبة بحيث يرتب العقاب على من ارتكب جريمة بحق المجتمع بمعنى أنه يجب أن لا يتحمل أخذ وزر ما ارتكبه غيره بحق المجتمع مهما كانت درجة قرابته أو صلته به وتتطلب المساواة في العقوبة كذلك التسوية بين المحكوم عليهم في إجراءات ووسائل تنفيذ العقوبة المحكوم بها عليهم.(21)
3-مجانية القضاءGratuite de la justice فلكي تتحقق المساواة بين الجميع أمام القضاء فإن اللجوء إليه يجب أن يكون مجانياً ولكن هذه المجانية مازالت حتى الآن مسألة نظرية لأنه إذا كانت العدالة نفسها بالمجان فإن وسائل اللجوء إلى القضاء ليست كذلك بالتأكيد فمن الناحية العلمية يتحكم الجانب الاقتصادي لكل فرد في قدرته على الالتجاء إلى القضاء على حقوقه المتنازع عليها، ولما يتطلبه ذلك من نفقات ورسوم وأتعاب محاماة قد تكون فوق طاقته المادية في كثير من الأحيان .
ولهذا السبب نجد أن كثيراً من النظم القانونية في العالم قد نظمت وسائل تقديم المساعدات القضائية إلى المتقاضين المحتاجين لها وبعضها يشجع تنظيم الجمعيات التي تقدم يد المساعدة إلى من يطلبها من غير القادرين.(22)
ثانياً: المساواة أمام المرافق العامة :
المرفق العام Le Service Public هو نشاط تمارسه جهة عامة في سبيل إشباع حاجة من الحاجات التي تحقق الصالح العام وبالتالي فإن مهمة المرفق العام تتمثل في تقديم خدمات للعامة بهدف تحقيق النفع العام.(23)
وطالما كان المرفق العام بطبيعة وجوده, خدمة للمجتمع ولمصلحة الجميع, لذلك فمن الطبيعي أن يتساوى أمامه الجميع وبغير تمييز أياً كان سببه.(24)
ويسمى الأفراد الذين تقدم لهم خدمات المرفق العام, " بالمنتفعين" ولكن مبدأ المساواة أمام المرافق العامة لا يطبق على هؤلاء المنتفعين فعلاً بالخدمة، بمعنى أن مبدأ المساواة هذا يجب أن يطبق على جميع من تتوافر فيهم شروط الاستفادة من خدمات المرفق العام بغير مميز بينهم أو محاباة، وفي الحقيقة إن مبدأ المساواة يحتج به طالبوا الانتفاع أكثر مما يحتج به المنتفعون فعلاً, لأنه يثور غالباً عندما ترفض الإدارة القائمة على المرفق العام طلب أحد الأفراد في الاستفادة من خدمات المرفق العام، رغم توافر الشروط فيه.(25)
ويعد مبدأ المساواة أمام المرافق العامة من قبيل المبادئ العامة للقانون التي تطبق وإن لم يتضمنه نص قانوني معين.
غير أن مساواة الأفراد أمام المرافق العامة ليس مطلقاً لأنه لا يعني جواز أن يطلب كل فرد الانتفاع من خدمات المرفق العام دون قيد أو شرط، إنما لا تصبح هذه المساواة حقاً للمنتفع إلا بتوافر شروطها، وذلك شأنها شأن المراكز القانونية جميعها.(26)
فالممنوع أن يقيم المشرفون على المرفق تفرقة بين المنتفعين لا تستند إلى مسوغ قانوني, كالتمييز بسبب الجنس أو اللون أو اللغة ... أو أي سبب آخر لا هدف له إلا التمييز غير المبرر في المعاملة.(27)
ولكن لا يتنافى مع قاعدة المساواة السابقة أن توضع شروط عامة لابد من توافرها في كل من يريد الانتفاع, كتحديد رسم معين فيمن يريد اقتضاء الخدمة، أو كتحديد جملة من الشروط فيمن يريد اقتضاء خدمة التعليم الجامعي, فمثل هذ الشروط ما دام مقصوداً منها مصلحة المرفق ذاته، أو المصلحة العامة لا تخل بقاعدة المساواة، إلا إذا كان التعميم ظاهرياً، ولكنه يعني في حقيقة الأمر حرمان طائفة من الأفراد من الانتفاع بخدمات المرفق لأمر من الأمور.(28)
ولعل من أهم شروط الانتفاع بخدمات المرفق العام إنما يتمثل في دفع مبلغ معين من المال، وفي هذه الحال تثور مسألة جماعية المرافق العامة حيث من المسلم أنه ليكون المرفق مرفقاً عاماً، لا يشترط أن تكون الخدمات التي يقدمها مجانية للجميع, بل يجوز فرض رسوم على كل منتفع لقاء انتفاعه بخدمات مرفق معين, ولكن يجب أن لا يكون الرسم مغالياً فيه بحيث يخرج المرفق عن عموميته، والغاية التي أحدثت من أجلها، والمتمثلة في المصلحة العامة، ويلاحظ عموماً توجه المشرع المتزايد إلى توسيع نطاق مجانية المرافق العامة في وقتنا الحالي.(29)
ثالثاً-: المساواة في نطاق الوظيفة العامة :
يأخذ مبدأ المساواة في الوظيفة العامة عدة مظاهر, فقد يتجلى في نطاق الدخول إلى سلك الوظيفة العامة، وفي نطاق الرواتب والأجور، والترقيات, والعلاوات:
أ- الدخول إلى سلك الوظيفة العامة : لقد طرح مبدأ المساواة في التوظيف أول الأمر في فرنسة، ومؤداه عدم تفضيل طبقة أو فئة معينة على غيرها في شغل الوظائف العامة، بل يكون لكل مواطن الحق المتساوي في التقدم لشغلها، وهذه المساواة هي مساواة قانونية، بمعنى أنه يلزم أن تتوافر فيمن يتقدم لشغل الوظيفة العامة كل ما يتطلبه القانون من شروط ومؤهلات علمية وخبرات عملية، وهذه الشوط يجب أن تكون عامة ومجردة بحيث تتيح للمواطنين جميعاً فرصاً متكافئة في التقدم لشغل الوظائف العامة.(30)
وفي الحقيقة إن هذا المفهوم القانوني للمساواة الذي تجسد في مبدأ المساواة في التوظيف كان بهدف إلى الوقوف عند حد تحطيم الاحتكارات الطبقية وإذابة الفوارق الاجتماعية في مجال شغل الوظائف العامة، والتي كانت تسود في أوروبا وقت تقرير هذا المبدأ, ويلاحظ أن مبدأ المساواة القانونية يحقق كفاية الوظيفة العامة وبالتالي تطور الدولة إذ يتيح لها فرصة الإفادة من مختلف الكفايات الموجودة بها دون قيد طبقي أو اجتماعي.(31)
ولكن مبدأ المساواة في التوظيف في مفهومه القانوني السابق شرحه, والذي ساد في أوروبا, لم يحل من الناحية الواقعية، دون استمرار الاحتكار الطبقي للوظيفة العامة، بل أدى إلى قيام طبقة بيروقراطية منفصلة عن الشعب ومتعالية عليه, لذلك فإن الرئيس الامريكي ( جاكسون) طرح نظريته القائمة على توقيت الوظيفة العامة على أساس من المساواة، وذلك باعتبار توقيت شاغل الوظيفة العامة هو السبيل الوحيد لتمكين كل مواطن من تقلد الوظيفة العامة في يوم ما.(32)
ويهدد مبدأ المساواة في الدخول إلى الوظيفة العامة في نطاق ما يسمى بالاحتكار الوظيفي التركيزي, الذي يركز الوظائف في أيد قليلة يجمع الواحد منهم بين اكثر من وظيفة، وبالتالي يغدو في مركز متميز على بقية الأفراد, ومما يؤدي في النهاية إلى الحكم على الطاقات البشرية في الدول بالعطل.(33)
من الموضوعات المهمة في نطاق المساواة في الدخول إلى سلك الوظيفة العامة، ذلك المتعلق بمسألة المساواة بين الذكور والإناث في تولي الوظائف العامة، وتكتسب هذه المسألة أهميتها في أن المرأة عبر تاريخ الحضارة الإنسانية كانت وضعت في ظل ظروف دنيا, وذلك على أساس أن المرأة من الناحية الفكرية والجسدية هي في وضع أدنى من الرجل.(34)
وبالنسبة لموقف القضاء من هذه المسألة فقد تباين موقف مجلس الدولة الفرنسي، حسب المرحلة التاريخية التي طرح فيها المبدأ ففي بادئ الأمر, احترم المجلس المذكور كل اتجاهات الإدارة الرامية إلى استبعاد النساء من الوظائف العامة، ثم اتخذ مواقف أكثر جرأة، حيث أعلن رفضه للعوائق جميعها التي تقف أمام النساء في نطاق تولي الوظائف العام, لكنه لم يسحب كل النتائج المترتبة على هذا الموقف، وفي سنة 1946 اتخذ المجلس نفسه موقفاً حاسماً حيث قرر حق النساء في تولي الوظائف العامة وفقاً للشروط الواقعية نفسها التي تطبق على الذكور.
وقد تكرست هذه القاعدة تشريعاً بدءاً من سنة 1946, كذلك، وتكررت في قوانين الوظيفة العامة الفرنسية المتعاقبة بعدها، وبالتالي فإن المبدأ المستقر عليه حالياً في فرنسة يتمثل في أن الطبيعة الأنثوية للمرأة يجب أن لا تقف حائلاً دون دخولها إلى سلك الوظيفة العامة.
وقد تكرس هذا الوضع دستورياً أيضاً, حيث أقرت مقدمة دستور 1946 بأن القانون يضمن للمرأة ضمن المجالات كلها, حقوقاً مساوية للحقوق التي يملكها الرجال.
ولكن القضاء الإداري الفرنسي وضع استثناء على مساواة النساء بالرجال في نطاق تولي الوظائف العامة, حيث يجوز خرق مبدأ المساواة المذكور, إذا كانت شروط ممارسة وظيفة معينة تستلزم مثل هذا الخرق، " كأن تكون شاقة وتستلزم جهداً عضلياً كبيراً".
أما في سورية فقد كان الحكم قاطعاً في نصوص الدستور, حيث نصت المادة 23 منه على ما يلي:
((تكفل الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع)) .
ويلاحظ في مصر أن القضاء الإداري قد اتجه في مسار القضاء الإداري الفرنسي نفسه, حيث أقر ببطلان كل قاعدة مطلقة تحول بين المرأة
