المرأة الأمازيغية أرشيف حي: سوندوس البياشي وجماليات الذاكرة الثقافية
مقدمة
أصبح الرسم المغربي المعاصر أحد أبرز المجالات التي تُطرح فيها قضايا الهوية والنوع الاجتماعي والذاكرة والانتماء الثقافي وتُعاد صياغتها، وقليل من الفنانين الأحياء يتعامل مع هذه القضايا بهذا القدر من الوعي والتعمد مثل الفنانة التشكيلية والمصممة الأمازيغية سوندوس البياشي. وُلدت البياشي في الدار البيضاء عام 1971، وأقامت طويلاً في الرباط، وقد راكمت أعمالاً فنية لا تظهر فيها المرأة الأمازيغية بوصفها مجرد سطح زخرفي أو موضوع جمالي، وإنما باعتبارها حاملة للتاريخ. وتلتقي لوحاتها عند نقطة نادرة ما بين الاحتفاء الجمالي والشهادة الثقافية، وبين البورتريه الفردي والرمز الجمعي، وبين الذاكرة المنزلية الحميمة والحجة الحضارية.
وسيكون من الخطأ التعامل مع هذه الأعمال باعتبارها مجرد معرض لوجوه جميلة تستحق الإعجاب. فخلف كل وجه، وكل مشبك «فيبولا»، وكل قطعة من النسيج المنسوج، تكمن منظومة كاملة من المعرفة؛ أي طريقة في الفهم والنقل والتوارث طالما قصّر الأرشيف المكتوب لشمال أفريقيا عن احتوائها أو تمثيلها على نحو كافٍ. وتعيد لوحات البياشي إلى مجال الرؤية شكلاً من أشكال الفاعلية التاريخية ظل حياً، لا في السجلات والمواثيق، وإنما في الإيماءات والزخارف والحرف اليدوية، وانتقل بصورة شبه حصرية عبر أجساد النساء وأيديهن.
وكما جادلتُ في موضع آخر، فإن الفنانة نفسها تتعامل مع الفنون باعتبارها تعبيرات عن الهوية الإثنية، ومن ثم فإن حماة هذه الهوية هم، بالمعنى الحرفي، أولئك الذين يضمنون انتقالها من جيل إلى آخر (Chtatou, 2024). ولذلك فإن لوحات البياشي لا تكتفي بتصوير الجمال؛ بل تطرح حجة واضحة حول السؤال المتعلق بمن حمل الحضارة الأمازيغية فعلياً عبر التاريخ. والحجة هنا لا لبس فيها: إنهن النساء.
وما يلي هو محاولة لتتبع هذه الحجة عبر المستويات الرئيسية في تجربتها الفنية: الوجه، والزخرفة، والمعرض، والسيرة الذاتية، والمادة، والاستعارة المرتبطة بالنسيج التي تجمع هذه العناصر كلها، بهدف إظهار أن البورتريه، في يديها، ليس مجرد بورتريه.
الوجه بوصفه موضعًا للمعنى
قبل أن يتعرف المشاهد إلى أي رمز بعينه، وقبل أن ينتبه إلى مشبك محدد، أو نمط بعينه في النسيج، أو وشم معين، تطلب لوحات البياشي أولاً أن تُقرأ من خلال الوجه. تحمل نساؤها تعبيرات تقاوم الانحصار في حالة شعورية واحدة؛ فالكرامة تتداخل مع التأمل، والكبرياء يلامس مسحة من الحزن الهادئ، والسكينة تقترب أحياناً من شيء يشبه اليقظة والترقب. وهذا الالتباس مقصود.
فالوجه الذي يُرسم في حالة من السكينة الخالصة قد ينزلق بسهولة إلى الصورة الفولكلورية الجذابة؛ أي إلى صورة يستهلكها المشاهد لجمالها ثم يطويها جانباً. أما الوجه الذي تمنحه الفنانة هذا القدر من التعقيد الداخلي، فإنه يفرض نفسه باعتباره موضوعاً ينبغي التأمل فيه وقراءته بوصفه ذاتاً لها تاريخ، لا مجرد موضوع زخرفي يُعجب به.
ويكتسب هذا التعامل مع الوجه أهمية خاصة بالنظر إلى الدور التاريخي للزخارف الوجهية ــ من وشوم وحلي وزينة احتفالية ــ في المجتمعات الأمازيغية، حيث كانت هذه الممارسات تؤدي في الماضي وظائف تتصل بالانتماء والخصوبة والحماية والمكانة الاجتماعية.
وكان وشم الوجه لدى النساء الأمازيغيات يشير إلى مراحل مختلفة من حياة المرأة، وغالباً ما يبدأ وضعه في سن مبكرة، فيما كان لموضع العلامة دلالته الخاصة؛ فقد تشير خطّة على الذقن إلى الخطوبة، بينما قد تدل علامة بالقرب من الأنف على الزواج، أو في بعض الحالات على فقدان طفل (Osman, 2022). ولم يكن هذا التقليد مجرد وسيلة لتسجيل السيرة الشخصية، بل ارتبط أيضاً بالحماية من الأذى وبمفهوم للجمال الأنثوي. ولأن الوشم كان ممارسة مقصورة على النساء، فقد أدى في الوقت نفسه وظيفة تتعلق بتأكيد الهوية الجندرية والانتماء إلى الجماعة (Osman, 2022).
وتفصل البياشي هذه العناصر عن إطارها الإثنوغرافي المحض، ثم تعيد إدماجها في لغة بصرية معاصرة، من دون أن تمحو قابليتها للقراءة بوصفها علامات تقليدية. فالتراث، في هذا التصوير، لا ينتمي حصراً إلى واجهة المتحف أو فهرس الآثار؛ بل يستطيع أن يعيش مباشرة في الوجه، وفي تسريحة الشعر، وفي مشبك «الفيبولا»، أو في خط وشم، بصورة متواصلة وفي الزمن الحاضر.
لوحة للفنانة سوندوس البياشي
المرأة بوصفها حارسةً وأرشيفًا
تقلب بورتريهات البياشي التسلسل الهرمي المألوف في كتابة تاريخ شمال أفريقيا؛ حيث تحتل السلالات والحروب والعلماء الرجال واجهة السرد، بينما يتراجع العمل المنزلي والحرفي للنساء إلى هامش مجهول. أما نساؤها، فيظهرن بوصفهن حارسات فاعلات لأرشيف غير مكتوب؛ أرشيف منسوج داخل السجاد، ومرسوم على الجلد، ومطرق في الفضة، ومغنّى في التهويدات. وليس هذا مجرد تعبير حنيني عن ماضٍ غابر، وإنما هو طرح يتعلق بمنهج كتابة التاريخ ذاته.
فإذا كانت حضارة ما قد نقلت نفسها أساساً من خلال الممارسة لا الكتابة، فإن على المؤرخ ــ وعلى الفنانة في هذه الحالة ــ أن يبحث عن موضع حدوث عملية النقل الفعلية: في أيدي الأمهات والنسّاجات والحرفيات، لا في قصور السلاطين وأرشيفات الإدارات الاستعمارية وحدها.
لقد أغفل السجل التاريخي إلى حد كبير هذه المساهمة، مع أن الطقوس والمرويات الشفوية والحرف اليدوية لدى النساء الأمازيغيات تشكل مستودعاً حقيقياً للمعرفة؛ وهو مستودع يربك السرديات التقليدية التي تقدم النساء باعتبارهن مجرد مستهلكات للثقافة، بدلاً من النظر إليهن بوصفهن منتجات لها ومساهمات في تكييفها وإعادة إنتاجها (Chtatou, 2024).
وقد منح التحكم في المعجم البصري للهوية الأمازيغية ــ بما يتضمنه من زخارف وألوان وهيئات ــ هؤلاء النساء مكانة اجتماعية وشكلاً من أشكال السلطة الثقافية، وهي سلطة تجعلها فرشاة البياشي مرئية أمام جمهور معاصر (Chtatou, 2024). ولم تكن هذه السلطة رمزية فحسب. فالمرأة التي تعرف أي رمز للخصوبة ينبغي أن يظهر على أي نسيج، وأي تسلسل لوني يميز العروس عن الأرملة، وأي نمط من الوشم يشير إلى سلالة معينة، كانت تمتلك كفاءة تقنية واجتماعية لا تختلف في جوهرها عما يمكن أن يسمى، في تقاليد أخرى، علماً ومعرفة متخصصة.
والبياشي ترسم هذه الكفاءة باعتبارها معرفة مرئية، لا مجرد خلفية فولكلورية.
وتحمل هذه إعادة الصياغة حجة ضمنية حول السلطة. فالسيطرة على القواعد البصرية التي تعبّر بها جماعة ما عن نفسها ــ أي تحديد ما يُعد جميلاً أو لائقاً أو ذا معنى ــ تعني امتلاك شكل من أشكال السيادة الثقافية.
وتواجه نساء البياشي المشاهد بنظرات ثابتة لا تعرف التوسل؛ فهن لا يُنظر إليهن بقدر ما ينظرن هن أيضاً إلى من ينظر إليهن، مؤكّدات سلطة أولئك اللواتي يعرفن معنى الرموز المحيطة بهن. وبهذا المعنى، تؤدي أعمالها البورتريهية تصحيحاً هادئاً للنظرة الإثنوغرافية التي اختزلت تاريخياً النساء الأمازيغيات إلى مجرد نماذج للأزياء والعادات، بدلاً من اعتبارهن فاعلات في إنتاج المعنى نفسه.
الزينة بوصفها شهادة علنية
تحتل المجوهرات والوشوم والملابس مكانة متميزة في الأيقونوغرافيا الفنية لدى البياشي، ولسبب وجيه؛ فهذه العناصر لدى النساء الأمازيغيات لم تكن يوماً مجرد زينة هامشية، وإنما كانت إعلانات عن الذات، تُنقل علناً وتُقرأ جماعياً. فمشبك «الفيبولا» المثبت عند الكتف كان يعلن عن المنطقة والانتماء والحالة الزوجية والنسب، بوضوح لا يقل عن وضوح الخاتم أو الختم المكتوب؛ كما أن الوشم المرسوم على الذقن أو الجبهة كان يحمل دلالات اجتماعية ووقائية يمكن لأي شخص متمرس في قراءة هذا النظام الرمزي أن يفهمها.
ويشير إصرار البياشي على رسم هذه الأشياء بدقة تشبه دقة صائغ المجوهرات ــ الانحناءة الدقيقة لمشبك فضي، والتفاصيل الدقيقة للحبيبات، والمنطق الهندسي للخط الموشوم ــ إلى أنها تقرأ هذه العناصر بالطريقة نفسها: ليس بوصفها أزياء، وإنما بوصفها كتابة.
وكانت «الفيبولا» تاريخياً مشبكاً يُستخدم لتثبيت الثوب المنسدل للمرأة عند الكتف، وقد اختلف تصميمها من منطقة إلى أخرى في شمال أفريقيا بدرجة كبيرة، بحيث كان شكل المشبك وخاماته وزخارفه كفيلاً بتحديد الأصل الجهوي والقبلي للمرأة بمجرد النظر إليه (Becker, 2024a). وكانت الشابات يحصلن تقليدياً على هذه المشابك عند الزواج، بينما كانت الأزواج الأثقل والأكثر زخرفة منها تُخصص للمناسبات الاحتفالية والدينية، بدلاً من ارتدائها في الحياة اليومية (Becker, 2024a).
أما الشكل المثلث الذي يظهر في مركز العديد من مشابك «الفيبولا»، فإنه يتكرر على نطاق أوسع في الثقافة البصرية الأمازيغية؛ إذ يظهر مرسوماً على جدران المنازل، ومنسوجاً في الأقمشة، ومشكلاً على الفخار، وقد جرى تفسيره منذ زمن طويل باعتباره رمزاً مرتبطاً بالخصوبة الأنثوية (Becker, 2024a). ومن خلال إعادة إنتاج هذه اللغة المثلثة بهذه الدرجة من الدقة، تضع لوحات البياشي بورتريهاتها في استمرارية مباشرة مع نحو بصري أقدم بكثير، بدلاً من مجرد الاقتباس منه باعتباره زياً تقليدياً.
وتعمل الملابس والوشوم والمجوهرات بوصفها بيانات علنية عن الهوية، وهو البعد الاستعراضي الواضح في أنوثة المرأة الأمازيغية الذي يقف في تناقض حاد، بل شبه جدلي، مع الصور النمطية الاختزالية التي تصور نساء العالم الإسلامي باعتبارهن معزولات ومحجبات (Chtatou, 2024).
وتلتقط البياشي هذا التناقض تحديداً. فهي ترسم مشابك «الفيبولا» والقلائد الفضية وخرز الكهرمان بإصرار لا يسمح للزينة بأن تذوب في مجرد الجمال الشكلي؛ إذ يتحول كل عنصر إلى جزء من شهادة، أو حاشية بصرية على حضارة سجلت نفسها على الجسد بدلاً من تسجيلها على الصفحة.
وتتجاوز سياسة إظهار هذه العناصر حدود اللوحة. فقد جرى تداول الزينة الأمازيغية في كثير من الأحيان، سواء في السياقات الغربية أو حتى داخل المغرب نفسه، بوصفها مادة خاماً للهدايا السياحية أو لإعادة إنتاج أنماط الموضة، بعد تجريدها من المنظومة الاجتماعية التي منحتها معناها.
ومن خلال إعادة هذه العناصر إلى مركز البورتريه الجاد ــ والإصرار على أن مشبك «الفيبولا» يستحق الوزن التركيبي نفسه الذي يحظى به الوجه ــ تقوم البياشي بفعل من استعادة الملكية الثقافية. فالزينة تعود إلى صانعيها ومرتديها بوصفها وثيقة وشهادة تاريخية، لا مجرد فضول زخرفي، ويُدعى المشاهد إلى قراءتها، لا الاكتفاء بالإعجاب بها.
لوحة للفنانة سوندوس البياشي
اللون والمادة والحواس
تنتج تقنية البياشي ــ وهي ممارسة طبقية تجمع بين الزيت والشمع والباستيل ــ أسطحاً تبدو أقل شبهاً بالسطح المرسوم وأكثر شبهاً بمادة تراكمت طبقة فوق أخرى، بطريقة تحاكي المنطق المادي للمنسوجات والمجوهرات التي تصورها.
فاللون في أعمالها نادراً ما يُوضع على هيئة مساحة مسطحة واحدة؛ وإنما يتكون عبر طبقات شفافة تسمح للدرجات اللونية الكامنة بأن تتوهج من خلالها، وهو تأثير يحاكي الطريقة التي يتحرك بها الضوء فوق الصوف المنسوج، أو الفضة المطروقة، أو الجلد المصبوغ بالحناء.
والنتيجة هي أجواء يختبر فيها المشاهد الثقافة الأمازيغية من خلال الإحساس بقدر ما يختبرها من خلال الأيقونوغرافيا؛ أي عبر الثراء الحسي للأوكر والأزرق النيلي والعقيق الأحمر والكهرمان، وليس من خلال قائمة جامدة من الرموز.
وهذا التركيز الحسي ليس أمراً عرضياً بالنسبة إلى موضوعها. فقد انتقلت الثقافة الأمازيغية تاريخياً عبر الممارسة المادية والجسدية ــ من النسيج والعمارة والزخرفة إلى الرقص والإيماءة ــ بدرجة أكبر بكثير من انتقالها عبر النصوص.
وكان بوسع فنانة تريد مجرد تصوير هذه الثقافة أن تكتفي بسطحية توثيقية باردة؛ لكن البياشي تفعل العكس، إذ تنقل كثافتها المادية إلى اللوحة، فتنتقل، بصورة ما، من النسيج إلى القماش، ومن الزينة المعاشة إلى الصورة، من دون أن تفقد المادة الأصلية شحنتها اللمسية.
الجمع بين التقليد والحداثة
من أكثر الجوانب الفكرية أهمية في مشروع البياشي رفضها التعامل مع التقليد والحداثة باعتبارهما نقيضين. فشخصياتها ترتدي المجوهرات الموروثة والأزياء التقليدية، لكن لا شيء في التكوين أو لوحة الألوان أو طريقة العرض ينتمي إلى السجل المتحفي أو العتيق.
إن لوحاتها معاصرة بوضوح في لغتها التشكيلية، حتى وإن كانت جذورها الموضوعية راسخة بوضوح في الرموز البصرية الأمازيغية الموروثة.
وتعكس هذه الهجنة حالة أوسع من حالات المجتمع المغربي المعاصر، حيث لا تمثل الهوية الأمازيغية بقايا أثرية محفوظة في مواجهة التحديث، وإنما إطاراً حياً يعاد تشكيله باستمرار داخله.
فالمرأة اليوم يمكنها أن ترتدي مشبك «فيبولا» ورثته عن جدتها، وتحمل شهادة جامعية، وتستخدم هاتفاً ذكياً، وتظل في الوقت نفسه شديدة الارتباط بالممارسة الموروثة. وهذه ليست تناقضات ينبغي حلها، وإنما هي هوية معاصرة واحدة ومتماسكة.
وترفض لوحات البياشي إغراء تجميد المرأة الأمازيغية داخل ماضٍ متخيل وثابت لا يتغير؛ فهي تصر بدلاً من ذلك على أن التراث يمكن للحداثة أن تحمله، وليس بالضرورة أن تمحوه.
عالم أمازيغي متعدد
كما تقاوم أعمال البياشي اختزال الهوية الأمازيغية في قالب بصري واحد. فالعالم الأمازيغي يمتد عبر الريف، والأطلسين المتوسط والكبير، وسوس، والجنوب ما قبل الصحراوي، وتحمل كل واحدة من هذه المناطق معجمها الخاص من المجوهرات وأنماط النسيج والأزياء.
ومن خلال تنويع التفاصيل الزخرفية في بورتريهاتها ــ مشبك «فيبولا» يميز منطقة معينة، أو نمط نسيج يرتبط بمنطقة أخرى ــ ترسم البياشي، بصورة ضمنية، خريطة لهذا التنوع الداخلي، بدلاً من اختزاله في جماليات «بربرية» عامة من النوع الذي طالما جرى تسويقه للسياح.
وتكتسب هذه الحساسية تجاه الاختلافات الإقليمية أهمية خاصة لأن الهوية الأمازيغية، تحديداً بسبب استخدامها المتكرر بوصفها فئة دستورية وسياسية واحدة في المغرب المعاصر، معرضة لأن تتحول في الخطاب العام إلى مجرد مفهوم تجريدي.
وتقاوم لوحات البياشي هذا الاختزال من داخل مجال الفن؛ فهي تصر على أن الحضارة الأمازيغية ليست كياناً متجانساً أو أحادياً، وإنما عائلة من التقاليد المتقاربة، لكل منها خصوصيتها التاريخية، حملتها نساء بعينهن وفي أماكن بعينها.
سردية مضادة أنثوية
هناك، أخيراً، حجة ذات بعد جندري وتاريخي كامنة في اختيار البياشي لموضوعاتها. فقد أعطت كتابات كثيرة عن مجتمعات شمال أفريقيا الأولوية للحكام والسلالات والاتحادات القبلية والمثقفين الرجال، بينما ظل العمل الثقافي اليومي الذي قامت به النساء أقل حضوراً في البحث والدراسة.
أما بطلات البياشي فهن، من دون استثناء، نساء؛ ومن ثم فإن التاريخ الضمني الذي تقترحه أعمالها هو تاريخ من أسفل؛ تاريخ يُروى عبر الوجوه والإيماءات والمنسوجات والزخارف، لا عبر سجلات الفتوحات والحكم.
وهذا ليس خياراً جمالياً هامشياً، وإنما يمثل تدخلاً في كتابة التاريخ نفسها. فهو يفترض أن الحضارات تستمر بفضل الأمهات والنسّاجات والمعالجات الشعبيات وراويات الحكايات، بقدر ما تستمر بفضل الملوك والعلماء، وأن كتابة تاريخ أمازيغي متكامل تصبح مستحيلة من دون الالتفات إلى العمل المادي والرمزي الذي قامت به النساء.
ومن خلال وضع شخصياتها النسائية في مركز التكوين الفني والفكرة الموضوعية في أعمالها، تنفذ البياشي، لوحة بعد أخرى، فعلاً من أفعال التصحيح التاريخي الذي تأخرت الكتابة التاريخية المكتوبة في القيام به.
«جمال الأمازيغ» وسياسة المعرض
تبلورت هذه الرؤية بصورة أكثر وضوحاً في معرض البياشي الذي أقامته عام 2025 تحت عنوان «Amazigh’s Beauty» — «جمال الأمازيغ»، والذي قُدم في الدار البيضاء بوصفه تحية صريحة لقوة المرأة الأمازيغية وكرامتها ومكانتها المركزية في المجتمع.
ووصف النقاد الذين تناولوا المعرض أعمالها بأنها تقدم المرأة الأمازيغية في مختلف تجلياتها: فخورة، كريمة، أمومية ومستقلة؛ كما رأوا في أعمالها تجربة نادرة الكثافة، تندمج فيها الجماليات مع الوعي، ويصبح الرسم لغة لنقل الذاكرة واستمرارها (Le Monde Amazigh, 2025).
وتقف تجربة البياشي، بهذا المعنى، عند نقطة التقاء عدة لغات فنية؛ إذ تمتزج أناقة الخطوط والتشطيب ذات الطابع الشرقي مع أيقونوغرافيا أمازيغية واضحة، تشمل الزخارف الهندسية والوشوم التقليدية والمجوهرات الموروثة والمنسوجات الملونة (Le Monde Amazigh, 2025).
والعنوان نفسه يمثل أطروحة متكاملة. فالجمال هنا ليس جمالاً تجميلياً أو سطحياً؛ وإنما جمال حضاري. ورؤية هذا الجمال تعني رؤية قدرة شعب على الحفاظ على هويته في مواجهة عمليات متعاقبة من المحو.
وأقيم المعرض في كاتدرائية القلب المقدس بالدار البيضاء، ضمن فعالية «Marché des Créateurs»، وهو ما وضع أعمال البياشي في حوار مباشر مع تجمع أوسع من المواهب المغربية الصاعدة، وجعل المرأة الأمازيغية لا تظهر باعتبارها موضوعاً إثنوغرافياً هامشياً، وإنما باعتبارها جزءاً كاملاً من المشهد الفني المغربي المعاصر.
ويستحق اختيار المكان والسياق ذاتهما التوقف عندهما؛ فبدلاً من حصر الأيقونوغرافيا الأمازيغية في السياقات الفولكلورية أو التراثية، وضعت البياشي هذه العناصر داخل دوائر ثقافة المعارض الفنية المعاصرة، طالبةً أن تُقيَّم بالمعايير نفسها التي تُقَيَّم بها أي ممارسة فنية معاصرة جادة، وأن تثبت قدرتها على الصمود داخل هذا السياق.
سيرة ذاتية مكتوبة داخل العمل
تكشف مسيرة البياشي الشخصية عن جانب مهم من طبيعة الهجنة التي تميز تجربتها الفنية. فقد تلقت منذ طفولتها تدريباً في الرسم والتشكيل بالدار البيضاء، ثم تابعت تكويناً مهنياً في باريس في مجال المكياج وفنون الجسد، شمل العمل في السينما والمسرح والأزياء ومكياج العرائس والتلفزيون، وهي مجالات صقلت قدرتها على التعامل مع الوجه والجسد الإنساني باعتبارهما سطحين تعبيريين، قبل أن تنقل هذه الخبرة إلى اللوحة.
وليس تكوينها المهني في الرسم السينمائي والمسرحي وفنون الجسد الذي تلقته في باريس خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مجرد تفصيل في سيرتها الذاتية (ArtMajeur, n.d.)؛ فهو يفسر الدقة الحسية التي ترسم بها الجلد والوشم والزخارف، كما يفسر تقنية تتحرك بسلاسة بين الزيت والشمع والباستيل لتكوين الأسطح المضيئة والغنية بالملمس التي تميز بورتريهاتها.
وهناك صدى آخر في سيرتها الذاتية يستحق التوقف عنده. فالمسار المهني الذي جمع بين مكياج السينما والمسرح والعرائس والتلفزيون هو، في جوهره، مسار يقوم على إعداد الوجوه لكي تحمل معنى أمام الجمهور؛ أي فهم الكيفية التي تتواصل بها الزخرفة واللون والإيماءة لتعبر عن الهوية والمزاج والمكانة قبل أن تُنطق كلمة واحدة.
وتنقل البياشي هذه المعرفة المهنية مباشرة إلى القماش. فبورتريهاتها مبنية بالوعي نفسه الذي يحمله خبير المكياج حين يتعامل مع وجه مخصص للكاميرا؛ حيث تُختار كل علامة وكل لمسة لونية لأنها ستظهر بوضوح من مسافة، ولأنها ستنقل ثقلاً عاطفياً فورياً.
ومن ثم فإن انتقالها من الحرفة التطبيقية إلى الرسم ليس قطيعة بقدر ما هو استمرار؛ أي انتقال من وسيط إلى آخر مع الاحتفاظ بانشغال جوهري ظل ملازماً لها طوال حياتها: القوة التعبيرية للوجه المزدان بالزخارف.
السجاد بوصفه استعارة وممارسة
يمثل النسيج، بوصفه ممارسة مادية واستعارة حاكمة في الوقت نفسه، خيطاً ممتداً عبر انخراط البياشي الأوسع في الثقافة البصرية الأمازيغية. فلم يكن النسيج لدى المجتمعات الأمازيغية مجرد مهارة حرفية محايدة؛ بل كان، ولا يزال إلى حد كبير، ممارسة مشبعة بدلالات تتعلق بالخصوبة والازدهار والقوة الإبداعية للمرأة.
ويرتبط الصوف الذي تعمل عليه النساء الأمازيغيات تقليدياً بالرخاء وخصوبة الأرض والبركة الإلهية، ولذلك تحظى النساء اللواتي يمارسن النسج بمكانة اجتماعية رفيعة، إلى درجة أن أحد الأمثال الشعبية يعد المرأة التي تنجز أربعين سجادة خلال حياتها بمكان مضمون في الجنة (Becker, 2024b).
كما يُنظر إلى النول نفسه في بعض المناطق باعتباره موضعاً لولادة رمزية؛ فعندما تُثبت خيوط السدى، يُقال إن النسيج يكتسب روحاً، وقد تجلس النسّاجة فوق عوارض النول في إيماءة تشبه عملية الولادة، قبل أن تُغسل القطعة في النهاية وتُبارك بعد اكتمالها (Becker, 2024b).
وبعبارة أخرى، ظل النسيج في الفكر الأمازيغي يمثل منذ زمن بعيد سجلاً ثانياً للقوة الإبداعية والإنجابية للمرأة، يسير بالتوازي مع الأمومة بدلاً من أن يكون مجرد تعبير عنها.
وفي عملها «Motifs de convivialité amazighe» — «زخارف الألفة الأمازيغية»، تتناول البياشي السجاد البربري، الذي طالما جرى تجاهله وتقليده من دون اعتراف من جانب الصناعة الزخرفية الأوروبية، قبل أن يعيد فنانون مثل بول كلي، ومعماريون مثل لو كوربوزييه، الاعتبار إلى لغته الهندسية (Le Monde Amazigh, 2020).
وتعيد البياشي السجاد إلى أصحابه الأصليين. فالخطوط الهندسية المتكررة للسجاد تتحول في أعمالها إلى استعارة لعملية انتقال الثقافة نفسها: نمط يتراكم ويتكرر وينتقل من يد إلى أخرى عبر أجيال من النساء.
واللافت أن اختيار عنوان «الألفة» نفسه يحمل دلالة مهمة. فهو يوحي بأن اللغة الهندسية للسجاد لم تكن زخرفية فحسب، وإنما كانت أيضاً لغة للعلاقات؛ لغة تؤكد من خلالها الأسر والأنساب والجماعات روابطها واستمراريتها.
وعلى هذا النحو، يصبح النول سلفاً للقماش؛ فكلاهما سطح تُبنى عليه الأنماط غرزة بعد أخرى، أو ضربة فرشاة بعد أخرى، لتتحول في النهاية إلى شيء يتجاوز عمر صانعه.
أما قرار البياشي رسم السجاد بدلاً من مجرد إعادة إنتاجه، فيمد هذا المنطق خطوة أخرى إلى الأمام؛ إذ ينقل حرفةً طالما قللت الأسواق الأوروبية التي قامت بتقليدها من قيمتها إلى مجال الرسم الفني الرفيع، حيث تصبح الملكية والقصد الإبداعي واضحين، ولا يعود من السهل فصل العمل عن صانعه.
الخاتمة: الرسم بوصفه فعلاً من أفعال الذاكرة
يمكن قراءة مشروع سوندوس البياشي، في نهاية المطاف، من خلال ثلاثة مفاهيم متشابكة: المرأة، والذاكرة، والهوية.
فالجمال في لوحاتها ليس غاية في ذاته؛ وإنما هو السطح الذي تصبح من خلاله الكرامة والحرفية والفاعلية التاريخية مرئية. والمرأة الأمازيغية في أعمالها هي، في الوقت نفسه، أم وحرفية وحارسة وقيّمة على الذاكرة، ومن خلالها تكتسب الحضارة الأمازيغية، التي انتقلت إلى حد كبير شفاهاً ومن خلال وسائل غير مكتوبة، وجهاً معاصراً ودائماً.
وما يميز تجربة البياشي في نهاية المطاف عن البورتريه الإثنوغرافي الاحتفالي المحض هو رفضها الفصل بين الجماليات والحجة التاريخية.
فجمال المرأة يقود العين إلى مجوهراتها؛ والمجوهرات تقود إلى الحرفة التي أنتجتها؛ والحرفة تقود إلى الفاعلية التاريخية للنساء اللواتي مارسنها؛ وهذه الفاعلية تقود، في النهاية، إلى السؤال الأكبر المتعلق ببقاء الحضارة واستمرارها.
ومن ثم فإن كل اختيار تشكيلي في أعمالها يتحول في الوقت نفسه إلى حجة حول من حافظ على الثقافة الأمازيغية وكيف حافظ عليها. ومن خلال إعادة النساء إلى مركز هذه القصة الحضارية، تنفذ البياشي فعلاً من أفعال التصحيح التاريخي بقدر ما تنفذ فعلاً فنياً؛ فهي تذكرنا بأن النول والإبرة وإبرة الوشم حفظت من التاريخ بقدر ما حفظه السيف أو المعاهدة، وأن الوقت قد حان لكي يقول الرسم ذلك بوضوح.
وتطل نساؤها من داخل اللوحة لا بوصفهن شاهدات سلبيات على تاريخ صُنع في مكان آخر، وإنما بوصفهن صانعاته وأرشيفه وحارسات ذاكرته.
