بث تجريبي

حماس بعد الحرب: انتخابات القيادة أم إعادة تأسيس الحركة؟

دراسات وأبحاث - Foresight

تمثل الانتخابات الجارية داخل حركة حماس لحظة مفصلية تتجاوز في أهميتها مجرد اختيار رئيس جديد للمكتب السياسي. ففي الظروف الطبيعية، تشكل الانتخابات الداخلية في الحركات السياسية والتنظيمات الأيديولوجية آلية دورية لإعادة إنتاج النخبة القيادية وتجديد الشرعية التنظيمية وتوزيع النفوذ بين الأجنحة المختلفة. غير أن هذه الانتخابات تأتي في ظرف استثنائي يختلف عن كل المحطات السابقة التي مرت بها الحركة منذ تأسيسها عام 1987. فحماس لا تواجه اليوم مجرد استحقاق تنظيمي اعتيادي، بل تجد نفسها أمام واحدة من أعقد الأزمات الوجودية في تاريخها، بعد حرب طويلة ألحقت أضراراً عميقة ببنيتها العسكرية والسياسية والتنظيمية، وأدت إلى فقدان عدد كبير من قادتها التاريخيين والعسكريين، وفي مقدمتهم إسماعيل هنية ويحيى السنوار. لذلك، فإن السؤال المطروح لا يتعلق فقط بهوية الرئيس المقبل للمكتب السياسي، بل بطبيعة الحركة التي ستخرج من هذه المرحلة، وما إذا كانت حماس بصدد إعادة تعريف ذاتها سياسياً وتنظيمياً في ضوء المتغيرات التي فرضتها الحرب.

تكمن أهمية هذه الانتخابات في أنها تجري في سياق يمكن وصفه بأنه لحظة تأسيسية ثانية في تاريخ الحركة. فمنذ نشأتها خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، مرت حماس بمحطات شكلت نقاط تحول رئيسية في مسارها؛ كان أبرزها دخولها المعترك الانتخابي الفلسطيني عام 2006، ثم سيطرتها على قطاع غزة عام 2007، وما ترتب على ذلك من انتقالها من حركة معارضة إلى سلطة أمر واقع تمتلك مؤسسات إدارية وأمنية وسياسية. إلا أن الحرب الأخيرة تختلف عن تلك المحطات جميعاً، لأنها لم تستهدف فقط قدرات الحركة العسكرية أو بنيتها المادية، بل طالت بصورة مباشرة النخبة القيادية التي كانت تشكل مركز الثقل في عملية صنع القرار. ومن ثم، فإن ما تواجهه الحركة اليوم لا يقتصر على آثار الحرب العسكرية، بل يمتد إلى أزمة تتعلق بقدرتها على الحفاظ على استمرارية القيادة وإعادة إنتاج النخبة التنظيمية التي تدير شؤونها.

في هذا السياق، يمكن فهم الانتخابات الحالية بوصفها اختباراً لقدرة حماس على تجاوز ما يعرف في أدبيات التنظيمات السياسية بـ«أزمة إعادة إنتاج النخبة». فالحركات الثورية والتنظيمات العقائدية تعتمد عادة على تراكم الخبرة التنظيمية لدى قياداتها التاريخية، وعلى شبكات معقدة من العلاقات الداخلية والخارجية يصعب تعويضها بسرعة. وعندما تتعرض هذه القيادات للاستنزاف المكثف، سواء عبر الاغتيالات أو الاعتقالات أو الحروب، تظهر معضلة تتعلق بقدرة التنظيم على إنتاج جيل جديد يمتلك الشرعية والخبرة والقدرة على إدارة الأزمات. وقد شهدت تجارب عديدة لحركات ثورية ومسلحة حول العالم حالات تراجعت فيها فاعلية التنظيمات ليس بسبب الهزيمة العسكرية المباشرة، بل بسبب العجز عن ملء الفراغ القيادي الذي أحدثته الصراعات. ومن هنا، فإن الانتخابات الجارية داخل حماس تعكس بصورة غير مباشرة محاولة لإثبات أن الحركة لا تزال قادرة على إعادة بناء هياكلها القيادية والحفاظ على تماسكها المؤسسي رغم الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها.

ولا يمكن فصل التنافس بين خالد مشعل وخليل الحية عن هذه التحولات البنيوية. فعلى المستوى الظاهري، يبدو المشهد وكأنه منافسة بين شخصيتين تمتلك كل منهما رصيداً سياسياً وتنظيمياً كبيراً داخل الحركة. إلا أن القراءة الأعمق تكشف أن الأمر يتعلق بصراع بين نموذجين مختلفين للقيادة. فخالد مشعل يمثل تقليداً طويلاً ارتبط بقيادة الخارج، حيث تتركز العلاقات السياسية والإقليمية والدبلوماسية، بينما يمثل خليل الحية جيلاً من القيادات التي ارتبطت مباشرة بتجربة غزة وإدارة الحرب والتفاوض في ظروف المواجهة المستمرة. وبذلك، فإن المنافسة لا تدور فقط حول شخص الرئيس المقبل، بل حول تحديد مصدر الشرعية القيادية داخل الحركة: هل ستظل مستندة إلى الخبرة السياسية والعلاقات الخارجية، أم ستنتقل بصورة أكبر إلى القيادات التي اكتسبت شرعيتها من الميدان ومن إدارة الصراع المباشر؟

وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً إذا ما أخذنا في الاعتبار التحولات التاريخية التي شهدتها العلاقة بين الداخل والخارج داخل حماس. فمنذ سنواتها الأولى، كان ثمة توازن دقيق بين القيادات الموجودة داخل الأراضي الفلسطينية والقيادات العاملة في الخارج. وقد منح هذا التوازن الحركة قدرة على الجمع بين الشرعية الشعبية والتنظيمية من جهة، والقدرة على التحرك السياسي والدبلوماسي من جهة أخرى. لكن سيطرة الحركة على قطاع غزة عام 2007 أدت تدريجياً إلى صعود نفوذ الداخل على حساب الخارج، وجاءت الحرب الأخيرة لتعزز هذا الاتجاه بصورة أكبر. ولذلك، فإن الانتخابات الحالية يمكن قراءتها أيضاً باعتبارها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين هذين المركزين التقليديين للنفوذ داخل الحركة.

ومن بين المؤشرات الأكثر دلالة على طبيعة المرحلة الراهنة ظاهرة «الأوراق البيضاء» التي برزت خلال الجولة الأولى من الانتخابات. ففي التنظيمات الأيديولوجية عالية الانضباط، لا تُفسَّر هذه الظاهرة عادة بوصفها موقفاً محايداً، بل باعتبارها رسالة سياسية داخلية. فالأوراق البيضاء تعكس في الغالب وجود حالة من التردد أو عدم الرضا تجاه الخيارات المطروحة، كما قد تعبر عن وجود تيار يرى أن الصراع الحقيقي لا يدور بين المرشحين أنفسهم، بل حول الاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه الحركة في المستقبل. ولذلك فإن أهمية هذه الظاهرة لا تكمن في أثرها الإجرائي على نتيجة الانتخابات فحسب، بل في كونها تكشف عن نقاشات داخلية أعمق تتعلق بالشرعية والقيادة والاستراتيجية. وهي تشير إلى أن جزءاً من النخبة التنظيمية ربما لا يرى في أي من المرشحين الحاليين تجسيداً كاملاً لمتطلبات المرحلة المقبلة، أو أنه يفضل استمرار نموذج القيادة الجماعية إلى حين إعادة بناء المؤسسات التنظيمية بصورة أكثر شمولاً.

ويكتسب هذا الجدل أهمية إضافية في ضوء التحولات التي طرأت على طبيعة الحركة نفسها خلال السنوات الأخيرة. فمنذ تأسيسها، جمعت حماس بين أدوار متعددة؛ فهي حركة مقاومة مسلحة، وتنظيم سياسي، وشبكة اجتماعية ودعوية، وسلطة حاكمة في قطاع غزة. وقد سمح هذا التعدد للحركة بالحفاظ على حضورها في أكثر من مجال. غير أن الحرب الأخيرة وضعت هذه الأبعاد المختلفة تحت ضغط غير مسبوق، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول الأولويات الاستراتيجية للحركة. فهل ستتجه حماس نحو تعزيز طابعها العسكري بوصفه المصدر الأساسي لشرعيتها؟ أم ستسعى إلى إعادة التوازن بين أبعادها السياسية والعسكرية والاجتماعية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستكون عاملاً حاسماً في تحديد طبيعة الحركة خلال السنوات المقبلة.

ولا يقل عن ذلك أهمية النقاش المتعلق بشكل القيادة المستقبلية. فقد اعتادت حماس خلال معظم تاريخها على وجود شخصيات محورية لعبت دوراً مركزياً في توجيه الحركة، مثل خالد مشعل وإسماعيل هنية ويحيى السنوار. إلا أن ظروف الحرب دفعتها إلى الاعتماد بصورة أكبر على نموذج القيادة الجماعية من خلال المجلس القيادي المؤقت. ومن هنا، تطرح الانتخابات الحالية سؤالاً يتعلق بما إذا كانت الحركة ستعود إلى نموذج القيادة الفردية التقليدية، أم أنها ستتجه نحو مزيد من المأسسة وتوزيع السلطة داخل هيئات جماعية أكثر استقراراً. ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة لأن طبيعة القيادة التي ستختارها الحركة ستؤثر مباشرة في قدرتها على التعامل مع الأزمات المستقبلية وعلى إدارة التوازنات الداخلية المعقدة التي أفرزتها الحرب.

في المحصلة، لا تبدو الانتخابات الجارية داخل حماس مجرد استحقاق تنظيمي يهدف إلى اختيار رئيس جديد للمكتب السياسي، بل تمثل اختباراً شاملاً لقدرة الحركة على إعادة إنتاج ذاتها بعد أكبر أزمة واجهتها منذ تأسيسها. فالحركة تجد نفسها اليوم أمام تحديات تتعلق بالقيادة والشرعية والهوية والاستراتيجية في آن واحد، بينما تفرض عليها تداعيات الحرب إعادة النظر في كثير من المسلمات التي حكمت بنيتها التنظيمية طوال العقود الماضية. ومن ثم، فإن أهمية هذه الانتخابات لا تكمن في اسم الفائز بقدر ما تكمن في ما تكشفه من تحولات أعمق داخل الحركة. فهي قد تكون بداية مرحلة جديدة تعيد فيها حماس صياغة نموذجها التنظيمي والسياسي، وتحدد من خلالها موقعها ودورها في النظام السياسي الفلسطيني خلال السنوات المقبلة. وفي هذا المعنى، فإن المعركة الحقيقية لا تدور حول رئاسة المكتب السياسي، بل حول مستقبل الحركة نفسها.