بث تجريبي

بنية السودان وأزمة الهوية: كيف أعاد الإرث الاستعماري إنتاج الدولة الهشة؟

تحليلات - Foresight

لا يمكن فهم الأزمة السودانية الراهنة باعتبارها مجرد صراع على السلطة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، أو باعتبارها امتدادًا للخلافات السياسية التي أعقبت سقوط نظام الرئيس عمر البشير، بل ينبغي النظر إليها بوصفها نتيجة مباشرة لمسار تاريخي طويل تشكلت خلاله الدولة السودانية وفق أسس استعمارية أكثر منها وطنية. فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 كشفت، في جوهرها، عن أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وبكيفية تشكل هويتها السياسية، وآليات توزيع السلطة والثروة بين أقاليمها ومكوناتها الاجتماعية.

وتكشف القراءة التاريخية لمسار تشكل الدولة السودانية أن السودان لم ينشأ بوصفه دولة قومية تطورت بصورة طبيعية من داخل مجتمع متجانس، وإنما تشكل في ظل مشروع استعماري سعى إلى بناء وحدة إدارية تخدم مقتضيات السيطرة البريطانية–المصرية، أكثر من سعيه إلى بناء أمة متماسكة. فقد كان اسم "السودان" في الأصل توصيفًا جغرافيًا وحضاريًا واسعًا يشير إلى فضاء يمتد جنوب الصحراء الكبرى، قبل أن يتحول في نهاية القرن التاسع عشر إلى اسم لكيان سياسي ذي حدود محددة رسمها الحكم الثنائي الإنجليزي–المصري بعد إعادة احتلال البلاد عام 1898. وبذلك، فإن الحدود التي قامت عليها الدولة السودانية لم تكن نتاجًا لتطور اجتماعي أو سياسي داخلي، بل جاءت انعكاسًا لاعتبارات استعمارية هدفت إلى تسهيل الإدارة والسيطرة على المجال الجغرافي الممتد بين وادي النيل ووسط إفريقيا.

وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة لأن الدولة الاستعمارية ركزت على توحيد الإقليم إداريًا، بينما تركت المجتمع السوداني منقسمًا ثقافيًا وإثنيًا واقتصاديًا. فقد ورث السودان عند الاستقلال دولة ذات حدود واضحة، لكنه لم يرث مشروعًا وطنيًا قادرًا على دمج مكوناته المختلفة داخل هوية سياسية جامعة. ومن هنا، يمكن تفسير استمرار التوتر بين المركز والأقاليم بوصفه امتدادًا لفشل تاريخي في بناء مفهوم المواطنة، أكثر من كونه خلافًا سياسيًا عابرًا.

ولم يقتصر أثر الاستعمار على رسم الحدود، بل امتد إلى تشكيل بنية السلطة نفسها. فقد اعتمدت الإدارة البريطانية على نموذج للحكم غير المباشر، يقوم على تمكين نخب محلية محددة، خاصة في شمال السودان، وإسناد الوظائف الإدارية والاقتصادية إليها، في مقابل تهميش أقاليم أخرى، ولا سيما الجنوب ودارفور والمناطق الطرفية. وقد أوجد هذا النموذج طبقة سياسية واقتصادية ارتبطت مصالحها باستمرار المركزية الإدارية، وهو ما انعكس بصورة واضحة على طبيعة الدولة بعد الاستقلال، حيث انتقلت السلطة إلى النخب نفسها تقريبًا دون تغيير جذري في آليات الحكم أو توزيع الموارد.

وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من تحليل المفكر فرانز فانون، الذي يرى أن البرجوازية الوطنية في الدول المستعمرة كثيرًا ما تعيد إنتاج مؤسسات الاستعمار بدلًا من تفكيكها، لأنها تفتقر إلى قاعدة اقتصادية مستقلة، فتسعى إلى الحفاظ على الامتيازات التي ورثتها عن المستعمر. ويبدو هذا النموذج واضحًا في التجربة السودانية؛ إذ لم يؤدِّ الاستقلال إلى إعادة هيكلة الدولة، بل إلى انتقال السيطرة على مؤسساتها من الإدارة الاستعمارية إلى نخبة وطنية احتفظت بالبنية المركزية نفسها، واستمرت في إدارة الأطراف بعقلية السيطرة أكثر من المشاركة السياسية.

ومن ثم، لم يكن مستغربًا أن تدخل الدولة السودانية في سلسلة متصلة من الأزمات والانقلابات العسكرية منذ السنوات الأولى للاستقلال. فقد عكست الانقلابات المتكررة، بدءًا من انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958، ثم جعفر نميري عام 1969، وصولًا إلى عمر البشير عام 1989، عجز النظام السياسي عن إنتاج آليات مدنية مستقرة لتداول السلطة، الأمر الذي جعل المؤسسة العسكرية تتحول تدريجيًا إلى الفاعل السياسي الأكثر تأثيرًا في البلاد. وبمرور الوقت، لم يعد الجيش مجرد مؤسسة للدفاع الوطني، بل أصبح أحد أعمدة النظام السياسي، وهو ما أضعف عملية بناء المؤسسات المدنية ورسخ نمط الدولة الأمنية.

كما أسهمت السياسات التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة في تعميق الفجوة بين المركز والأقاليم، نتيجة استمرار التفاوت في توزيع السلطة والثروة. وقد أدى هذا التهميش إلى بروز حركات مسلحة في جنوب السودان أولًا، ثم في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، بما يعكس أن الصراع السوداني لم يكن في جوهره صراعًا إثنيًا بقدر ما كان صراعًا على طبيعة الدولة وتوزيع مواردها. وفي هذا الإطار، برزت ميليشيات محلية استخدمتها السلطة المركزية لتحقيق أهدافها الأمنية، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى مراكز قوة مستقلة، كما حدث مع ميليشيات الجنجويد التي أُعيد تنظيمها لاحقًا تحت مسمى قوات الدعم السريع، لتصبح أحد أبرز الفاعلين العسكريين في السودان.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الحرب الحالية باعتبارها نتيجة منطقية لتطور بنية الدولة السودانية، وليس مجرد أزمة طارئة. فالصراع بين الجيش والدعم السريع لا يعكس فقط تنافسًا على السلطة، بل يمثل مواجهة بين مركزين للقوة العسكرية نشآ داخل الدولة نفسها، نتيجة عقود من الاعتماد على الترتيبات الأمنية الموازية، وإضعاف المؤسسات المدنية، وغياب مشروع وطني يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.

وتتجاوز تداعيات هذه الأزمة الحدود السودانية، في ظل الطبيعة الجيوسياسية للقرن الإفريقي، الذي يشكل ما يصفه عدد من الباحثين بـ"نظام الصراعات الإقليمية"، حيث تتداخل النزاعات الداخلية مع مصالح القوى الإقليمية والدولية. ولذلك، فإن استمرار الحرب في السودان لا يهدد وحدة الدولة السودانية فحسب، بل يحمل تداعيات مباشرة على أمن دول الجوار، ويزيد من حدة أزمات النزوح واللاجئين، ويعزز فرص التدخلات الخارجية، بما يجعل الصراع جزءًا من معادلة أمنية إقليمية تتجاوز حدود السودان نفسه.

Top of Form

Bottom of Form