بث تجريبي

كيف تكشف تشريعات الائتلاف الحاكم الأزمة البنيوية للنظام السياسي الإسرائيلي؟

تحليلات - د. طه علي أحمد
د. طه علي أحمد
باحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا وسياسات الهوية

يكثف الائتلاف الحاكم في إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو أخيرا من جهوده لتمرير حزمة من التشريعات المثيرة للجدل شملت تقليص صلاحيات المستشارة القضائية للحكومة عبر إلغاء إلزامية آرائها القانونية بالنسبة للسلطة التنفيذية، ومنح الحكومة صلاحيات أوسع في تنظيم قطاع الإعلام، وتوسيع نطاق الفصل بين الجنسين في مؤسسات التعليم العالي، إلى جانب الدفع بتشريعات تلبي المطالب الاستراتيجية للأحزاب الحريدية، وفي مقدمتها تعزيز مكانة دراسة التوراة، وتوسيع الإعفاءات من الخدمة العسكرية، وإلغاء عدد من الإصلاحات التي أقرتها الحكومات السابقة. وجاءت هذه الخطوات عقب تفاهم سياسي أعاد الأحزاب الدينية إلى دعم الائتلاف، ومنح حكومة نتنياهو فرصة أخيرة لتمرير أجندتها التشريعية قبل الدخول في الاستحقاق الانتخابي.

القراءة السياسية لهذه التطورات، رغم أنها تبدو كسلسلة من القوانين المتفرقة التي تتناول ملفات القضاء والإعلام والتعليم، تكشف أنها تمثل حلقات مترابطة في مشروع أشمل لإعادة رأب التصدعات في بنية النظام السياسي الإسرائيلي. فالمسألة لم تعد تقتصر على تعديل صلاحيات مؤسسة قضائية أو إعادة تنظيم قطاع الإعلام، وإنما أصبحت تتعلق بإعادة تعريف طبيعة النظام، وإعادة توزيع مراكز القوة داخل الدولة، بما يعكس التحولات الاجتماعية والديموغرافية والسياسية التي أعادت تشكيل المجتمع الإسرائيلي خلال العقدين الأخيرين.

فإسرائيل لا تواجه أزمة حكومية عابرة، ولا خلافًا اعتياديًا بين ائتلاف ومعارضة، بل تمر بأزمة بنيوية تطال الأسس التي قام عليها النظام السياسي منذ تأسيس الدولة عام 1948. فقد تآكل التوافق التاريخي الذي حكم العلاقة بين السلطات، وتراجعت قدرة النخب التقليدية على إدارة التوازنات الداخلية، بينما أخذت الانقسامات الدينية والإثنية والأيديولوجية تتحول من خلافات سياسية قابلة للاحتواء إلى انقسامات هيكلية تمس هوية الدولة ووظيفتها ومستقبلها.

ولفهم ما يجري داخل الكنيست اليوم، لا بد من العودة إلى التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الإسرائيلي خلال العقدين الماضيين؛ فالتحولات السياسية الحالية ليست نتاج قرارات حكومة نتنياهو وحدها، وإنما تعكس تغيرًا تدريجيًا في البنية السكانية والاجتماعية لإسرائيل، وهو تغير بدأ ينعكس بصورة مباشرة على الخريطة الحزبية وموازين القوى داخل مؤسسات الدولة.

فمنذ مطلع الألفية الثالثة، شهدت إسرائيل تراجعًا نسبيًا في الوزن السياسي للنخب الأشكنازية العلمانية التي هيمنت على مؤسسات الدولة منذ قيامها، مقابل صعود متواصل للتيارات الدينية والقومية، مدفوعًا بعاملين رئيسيين؛ الأول يتمثل في معدلات النمو السكاني المرتفعة داخل المجتمع الحريدي، والثاني في التحول المستمر نحو اليمين داخل قطاعات واسعة من المجتمع اليهودي نتيجة الاعتبارات الأمنية وتراجع فرص التسوية السياسية مع الفلسطينيين.

وتشير أحدث البيانات السكانية إلى أن عدد الحريديم ارتفع إلى ما يقارب 1.45 مليون نسمة، أي ما يزيد على 14% من سكان إسرائيل، بعد أن كانت نسبتهم تقل عن 10% قبل خمسة عشر عامًا فقط. وتذهب التوقعات الرسمية إلى أن نسبتهم ستواصل الارتفاع لتصل إلى نحو 16% بحلول عام 2030، بينما قد يقتربون من ربع سكان إسرائيل بحلول منتصف القرن إذا استمرت معدلات الخصوبة الحالية، التي تعد الأعلى بين جميع مكونات المجتمع الإسرائيلي.

ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في بعدها السكاني فقط، وإنما في آثارها السياسية بعيدة المدى. فالمجتمع الحريدي هو المجتمع الأكثر شبابًا في إسرائيل؛ إذ تقل أعمار ما يقرب من 60% من أفراده عن عشرين عامًا، وهو ما يعني أن الوزن الانتخابي للأحزاب الدينية سيواصل الارتفاع بصورة شبه تلقائية خلال السنوات المقبلة، حتى دون حدوث تغيرات كبيرة في توجهات التصويت.

وتفسر هذه التحولات سبب انتقال الأحزاب الحريدية من موقع "الشريك الصغير" في الحكومات الإسرائيلية إلى موقع "صانع الحكومات". فلم تعد هذه الأحزاب مجرد مكون هامشي داخل الائتلافات، بل أصبحت تمثل "بيضة القبان" في تشكيل أي حكومة يمينية، وهو ما منحها قدرة تفاوضية غير مسبوقة لفرض أجندتها المتعلقة بالتعليم الديني، والإعفاء من الخدمة العسكرية، وزيادة مخصصات المدارس الدينية، والتأثير في التشريعات ذات الطابع الدستوري.

وبالموازاة مع ذلك، شهد التيار الديني القومي توسعًا سياسيًا واجتماعيًا ملحوظًا، مدفوعًا بزيادة أعداد المستوطنين في الضفة الغربية، الذين تجاوز عددهم اليوم سبعمائة ألف مستوطن، وباتوا يشكلون أحد أهم خزّانات التصويت لليمين الإسرائيلي. وقد أدى ذلك إلى انتقال مركز الثقل داخل اليمين نفسه من اليمين القومي التقليدي إلى يمين أكثر ارتباطًا بالمشروع الديني والاستيطاني، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على طبيعة الائتلافات الحكومية وأولوياتها التشريعية.

وفي المقابل، أخذت النخب العلمانية الليبرالية، التي سيطرت لعقود على القضاء والجامعات والإعلام والبيروقراطية المدنية، تفقد تدريجيًا احتكارها للمجال العام. ولم يعد الصراع في إسرائيل بين اليمين واليسار بالمعنى التقليدي، بل أصبح صراعًا بين طبقتين اجتماعيتين تحمل كل منهما تصورًا مختلفًا للدولة، ولمصدر الشرعية السياسية، ولموقع الدين في الحياة العامة.

لقد قامت إسرائيل منذ تأسيسها على ما يمكن تسميته بـ"العقد الاجتماعي الصهيوني"، الذي قام على معادلة دقيقة جمعت بين الخدمة العسكرية الإلزامية، والمشاركة في سوق العمل، والالتزام بالقانون، مقابل الحصول على الحقوق السياسية والاجتماعية. وقد مثّل التجنيد الإجباري أحد أهم أعمدة هذا العقد، ليس باعتباره ضرورة أمنية فحسب، بل بوصفه أداة لإنتاج هوية وطنية مشتركة داخل مجتمع شديد التنوع. إلا أن هذا العقد بدأ يتعرض لتآكل تدريجي مع التوسع المستمر في إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية. ففي عام 1948 اقتصر الإعفاء على نحو 400 طالب من طلاب المدارس الدينية، باعتباره إجراءً استثنائيًا لحماية المؤسسات الدينية التي دمرتها الحرب العالمية الثانية. غير أن هذا الاستثناء تحول، بمرور الزمن، إلى سياسة عامة تشمل عشرات الآلاف من الشبان الحريديم.

ومع اندلاع الحرب الأخيرة واتساع الاعتماد على قوات الاحتياط، عاد هذا الملف ليصبح أحد أكثر الملفات إثارة للانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي؛ فبينما يتحمل مئات الآلاف من جنود الاحتياط أعباء القتال والخدمة الطويلة، تستمر قطاعات واسعة من الحريديم في التمتع بالإعفاء، وهو ما دفع قطاعات كبيرة من الإسرائيليين إلى التشكيك في عدالة توزيع الواجبات الوطنية.

ولا تتوقف الأزمة عند حدود التجنيد، بل تمتد إلى الاقتصاد أيضًا؛ إذ تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن استمرار انخفاض مشاركة الرجال الحريديم في سوق العمل، بالتزامن مع ارتفاع نسبتهم السكانية، قد يؤدي إلى تراجع الإنتاجية وخسارة نسبة معتبرة من الناتج المحلي خلال العقود المقبلة، ما لم تُنفذ إصلاحات جوهرية في التعليم والتأهيل المهني. كما أن معدلات الفقر داخل المجتمع الحريدي لا تزال أعلى بكثير من المتوسط الوطني، الأمر الذي يزيد اعتماد هذه الشريحة على الدعم الحكومي، ويعمق الجدل حول عدالة توزيع الموارد العامة.

وهكذا، لم تعد قضية الحريديم مجرد ملف ديني، بل أصبحت قضية تمس مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي، وتركيبة سوق العمل، واستدامة المالية العامة، والأهم من ذلك كله، مستقبل العقد الاجتماعي الذي قام عليه المشروع الصهيوني منذ قيام الدولة.

على جانب آخر، حيث الأزمة التي يعيشها قطاع القضاء في إسرائيل، نجد أن المعركة الحقيقية تدور اليوم حول مؤسسات الدولة التي ظلت لعقود تمثل الضامن الأساسي للتوازن بين السلطات. ولذلك، لا ينظر الائتلاف الحاكم إلى التشريعات الأخيرة باعتبارها إصلاحات قانونية معزولة، وإنما بوصفها خطوة ضرورية لإعادة توزيع السلطة داخل الدولة بما يتناسب مع التحولات التي شهدها المجتمع الإسرائيلي. فالقضاء يحتل موقع القلب في هذه المواجهة. فإسرائيل، بخلاف معظم الديمقراطيات الغربية، لا تمتلك دستورًا مكتوبًا يحدد بصورة واضحة صلاحيات السلطات الثلاث، وإنما تقوم بنيتها الدستورية على مجموعة من "القوانين الأساسية" والاجتهادات القضائية التي راكمتها المحكمة العليا على مدى عقود. وفي ظل هذا الفراغ الدستوري، اكتسبت المحكمة العليا والمستشار القضائي للحكومة مكانة استثنائية، حتى باتا يشكلان، في نظر كثير من الباحثين، الركيزة الأساسية لمنظومة الضوابط والتوازنات داخل النظام السياسي الإسرائيلي.