في قمة الناتو.. ترامب يضغط على الحلفاء بشأن غرينلاند وإسبانيا، لكنه يتودد إلى تركيا
في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي عُقدت الأسبوع الماضي في أنقرة، حظي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستقبال حار من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وترامب، الذي اعتاد حضور قمم الناتو بروح متجهمة ومتعالية، قال – بحسب ما نُقل عنه – إنه ما كان ليحضر قمة هذا العام لولا علاقته الوثيقة بأردوغان. ولا يعكس تقارب ترامب مع أردوغان مجرد إعجاب شخصي، بل يكشف عن تغير في هرمية النفوذ داخل الحلف؛ إذ قد تتمتع تركيا، العضو الذي يثير أكبر قدر من الريبة بين معظم الحلفاء، بوصول مميز إلى واشنطن، لأن أردوغان يجيد مخاطبة ترامب باللغة التي يفضلها: لغة الزعامة الصلبة، والإطراء، والعلاقات القائمة على تبادل المصالح.
لطالما كان حلف الناتو مؤسسة تستند إلى قوة الروابط والقيم العابرة للأطلسي، غير أن هذه القيم تعرضت للتآكل في عهد ترامب. وقد حاول الأمين العام للحلف، مارك روته، إنقاذ العلاقة بين الولايات المتحدة والناتو من خلال مخاطبة نزعة ترامب إلى التباهي. ففي مؤتمر صحفي متوتر يوم الأربعاء، وبينما كان ترامب يشتكي من أن الولايات المتحدة هي التي تحملت تكلفة الحلف بأكمله، قاطعه روته قائلاً: «لقد تمكنت من دفع أوروبا إلى تحمل نصيب أكبر من المسؤولية... اعتبر ذلك انتصارًا لك». لكن هذه المحاولة لم تؤثر في موقف ترامب.
وأردوغان بدوره يعرف كيف يُجيد هذه اللعبة؛ فقد استقبل ترامب عند أسفل سلم طائرته الرئاسية الجديدة، وقاده على بساط أزرق فاتح، بينما اصطف جنود يؤدون التحية العسكرية بانضباط صارم. وبعد ساعات من وصوله، عاد ترامب ليكرر مسعاه القديم ببيع تركيا مقاتلات «إف-35»، والعمل على رفع العقوبات التي فُرضت على أنقرة عقب شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400» عام 2017.
وبالنسبة لمعظم أعضاء الناتو، فإن قضية «إس-400» تمثل مسألة تمس الأمن الوجودي للحلف، إذ أثارت تساؤلات حول حجم النفوذ الروسي، وإلى أي مدى يمكن لدول الحلف تعريض أنظمة التسليح الغربية للخطر دون أن تتحمل تبعات ذلك. وعلى مدار العقد الماضي تقريبًا، احتلت تركيا موقعًا متوترًا واستثنائيًا داخل الناتو؛ فهي تمتلك أحد أكبر الجيوش في الحلف، وتتحكم في منفذ البحر الأسود، لكنها في الوقت ذاته شكلت عنصرًا معطلًا، مستفيدة من قاعدة الإجماع داخل الحلف لتعزيز قدرتها التفاوضية.
وبعد أن دفعت الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022 فنلندا والسويد إلى طلب الانضمام إلى الناتو، عمد أردوغان إلى إبطاء عملية الانضمام عبر طرح مطالب تتعلق بالجماعات الكردية، ومكافحة الإرهاب، وقيود تصدير الأسلحة. وبعد تأخير انضمام السويد لما يقرب من عشرين شهرًا، اضطر الحلف إلى التوسط لإبرام مذكرة ثلاثية تعالج المخاوف الأمنية التركية، بالتوازي مع عرض أمريكي لبيع أنقرة مقاتلات «إف-16» أكثر تطورًا. كما حافظت تركيا على علاقة تفاوضية مع موسكو حتى بعد أن دفعت الحرب معظم أعضاء الناتو إلى قطع ما تبقى من علاقاتهم مع روسيا.
وعلى النقيض من دفء علاقته بأردوغان، وجّه ترامب تهديدات وانتقادات لحليفين أمريكيين قديمين هما الدنمارك وإسبانيا. ففي يوم الأربعاء، جدد مطالبته بأن «تكون غرينلاند تحت سيطرة الولايات المتحدة، لا الدنمارك». وبعد ذلك وصف إسبانيا بأنها «شريك سيئ للغاية»، مؤكداً أنه لا «يرغب في إجراء أي تجارة معها»، وأن إدارته تدرس فرض حظر على بعض الواردات الإسبانية. كما وصف الإسبان بأنهم «عديمو الأمل» و«أشخاص سيئون» بسبب رفض مدريد الالتزام بهدف الناتو الجديد القاضي برفع الإنفاق الدفاعي إلى خمسة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
لقد أمضى الناتو سنوات في محاولة احتواء المشكلة التركية، لكن نظرة ترامب إلى أردوغان بوصفه زعيمًا يتقاسم معه الفهم ذاته لممارسة السلطة ينبغي أن تثير قلق بقية أعضاء الحلف. فترامب لا يحب أردوغان رغم ميله إلى العلاقات النفعية والمصلحة الذاتية الصريحة، بل لأنه يتبنى هذا النهج نفسه. ويعكس ذلك رؤية ترامب للناتو؛ فالحلف، في نظره، لا يقوم على الثقة والقيم المشتركة، وإنما على الولاء الشخصي وأوراق الضغط.
ومع ذلك، فعلى الرغم من كل مظاهر المجاملة، سيجد ترامب صعوبة في الوفاء بوعده، لأنه يعتمد على استعداد أردوغان لتقديم تنازلات في ملف «إس-400». ورغم استمرار الجدل بشأن تركيز السلطة في الولايات المتحدة، فقد أصر الكونغرس طوال أكثر من خمس سنوات على أن تجد أنقرة طريقة للتخلي عن منظومة الصواريخ حتى يصبح تصدير مقاتلات «إف-35» إليها ممكنًا. غير أن أي خطوة من هذا القبيل ستضر بعلاقة تركيا المهمة مع روسيا، وهي علاقة ترى أنقرة أن لها مصلحة استراتيجية في الحفاظ عليها. وقد لمح أردوغان إلى أنه ربما بات مستعدًا أخيرًا لتقديم تسوية، إلا أن الطريق لا يزال غامضًا، كما أن أي عرض تركي لن يكون كافيًا لإرضاء أكثر المتحمسين للاتفاق فحسب، بل سيتعين أن يحظى بقبول أطراف أخرى أيضًا.
وعند النظر إلى الصورة الأوسع، يبدو من اللافت أن ما يُرجح أنها كانت آخر قمة للناتو يحضرها ترامب بصفته رئيسًا قد عُقدت خارج أوروبا، وبحضور زعيم كثيرًا ما يتهم الاتحاد الأوروبي بمعاملته بصورة غير عادلة. وهذه نقطة يشترك فيها كل من ترامب وأردوغان، وبينما يبحث الناتو عن مستقبله، تبدو الاستعراضات السياسية بين أهم حليفين غير أوروبيين داخل الحلف بمثابة استعارة رمزية لما حملته القمة من دلالات.
وفي النهاية، اعتُبرت القمة ناجحة؛ فقد جدد ترامب التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن أوروبا، وتجنب اتخاذ قرارات متهورة أو اندفاعية. غير أن هذا النجاح جاء مصحوبًا بسلسلة من التهديدات، تراوحت بين الحديث عن الاستيلاء على غرينلاند وفرض حظر على السلع الإسبانية، وهو ما أعاد التأكيد مرة أخرى على حالة عدم اليقين التي تحيط بالتزام واشنطن بالدفاع عن أوروبا. ومن هذه الزاوية، يبدو تقارب ترامب مع تركيا غير الأوروبية أمرًا منسجمًا مع رؤيته؛ فهو يفكر في مستقبل يتجاوز أوروبا، وهي رؤية يتقاسمها مع أردوغان. وبينما يغادر قادة العالم أنقرة، يصعب تجاهل أن التفاهم المتنامي بين قائدي أكبر جيشين في الناتو، وكلاهما خارج أوروبا، بات يرمز إلى حجم الضبابية التي تكتنف مستقبل الدفاع الأوروبي.
