بث تجريبي

طه حسين بين معركة التنوير وحدود المشروع: قراءة نقدية موسعة في فكر عميد الأدب العربي

ثقافة - Foresight

حين يُذكر اسم طه حسين، لا يُستحضر مجرد أديب كبير أو ناقد بارز أو وزير سابق للتعليم، بل يُستحضر نموذج كامل لمثقف أراد أن يغيّر مجرى الثقافة العربية الحديثة. فقد كان طه حسين أحد أهم الوجوه التي جسّدت لحظة الانتقال العربي من زمن التقليد إلى زمن السؤال، ومن سلطة الموروث الجامد إلى حق العقل في الفحص والمراجعة، ومن التعليم بوصفه امتيازًا للنخبة إلى التعليم باعتباره حقًا عامًا. ولهذا لم يكن الرجل شخصية عابرة في تاريخ الفكر العربي، بل كان مشروعًا قائمًا بذاته، له رؤيته وأدواته ومعاركه وآثاره الممتدة حتى اليوم.

إن أي قراءة جادة لطه حسين ينبغي أن تتحرر من نزعتين متقابلتين: نزعة التقديس التي ترى فيه رمزًا لا يخطئ، ونزعة الإدانة التي تصوره خصمًا للتراث والدين والهوية. فالرجل، مثل كل المفكرين الكبار، أكثر تعقيدًا من هذه الصور المبسطة. لقد كان ابن بيئته وزمنه، لكنه كان أيضًا سابقًا لعصره في كثير من الأسئلة التي طرحها، ومحل جدل دائم بسبب الجرأة التي صاغ بها أجوبته.

وُلِد طه حسين في مصر في سياق اجتماعي وثقافي تقليدي، وفقد بصره في طفولته، لكن هذه الإعاقة لم تتحول إلى عائق، بل ربما أصبحت أحد مصادر قوته الداخلية. فقد تشكل وعيه مبكرًا على فكرة أن الإنسان يمكن أن يتجاوز ما يُفرض عليه من حدود إذا امتلك الإرادة والمعرفة. ومن هنا جاءت علاقته العميقة بالتعليم، ليس باعتباره مسارًا شخصيًا للترقي فقط، بل باعتباره وسيلة جماعية للتحرر الاجتماعي والثقافي. هذه التجربة الذاتية تفسر كثيرًا من حماسته اللاحقة لفكرة مجانية التعليم، وإصراره الشهير على أن التعليم يجب أن يكون “كالماء والهواء”.

لكن الجانب الأكثر إثارة وتأثيرًا في مشروع طه حسين لم يكن إداريًا أو سياسيًا، بل كان معرفيًا ومنهجيًا. لقد أدرك مبكرًا أن أزمة الثقافة العربية الحديثة ليست فقط في ضعف الإمكانات أو الاستعمار الخارجي، بل في طريقة التفكير نفسها. ولهذا سعى إلى إدخال الروح النقدية إلى المجال الثقافي العربي، أي نقل العقل من موقع التلقي إلى موقع المساءلة. لم يعد النص القديم عنده حقيقة نهائية، ولا الرواية التراثية معصومة من الفحص، ولا الشهرة دليلًا على الصحة. ومن هنا جاءت معركته الكبرى مع الموروث في كتاب في الشعر الجاهلي، الذي مثّل لحظة صادمة في تاريخ الثقافة العربية الحديثة.

في ذلك الكتاب لم يكن طه حسين يناقش فقط قضية أدبية تتعلق بنسبة بعض القصائد إلى العصر الجاهلي، بل كان يعلن ميلاد منهج جديد في التعامل مع التراث. لقد حاول أن يطبق مناهج الشك التاريخي الحديثة على المرويات العربية، مستلهمًا الفلسفة الديكارتية التي تبدأ بالشك للوصول إلى اليقين. وهنا تكمن أهمية الكتاب وخطورته في آن واحد. أهميته أنه حرّك المياه الراكدة، وأجبر الوسط الثقافي على قبول فكرة أن التراث قابل للنقد والمراجعة. وخطورته أنه استخدم لغة واستنتاجات بدت لكثيرين متعجلة وصدامية، ففتح بابًا واسعًا للخصومة بدل الحوار.

لقد كان طه حسين يعتقد أن الأمة التي تخاف من مراجعة تاريخها محكومة بالبقاء أسيرة أوهامها. غير أن مشكلته لم تكن في طرح السؤال، بل أحيانًا في طريقة طرحه. فالمجتمعات لا تتلقى النقد المعرفي مجردًا، بل تتلقاه عبر حساسياتها الدينية والرمزية والهوياتية. ولذلك بدا للرأي العام المحافظ وكأن الرجل يهدم المقدسات، بينما كان هو يرى نفسه ينقذ العقل من الخضوع الأعمى. ومن هنا جاءت المفارقة الكبرى في سيرته: لقد أراد تحرير التراث من التقديس، لكنه وقع أحيانًا في تبسيط العلاقة بين المجتمع وتراثه.

ومع ذلك، فإن اتهام طه حسين بأنه كان ضد التراث اتهام غير دقيق. فالرجل كتب بإعجاب عميق عن أبو العلاء المعري، واحتفى بـ المتنبي، وقرأ ابن خلدون قراءة حديثة، واهتم بالسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي والأدب العباسي. لم يكن هدفه محو التراث، بل إعادة امتلاكه بعقل جديد. كان يرى أن أخطر ما يصيب التراث هو أن يتحول إلى صنم لا يُمس، لأن الصنم يفقد القدرة على الحياة. التراث الحي عنده هو ما يدخل في حوار دائم مع الحاضر.

وفي المقابل، كان انفتاحه الكبير على أوروبا أحد أكثر الجوانب إثارة للنقاش في مشروعه. فقد درس في فرنسا وتأثر بالمناهج الحديثة، ورأى في التجربة الأوروبية نموذجًا ناجحًا في بناء الدولة والمؤسسات والعلم. وفي كتاب مستقبل الثقافة في مصر، دعا إلى ربط نهضة مصر بالعالم المتوسطي الحديث، معتبرًا أن التقدم لا يتحقق إلا بالالتحاق بركب الحضارة المعاصرة. كانت هذه الرؤية متقدمة من حيث رفضها للانعزال والانغلاق، لكنها أثارت أيضًا سؤالًا مشروعًا: هل يمكن تحقيق الحداثة فقط عبر استنساخ النموذج الأوروبي؟

هنا تظهر إحدى حدود مشروع طه حسين. فقد كان شديد الإيمان بالعقلانية الحديثة، لكنه لم يمنح دائمًا ما يكفي من الاعتبار لخصوصيات المجتمعات المحلية، وتعقيدات التفاعل بين الهوية والتحديث. فالتقدم لا يتحقق بنقل المؤسسات وحدها، بل يحتاج إلى توافق ثقافي واجتماعي طويل المدى. كما أن الحداثة ليست نسخة واحدة، بل تجارب متعددة. ولهذا يمكن القول إن طه حسين كان محقًا في الدعوة إلى الانفتاح، لكنه بالغ أحيانًا في مركزية النموذج الأوروبي.

أما في ميدان التعليم، فقد كان طه حسين من أكثر المفكرين العرب بصيرة في إدراك العلاقة بين المعرفة والعدالة الاجتماعية. لم ينظر إلى التعليم باعتباره ترفًا ثقافيًا، بل بوصفه شرطًا للتحرر الوطني وبناء المواطن الحديث. وعندما تولى مسؤولياته الرسمية، سعى إلى توسيع نطاق التعليم المجاني وإتاحته للطبقات الفقيرة. لقد فهم مبكرًا أن المجتمع الذي يحتكر المعرفة لنفسه يعيد إنتاج الفقر والتبعية. ولهذا ظل إرثه في هذا المجال حاضرًا حتى اليوم في كل نقاش عربي حول الحق في التعليم.

غير أن مشروعه، رغم عظمته، لم يخلُ من نزعة نخبوية. فقد كان يتحدث أحيانًا من موقع المثقف الذي يعرف مصلحة المجتمع أكثر من المجتمع نفسه. وهذه سمة شائعة في كثير من مشاريع التنوير في القرن العشرين، حيث تصورت النخب أن التحديث يمكن أن يُدار من أعلى إلى أسفل، عبر التوجيه والتأديب الثقافي. لكن التجربة التاريخية أثبتت أن المجتمعات لا تتغير بقرارات النخب وحدها، بل عبر شراكة أوسع تتدرج فيها التحولات وتتجذر.

ومع ذلك، فإن الحكم على طه حسين يجب أن يكون في سياقه التاريخي. فقد عاش في زمن كانت فيه الأمة العربية تبحث عن طريقها بين الاستعمار والتخلف والجمود. وفي مثل تلك اللحظات، يصبح المثقف مضطرًا أحيانًا إلى المبالغة كي يكسر السكون، وإلى الصدمة كي يفتح باب النقاش. وربما لهذا بقي أثره أكبر من أخطائه. فالأفكار التي أثارها عن العقل، والحرية، والتعليم، والمنهج، لا تزال مطروحة حتى اليوم بأشكال مختلفة.

إن أهمية طه حسين الحقيقية لا تكمن فقط في كتبه، بل في نوعية الأسئلة التي جعل الثقافة العربية تواجهها: كيف نقرأ التراث دون أن نعبده أو نلغيه؟ كيف ننفتح على العالم دون أن نفقد ذواتنا؟ كيف نصالح الدين مع العقل، والهوية مع الحداثة، والتعليم مع العدالة الاجتماعية؟ وكيف نمارس النقد من دون أن نتحول إلى قطيعة شاملة مع المجتمع؟

لهذا كله، يبقى طه حسين شخصية تأسيسية في الفكر العربي الحديث. قد نختلف مع بعض نتائجه، ونراجع كثيرًا من أحكامه، ونتجاوز بعض تصورات عصره، لكن من الصعب تجاوز قيمته التاريخية. لقد علّم الثقافة العربية أن السؤال ليس جريمة، وأن الشك ليس كفرًا، وأن العقل ليس خصمًا للإيمان، وأن النهضة تبدأ حين يجرؤ المجتمع على التفكير في نفسه. وهذه، في نهاية المطاف، هي القيمة الأعمق لأي مشروع فكري كبير.