بث تجريبي

الدبلوماسية المناخية الأوروبية في آسيا الوسطى: أمن الطاقة أم استعمار أخضر؟

دراسات وأبحاث - إبراهيم رضائي
إبراهيم رضائي
باحث دكتوراه في العلاقات الدولية، ومحاضر جامعي.

في ظل تصاعد أزمة المناخ العالمية وتزايد الاضطرابات الجيوسياسية، بات أمن الطاقة أحد أكثر عناصر السياسة الخارجية أهمية بالنسبة للاتحاد الأوروبي. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا وما تبعها من تراجع أو توقف إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا، انخرطت المؤسسات الأوروبية في جهود مكثفة لتنويع مصادر الطاقة ومسارات استيرادها، بالتوازي مع تسريع عملية التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة. إلا أن هذا التوجه لا يرتبط فقط بالاعتبارات البيئية وأمن الطاقة، بل يتأثر أيضًا بالمنافسة المتصاعدة بين القوى الكبرى، حيث تتنافس الصين وروسيا والدول الغربية على النفوذ والاستثمار في فضاء أوراسيا، الذي أصبحت آسيا الوسطى أحد أبرز مسارحه الجيوسياسية.

وفي هذا السياق، حظيت آسيا الوسطى باهتمام أوروبي متزايد بفضل ما تمتلكه من إمكانات هائلة في إنتاج الطاقة النظيفة، سواء من الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو الطاقة الكهرومائية، بل وحتى الهيدروجين الأخضر. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تستند هذه الشراكات بالفعل إلى مبادئ التنمية المستدامة والتعاون المتكافئ، أم أنها تخفي وراء خطابها البيئي شكلاً جديدًا من أشكال الاستغلال الاقتصادي تحت مسمى «الاستعمار الأخضر»؟

الدبلوماسية المناخية الأوروبية: الأهداف والأدوات

مع إطلاق «الصفقة الخضراء الأوروبية» عام 2019، رسم الاتحاد الأوروبي مساره الاستراتيجي نحو تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050. وتُعد هذه المبادرة حجر الأساس للسياسات البيئية الأوروبية، إذ تركز على خفض انبعاثات الغازات الدفيئة وزيادة مساهمة مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الأوروبي. ولا يقتصر تأثير هذه الاستراتيجية على الداخل الأوروبي، بل امتد ليعيد تشكيل علاقات الاتحاد مع العديد من المناطق، وفي مقدمتها آسيا الوسطى.

ومن أجل دعم هذا التحول، طوّر الاتحاد الأوروبي مجموعة من الأدوات والمبادرات، أبرزها مشروع «البوابة العالمية» (Global Gateway)، الذي قُدم باعتباره بديلًا أوروبيًا لمبادرة «الحزام والطريق» الصينية. ويهدف هذا المشروع إلى تطوير البنية التحتية المستدامة في الدول النامية، مع التركيز على قطاعات الطاقة والنقل والرقمنة.

وفي إطار هذه الاستراتيجية، أصبحت دول آسيا الوسطى، بما تملكه من إمكانات ضخمة في مجال الطاقة المتجددة، هدفًا رئيسيًا للاستثمارات الأوروبية. وتشمل مجالات التعاون إنشاء محطات للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، خصوصًا في كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان، إضافة إلى مشاريع تطوير الهيدروجين الأخضر، الذي تنظر إليه أوروبا بوصفه أحد الركائز المستقبلية لأمنها الطاقوي بعد تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري. كما مثلت قمة سمرقند خطوة مهمة في تعزيز الحضور الأوروبي في المنطقة ودفع التعاون في مجالات الطاقة المتجددة.

وتعتمد هذه السياسات على مجموعة من الآليات المالية والمؤسسية، من بينها بنك الاستثمار الأوروبي، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، إلى جانب شراكات مع شركات أوروبية كبرى مثل سيمنز وتوتال إنرجيز.

إمكانات آسيا الوسطى في التحول الأخضر

رغم اعتماد اقتصادات آسيا الوسطى لعقود طويلة على النفط والغاز، فإن المنطقة تمتلك اليوم فرصة حقيقية للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة النظيفة. فتمتلك كازاخستان وحدها نحو 300 يوم مشمس سنويًا، بينما تتمتع تركمانستان بموارد مائية مهمة على امتداد بحر قزوين، كما بدأت أوزبكستان تنفيذ مشاريع واسعة لطاقة الرياح في المناطق الصحراوية. وتُعد هذه العوامل من أبرز المقومات التي تجعل المنطقة إحدى أهم المناطق الجغرافية عالميًا لإنتاج الطاقة المتجددة.

ولا تقتصر أهمية آسيا الوسطى على موارد الطاقة فحسب، بل تمتد إلى امتلاكها احتياطيات كبيرة من المعادن الحيوية مثل الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة، التي تشكل أساس الصناعات المرتبطة بالتحول الأخضر، مثل البطاريات والألواح الشمسية. ولهذا السبب وقّع الاتحاد الأوروبي وكازاخستان اتفاقيات استراتيجية في مجالات الهيدروجين الأخضر والمواد الخام الحيوية، كما عززا التعاون في مجالات الطاقة والنقل والاستدامة.

وفي حال أُديرت هذه الموارد بطريقة فعالة، يمكن لآسيا الوسطى أن تتحول من مجرد مصدر للطاقة النظيفة إلى شريك تكنولوجي حقيقي لأوروبا. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب بنية تحتية متطورة واستثمارات ضخمة ونقلًا فعليًا للتكنولوجيا الحديثة، وهي المجالات التي يملك الاتحاد الأوروبي القدرة على الإسهام فيها. ومن هذا المنطلق تأتي الاستثمارات الأوروبية المعلنة، والتي تقدر بنحو 12 مليار يورو في مشاريع الطاقة النظيفة بالمنطقة.

الاستعمار الأخضر: الوجه الآخر للدبلوماسية المناخية؟

على السطح، تبدو هذه الشراكات نموذجًا مثاليًا للتعاون الدولي، إذ توفر استثمارات جديدة وفرص عمل وتكنولوجيا متقدمة. غير أن المقاربة النقدية تكشف عن جملة من المخاوف المرتبطة بطبيعة هذه العلاقات.

ويشير مفهوم «الاستعمار الأخضر» إلى الحالات التي تستغل فيها الدول المتقدمة أدوات التحول المناخي ومشاريع الطاقة النظيفة لتعبئة الموارد الطبيعية للدول النامية وتوظيفها لخدمة مصالحها الخاصة، دون أن تحصل الدول المضيفة على نصيب عادل من المنافع الاقتصادية أو التكنولوجية. وتزداد هذه المخاوف عندما تُنفذ مشاريع ضخمة للطاقة الشمسية أو الهيدروجين الأخضر في مناطق فقيرة أو هامشية دون إشراك المجتمعات المحلية في اتخاذ القرار.

وفي بعض الحالات، تُتخذ القرارات المتعلقة بهذه المشاريع على المستوى الحكومي دون مشاركة فعالة من المجتمعات المحلية أو منظمات المجتمع المدني، مما يحول دول آسيا الوسطى إلى مجرد مزودين للطاقة بدلاً من أن تكون شركاء حقيقيين في التنمية. وقد ظهرت بالفعل انتقادات لمشاريع طاقة شمسية واسعة في كازاخستان بسبب ضعف تقييم آثارها الاجتماعية والبيئية. كما أن بعض الأراضي المخصصة لمشاريع الرياح والطاقة الشمسية في أوزبكستان وكازاخستان تُستخدم تقليديًا للزراعة أو السكن المحلي، الأمر الذي يثير تساؤلات حول العدالة الاجتماعية لهذه المشروعات.

ويذهب بعض الباحثين إلى أن هذا النمط يذكّر بالنموذج الاستعماري التقليدي الذي ارتبط باستغلال النفط والموارد الطبيعية خلال القرن العشرين، مع اختلاف أساسي يتمثل في أن الاستغلال الحالي يُقدَّم تحت راية التنمية المستدامة وحماية البيئة.

نهج أوروبي مختلف أم إعادة إنتاج للتاريخ؟

يرى المدافعون عن الدبلوماسية المناخية الأوروبية أن المقارنة مع النماذج الاستعمارية التقليدية ليست دقيقة، إذ تستند المشاريع الأوروبية إلى أطر قانونية وبيئية أكثر شفافية، كما أن الهدف المعلن يتمثل في خفض الانبعاثات العالمية ومواجهة التغير المناخي، وهي قضية تتجاوز المصالح الوطنية الضيقة.

لكن رغم ذلك، لا تزال تساؤلات عديدة قائمة بشأن مدى قدرة هذه الأطر على ضمان مصالح دول آسيا الوسطى، وحول حجم الدور الحقيقي الذي تلعبه هذه الدول في تصميم المشاريع وصنع القرار. فإذا استمرت دول المنطقة في أداء دور المورد للطاقة والمواد الخام فقط، دون أن تصبح شريكًا في الابتكار والتطوير التكنولوجي، فإن الحديث عن علاقة متكافئة سيظل محل شك كبير.

مسارات الإصلاح والتوصيات

لتجنب تحول التعاون الأوروبي – الآسيوي إلى نموذج جديد من الاستعمار الأخضر، تقترح الدراسة مجموعة من الخطوات الإصلاحية، أبرزها:

  1. إنشاء آليات تضمن المشاركة الفعلية للمجتمعات المحلية في مشاريع الطاقة المتجددة.
  2. نقل التكنولوجيا الحديثة بصورة حقيقية إلى الدول المضيفة بدلاً من الاقتصار على استغلال مواردها الطبيعية.
  3. تعزيز مؤسسات الرقابة المحلية لتقييم الآثار البيئية والاجتماعية للمشاريع.
  4. تصميم آليات اقتصادية تضمن استفادة دول آسيا الوسطى من العوائد طويلة الأجل لهذه المشاريع.
  5. تطوير مؤسسات إقليمية متعددة الأطراف تُمكّن دول المنطقة من التفاوض الجماعي في قضايا الطاقة والمناخ.

الخاتمة

يمثل التحول إلى الطاقة النظيفة ضرورة عالمية لا مفر منها في مواجهة أزمة المناخ، كما تمثل آسيا الوسطى إحدى المناطق الأكثر قدرة على الإسهام في هذا التحول بفضل مواردها الطبيعية الهائلة وموقعها الجغرافي الاستراتيجي. وفي المقابل، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى توظيف هذه الإمكانات ضمن رؤيته لتحقيق الحياد الكربوني وتعزيز أمنه الطاقوي.

غير أن نجاح هذه الشراكة سيعتمد في النهاية على طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين الطرفين. فإذا بُني التعاون على أساس المصالح الأوروبية قصيرة الأجل واستغلال الموارد الطبيعية للمنطقة، فقد نشهد إعادة إنتاج لنمط جديد من التبعية الاقتصادية تحت شعار الاستدامة. أما إذا تحولت دول آسيا الوسطى إلى شركاء حقيقيين في اتخاذ القرار، واستفادت من التكنولوجيا والاستثمار وبناء القدرات المحلية، فإن هذه التجربة يمكن أن تمثل نموذجًا ناجحًا للدبلوماسية الخضراء والتنمية المستدامة في القرن الحادي والعشرين.