بث تجريبي

الثقافة الرقمية: من النخبة إلى الخوارزميات كيف أعادت المنصات الرقمية تشكيل الإنتاج الثقافي، والقراءة، والنجومية؟

ثقافة - Foresight

شهد المجال الثقافي خلال العقد الأخير تحوّلًا بنيويًا عميقًا، لم يقتصر على أدوات النشر أو قنوات التوزيع، بل طال منطق إنتاج الثقافة ذاته، وآليات الاعتراف، وطرائق تشكّل الذائقة العامة. فمع صعود المنصات الرقمية الكبرى، لم تعد المؤسسات الثقافية التقليدية — دور النشر، الصحف، المجلات، المهرجانات — الفاعل الوحيد أو المركزي في تحديد ما يُنتَج ويُقرأ ويُشاهَد.
تقدّمت الخوارزميات لتؤدي دور الوسيط الحاسم، بوصفها أنظمة غير مرئية تنظّم تدفّق المحتوى، وتعيد ترتيب الأولويات الثقافية وفق منطق التفاعل والانتباه، لا وفق معايير القيمة أو الأهمية بالمعنى الكلاسيكي.

أولًا: تحوّل الوساطة الثقافية

من القرار التحريري إلى منطق التوصية

تاريخيًا، كانت الوساطة الثقافية تقوم على منظومة واضحة من الفاعلين: محررون، نقّاد، لجان تحكيم، ومؤسسات تمتلك سلطة رمزية. هذه المنظومة كانت تُنتج بطبيعتها ثقافة انتقائية وبطيئة، لكنها وفّرت قدرًا من التراكم والاستمرارية.

في المقابل، تعتمد المنصات الرقمية اليوم على أنظمة توصية خوارزمية تقوم بترتيب المحتوى استنادًا إلى مؤشرات كمية، من أبرزها:

  • مدة التفاعل مع المحتوى
  • عدد المشاركات والتعليقات
  • سرعة الانتشار
  • السلوك السابق للمستخدمين

وتشير بيانات شركات التقنية إلى أن الغالبية العظمى من المحتوى الذي يصل إلى المستخدمين يُعرض عبر هذه التوصيات الآلية، لا عبر البحث المباشر أو الاختيار الواعي.
وبذلك، انتقلت سلطة “الاختيار الثقافي” من الفاعل البشري إلى نظام حسابي يعمل وفق أهداف تجارية في الأساس.

ثانيًا: إعادة تشكيل الإنتاج الثقافي

1. تحوّل في الصيغة والزمن

أدّت سياسات المنصات إلى تفضيل محتوى:

  • قصير
  • سريع الإيقاع
  • قابل للاستهلاك الفوري

وتُظهر تحليلات سلوك المستخدمين أن المحتوى الذي لا يحقق تفاعلًا في الثواني الأولى يتراجع حضوره تلقائيًا. هذا الواقع انعكس على:

  • أساليب السرد
  • طول النصوص
  • حتى طبيعة الموضوعات المختارة

2. تكيّف المنتجين مع الخوارزمية

بات عدد متزايد من الكتّاب والفنانين وصناع المحتوى:

  • يعيدون صياغة أعمالهم لتناسب آليات الاكتشاف
  • يفضّلون الموضوعات “الآمنة خوارزميًا”
  • يكرّرون الصيغ الناجحة بدل التجريب طويل الأمد

هذا التكيّف أنتج وفرة إنتاجية، لكنه في الوقت نفسه أثار أسئلة حول التنوّع، والابتكار، والاستقلالية الثقافية.

ثالثًا: أنماط القراءة في البيئة الرقمية

لم تعد القراءة الرقمية امتدادًا مباشرًا للقراءة الورقية، بل ممارسة مختلفة من حيث:

  • زمن التركيز
  • طبيعة التلقي
  • العلاقة مع النص

تشير دراسات دولية إلى أن:

  • متوسط زمن التركيز على المحتوى الرقمي انخفض إلى أقل من عشر ثوانٍ
  • الهاتف الذكي أصبح المنصة الأولى لاستهلاك المعرفة والمحتوى الثقافي

في المقابل، أسهمت المنصات في:

  • توسيع دائرة الوصول
  • ظهور أشكال جديدة من التثقيف (مراجعات مصوّرة، بودكاست معرفي، شروحات قصيرة)

ما يطرح سؤالًا مركزيًا:
هل نشهد تراجعًا في عمق القراءة، أم تحوّلًا في وسائطها فقط؟

رابعًا: النجومية الثقافية في عصر المنصات

 

 

لقد أعادت المنصات تعريف مفهوم النجومية الثقافية، فبعد أن كانت النجومية نتاج مسار طويل من الاعتراف المؤسسي، بات من الممكن اليوم أن:

  • يصعد اسم ثقافي جديد خلال أيام
  • يتحول محتوى واحد إلى نقطة تحوّل في مسيرة صاحبه

وتبيّن بيانات صناعة الموسيقى والنشر أن نسبة معتبرة من الأعمال الناجحة تجاريًا في السنوات الأخيرة اكتسبت شهرتها الأولى عبر المنصات الرقمية.

غير أن هذا النمط من النجومية يتسم بـ:

  • سرعة الصعود
  • هشاشة الاستمرار
  • ارتباط وثيق بتغيرات الخوارزميات

وهو ما يضع الفاعلين الثقافيين أمام معادلة غير مستقرة بين الانتشار والجودة.

خامسًا: الاقتصاد الثقافي الرقمي

رغم الخطاب الشائع حول “ديمقراطية المنصات”، تُظهر البيانات أن:

  • نسبة صغيرة من المنتجين تستحوذ على الحصة الأكبر من العائدات
  • الغالبية تعمل في بيئة دخل غير مستقر

اقتصاديًا، أدت المنصات إلى:

  • خفض كلفة الدخول إلى المجال الثقافي
  • لكنها في المقابل عززت تركّز العوائد لدى قلة

ما يثير تساؤلات حول العدالة الثقافية وسبل حماية الإنتاج غير التجاري أو غير القابل للانتشار السريع.

سادسًا: ملامح من السياق العربي

في المنطقة العربية، يتقاطع التحول الرقمي مع:

  • قاعدة شبابية واسعة
  • استخدام مكثف للمنصات
  • ضعف البنى المؤسسية الثقافية التقليدية في بعض السياقات

وقد أنتج ذلك:

  • بروز فاعلين ثقافيين جدد خارج المؤسسات
  • انتشار محتوى ثقافي مبسّط حول التاريخ واللغة والهوية

لكن التحديات لا تزال قائمة، أبرزها:

  • غياب سياسات ثقافية رقمية واضحة
  • هشاشة التمويل
  • خطر اختزال الثقافة في صيغ ترفيهية خفيفة

أخيرا

لم تُلغِ المنصات الرقمية دور المؤسسات الثقافية، لكنها غيّرت شروط فاعليتها.
كما لم تُنتج الخوارزميات ثقافة “أفضل” أو “أسوأ” بالضرورة، بل أعادت ترتيب الأولويات وفق منطق الانتباه والقياس الكمي.

التحدي المطروح أمام صانعي السياسات والباحثين والمؤسسات الثقافية يتمثل في:

  • فهم منطق الخوارزميات
  • تطوير أدوات تدخل ذكية
  • حماية التنوع الثقافي دون العودة إلى منطق الوصاية

في هذا السياق، لم يعد السؤال: هل نقاوم المنصات؟ بل: كيف نعيد بناء دور الثقافة العامة داخل بيئة تحكمها الخوارزميات؟