بث تجريبي

الاضطراب الإقليمي وإعادة التشكل الجيوسياسي والبحث عن توازن استراتيجي جديد

دراسات وأبحاث - د. محمد شتاتو
د. محمد شتاتو
محلل سياسي وأستاذ علوم التربية بجامعة محمد الخامس - الرياض

تُعد منطقة الشرق الأوسط من بين أكثر مناطق النظام الدولي المعاصر تميزًا من حيث اجتماع الأهمية الاستراتيجية والتعقيد التاريخي وحالة عدم الاستقرار المستمرة. فبفضل موقعها الجغرافي الذي يربط بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، واحتضانها لاحتياطيات هائلة من موارد الطاقة، ووجود المواقع المقدسة للديانات التوحيدية الثلاث، احتلت المنطقة منذ زمن طويل مكانة محورية في الجغرافيا السياسية العالمية. غير أن أهمية الشرق الأوسط لا تقتصر على الجغرافيا أو الطاقة أو الدين فحسب، بل أصبحت المنطقة إحدى الساحات الرئيسية التي تتجلى فيها التحولات الكبرى للنظام الدولي في القرن الحادي والعشرين.

فالتراجع النسبي للأحادية القطبية، وصعود نظام دولي أكثر تعددية وتفككًا، وتنامي دور الفاعلين من غير الدول، وتآكل السلطة التقليدية للدولة، وتزايد التداخل بين المنافسات الإقليمية والعالمية؛ جميعها ظواهر تتجسد بوضوح في الشرق الأوسط.

ولا يمكن فهم الشرق الأوسط المعاصر من خلال النظر إلى أزماته باعتبارها أحداثًا منفصلة. فالمنطقة تمثل نظامًا إقليميًا مترابطًا تتداخل فيه الصراعات والمعضلات الأمنية والمشروعات المتنافسة لبناء النظام السياسي. فالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، والتنافس الإيراني–الإسرائيلي، والطموحات الاستراتيجية لكل من تركيا ودول الخليج، وهشاشة أوضاع سوريا والعراق ولبنان واليمن، فضلًا عن تدخل القوى الخارجية مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، كلها تشكل عناصر ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة على المستويين الإقليمي والدولي.

إن الحروب والأزمات التي شهدتها المنطقة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين لا تمثل مجرد حالات عابرة من عدم الاستقرار، بل تعكس عملية أعمق لإعادة هيكلة العلاقات السياسية والاستراتيجية.

وقد كشفت الأحداث التي أعقبت هجوم حركة حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب اللاحقة في غزة عن هشاشة النظام الإقليمي القائم. وفي الوقت نفسه، تشير اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، والتقارب السعودي–الإيراني برعاية صينية، واتجاه دول الخليج إلى تنويع سياساتها الخارجية، إلى بروز ترتيبات سياسية واستراتيجية جديدة. إلا أن السؤال يبقى مطروحًا حول ما إذا كانت هذه التطورات ستقود إلى نظام إقليمي أكثر استقرارًا أم أنها ستنتج أشكالًا جديدة من المنافسة والصراع.

وتجادل هذه الدراسة بأن الشرق الأوسط يدخل مرحلة انتقالية طويلة الأمد تتسم لا بالانهيار الشامل ولا بالاستقرار المستدام، وإنما بما يمكن تسميته «اللااستقرار المنظَّم»، حيث تسعى القوى المتنافسة إلى إدارة الصراعات القائمة بدلًا من حلها جذريًا. ويتطلب فهم هذا التحول تحليل الجذور التاريخية للاضطراب الإقليمي، واستمرار مركزية القضية الفلسطينية، وتصاعد أهمية التنافس الإيراني–الإسرائيلي بوصفه أحد أهم محاور الصراع الاستراتيجي في المنطقة.

الجذور التاريخية لعدم الاستقرار الإقليمي

لا تزال الجغرافيا السياسية المعاصرة للشرق الأوسط متأثرة بصورة عميقة بانهيار الدولة العثمانية والترتيبات الإقليمية التي فرضت بعد الحرب العالمية الأولى. فقد أسهمت اتفاقية سايكس–بيكو عام 1916 ونظام الانتداب اللاحق في رسم حدود سياسية عكست في كثير من الأحيان المصالح الاستراتيجية للقوى الأوروبية أكثر مما عكست الحقائق الاجتماعية والتاريخية المحلية.

وأدى ذلك إلى نشوء دول ضمت داخل حدودها جماعات عرقية وقبلية ولغوية ودينية متنوعة، في إطار حدود تفتقر أحيانًا إلى الشرعية التاريخية أو التماسك المجتمعي.

وكما أشار المؤرخ ألبرت حوراني، ورثت الدول العربية التي نشأت بعد العهد العثماني تحديًا جوهريًا تمثل في تحويل الكيانات الإدارية إلى مجتمعات سياسية متماسكة. ورغم نجاح بعض الدول نسبيًا في تحقيق مستويات متفاوتة من الاندماج الوطني، ظلت دول أخرى عرضة للتفكك والانقسام الداخلي.

وغالبًا ما ارتبطت مشاريع بناء الدولة بإقامة أنظمة سلطوية هدفت إلى احتواء الانقسامات الاجتماعية بدلًا من معالجتها. ولذلك فإن الاستقرار الظاهري الذي شهدته العديد من دول المنطقة خلال القرن العشرين كان يخفي وراءه نقاط ضعف بنيوية عميقة.

وشكلت القومية العربية أكثر المحاولات طموحًا لتجاوز هذه الانقسامات الموروثة. فقد سعت، بقيادة شخصيات بارزة مثل الرئيس المصري جمال عبد الناصر، إلى بناء مجتمع سياسي عربي موحد يستند إلى اللغة والتاريخ والثقافة المشتركة. غير أن المشروع القومي العربي فشل في نهاية المطاف في تأسيس نظام سياسي عربي موحد نتيجة التنافسات البينية بين الدول العربية وتضارب المصالح الوطنية والهزائم العسكرية، وعلى رأسها هزيمة عام 1967.

وأدى تراجع القومية العربية إلى ظهور فراغ أيديولوجي حاولت قوى سياسية مختلفة ملأه. وكان الإسلام السياسي أبرز هذه البدائل، خاصة بعد نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 في إثبات قدرة الحركات ذات المرجعية الدينية على تحدي الأنظمة القائمة وموازين القوى الدولية.

وفي الوقت ذاته، أصبحت الهويات الطائفية أداة متزايدة الأهمية في التنافسات الجيوسياسية. فبالرغم من أن الانقسامات السنية–الشيعية تعود إلى جذور تاريخية عميقة، فإن أهميتها السياسية المعاصرة تعززت بفعل توظيفها من قبل الدول والفاعلين السياسيين لتحقيق أهداف استراتيجية. وهكذا نشأت بيئة إقليمية تتداخل فيها سياسات الهوية مع المنافسات الجيوسياسية، بحيث يغذي كل منهما الآخر بصورة مستمرة.

القضية الفلسطينية وحدود إدارة الصراع

لا توجد قضية أثرت في السياسة الشرق أوسطية بعمق يماثل تأثير الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. فعلى الرغم من التحولات الجذرية التي شهدتها المنطقة خلال العقود السبعة الماضية، لا تزال القضية الفلسطينية تمثل مصدرًا رئيسيًا لعدم الاستقرار والتعبئة السياسية والجدل الدولي. وتنبع أهميتها ليس فقط من أبعادها الإنسانية والسياسية المباشرة، بل أيضًا من دورها الرمزي في السرديات الإقليمية والعالمية المتعلقة بالعدالة والسيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

لقد أدى قيام دولة إسرائيل عام 1948 وما رافقه من تهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى تأسيس صراع ما زال يلقي بظلاله على السياسة الإقليمية حتى اليوم. كما أسهمت الحروب العربية–الإسرائيلية في أعوام 1956 و1967 و1973 في إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط، مع ترسيخ مركزية القضية الفلسطينية في الوعي السياسي العربي.

ورغم التوصل لاحقًا إلى اتفاقيات سلام بين إسرائيل ومصر ثم بين إسرائيل والأردن، بقيت القضية الفلسطينية دون حل نهائي. وقد مثّلت اتفاقيات أوسلو عام 1993 أبرز محاولة للتوصل إلى تسوية تفاوضية شاملة، غير أن الآمال التي رافقتها تراجعت تدريجيًا نتيجة استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، وتفكك السلطة السياسية الفلسطينية، وتكرار موجات العنف، وتآكل الثقة في عملية السلام.

وبدلًا من التوصل إلى حل للصراع، نشأ نموذج قائم على «إدارة الصراع»؛ أي احتواء التوترات ومنع انفجارها الكامل دون معالجة جذورها السياسية الأساسية.

وقد كشفت الحرب في غزة التي اندلعت عقب أحداث أكتوبر 2023 حدود هذا النهج بصورة واضحة. فقد أثبتت التطورات أن افتراض إمكانية تجاوز القضية الفلسطينية أو احتوائها إلى أجل غير مسمى، بالتوازي مع تقدم مشاريع التطبيع الإقليمي، لم يعد قابلًا للاستمرار.

وأظهرت الحرب أن القضايا غير المحسومة المرتبطة بالسيادة والدولة والهوية الوطنية لا تزال قادرة على زعزعة الترتيبات السياسية الإقليمية مهما بدت مستقرة ظاهريًا.

ومن منظور أوسع، تكشف القضية الفلسطينية عن مفارقة أساسية في دبلوماسية الشرق الأوسط المعاصرة. ففي الوقت الذي تركز فيه العديد من الحكومات العربية على التحديث الاقتصادي والتعاون الأمني وتنويع الشراكات الدولية، لا يزال الرأي العام في معظم المجتمعات العربية والإسلامية مرتبطًا بقوة بالقضية الفلسطينية.

ويخلق هذا التباين بين أولويات الدولة ومواقف المجتمع تحديًا مستمرًا يتعلق بالشرعية السياسية والاستقرار الداخلي.

علاوة على ذلك، أصبح الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي انعكاسًا لتحولات أوسع في النظام الدولي، حيث تتنافس روايات مختلفة بشأن القانون الدولي وحقوق الإنسان والأمن وحق تقرير المصير. ولذلك، فإن أي نظام إقليمي جديد لا يتضمن معالجة حقيقية للقضية الفلسطينية سيظل معرضًا للهشاشة وعدم الاستقرار.

إيران وإسرائيل: نشوء حرب باردة إقليمية

إذا كانت القضية الفلسطينية تمثل الجذر التاريخي لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، فإن التنافس الإيراني–الإسرائيلي أصبح المحور الاستراتيجي الأبرز في المرحلة الراهنة.

فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979، تطورت العلاقة بين البلدين من حالة عداء سياسي غير مباشر إلى مواجهة متعددة الأبعاد تشمل الجوانب العسكرية والسياسية والأيديولوجية والتكنولوجية.

اعتمدت الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية إلى حد كبير على بناء شبكة من الحلفاء والفاعلين غير الحكوميين تمتد من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن. ويؤدي ما يُعرف بمحور المقاومة عدة وظائف استراتيجية، من بينها تعزيز النفوذ الإيراني الإقليمي، وتوفير عمق استراتيجي، وخلق قدرات ردع في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة.

ومن خلال هذه الشبكة، تمكنت طهران من توسيع نفوذها خارج حدودها الوطنية مع تجنب الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة واسعة النطاق.

في المقابل، تنظر إسرائيل إلى التوسع الإقليمي الإيراني والبرنامج النووي الإيراني باعتبارهما تهديدين وجوديين. ولذلك ركزت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على الحفاظ على تفوق عسكري ساحق ومنع ظهور أي ظروف استراتيجية يمكن أن تقلص من قدراتها الردعية.

وشمل هذا النهج تنفيذ عمليات سرية، وحربًا سيبرانية، وأنشطة استخباراتية، وضربات عسكرية دقيقة استهدفت أصولًا مرتبطة بإيران في مختلف أنحاء المنطقة.

ونتيجة لذلك، أصبحت العلاقة بين الطرفين تشبه إلى حد كبير نمط «الحرب الباردة الإقليمية». فكما كان الحال خلال الحرب الباردة العالمية في القرن العشرين، تتسم هذه المواجهة بالصراعات غير المباشرة والحروب بالوكالة والتنافس الأيديولوجي.

إلا أن هناك اختلافًا جوهريًا يتمثل في غياب آليات مستقرة لإدارة الأزمات. فبينما نجحت معادلات الردع حتى الآن في منع اندلاع حرب شاملة، تكشف الأزمات المتكررة مدى سهولة تحول الحوادث المحدودة إلى مواجهات إقليمية أوسع.

ولا يقتصر هذا التنافس على الاعتبارات الأمنية، بل يعكس أيضًا صراعًا أعمق حول شكل النظام السياسي المستقبلي للشرق الأوسط.

فإيران تروج لرؤية تقوم على مقاومة النفوذ الغربي ورفض اندماج إسرائيل في الإقليم، بينما تميل إسرائيل وعدد متزايد من الدول العربية إلى تبني نموذج إقليمي يرتكز على التعاون الاقتصادي والتقدم التكنولوجي والتحالف ضد التهديدات المشتركة.

ومن المرجح أن يظل التنافس بين هاتين الرؤيتين أحد أبرز المحددات للسياسة الشرق أوسطية خلال السنوات المقبلة.

بحلول منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، دخل الشرق الأوسط مرحلة أصبحت فيها الصراعات التاريخية والانقسامات الأيديولوجية والتنافسات الجيوسياسية متشابكة بصورة غير مسبوقة. فالقضية الفلسطينية لا تزال تشكل محورًا أساسيًا للشرعية السياسية والهوية الإقليمية، بينما بات الصراع الإيراني–الإسرائيلي عنصرًا رئيسيًا في هيكلة البيئة الأمنية للمنطقة.

وسيتطلب فهم كيفية تفاعل هذه التوترات مع التحولات الاقتصادية والجيوسياسية الأوسع دراسة أدوار القوى الخليجية، وتحولات موازين القوى الدولية، واستمرار هشاشة عدد من الدول العربية الرئيسية، وهي القضايا التي تتناولها الدراسة في القسم التالي.

إعادة الاصطفاف الإقليمي، وتنافس القوى الكبرى، وهشاشة الدولة

الملكيات الخليجية وتحول الدولة الريعية

من بين أهم التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط المعاصر انتقال دول الخليج العربية من كونها دولًا ريعية تعتمد بصورة شبه كاملة على عوائد النفط والغاز إلى فاعلين جيوسياسيين أكثر استقلالية وتأثيرًا.

فعلى مدى عقود، استندت اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي إلى النموذج الريعي الكلاسيكي، حيث مكّنت الإيرادات النفطية الحكومات من توفير مستويات مرتفعة من الرفاه الاجتماعي وفرص العمل الحكومية والدعم الاقتصادي، مقابل مشاركة سياسية محدودة نسبيًا. وقد أنتج هذا الوضع عقدًا اجتماعيًا خاصًا يقوم على تبادل الأمن الاقتصادي بالاستقرار السياسي.

إلا أن استدامة هذا النموذج أصبحت موضع تساؤل متزايد في ظل تقلبات أسعار الطاقة، والضغوط الديموغرافية، والتطورات التكنولوجية، والاتجاه العالمي نحو التحول الطاقوي.

ولذلك شرعت دول الخليج في تنفيذ استراتيجيات طموحة للتنويع الاقتصادي، من أبرزها:

  • رؤية السعودية 2030.

  • الاستثمارات الإماراتية في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

  • جهود قطر للتحول إلى مركز عالمي للدبلوماسية والخدمات المالية واللوجستية.

ولا تقتصر هذه التحولات على الاقتصاد فحسب، بل تمتد إلى السياسة الخارجية. فقد سعت دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الدولية وتقليص الاعتماد المفرط على أي قوة خارجية واحدة.

ويتجلى ذلك في بناء علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند والاتحاد الأوروبي في آن واحد.

وقد أدى هذا التحول إلى تغيير ميزان القوى الإقليمي بصورة ملحوظة:

  • انتهجت الإمارات سياسة خارجية نشطة امتدت من القرن الأفريقي إلى شرق المتوسط.

  • تبنت السعودية دورًا إقليميًا أكثر فاعلية بالتوازي مع مشروعها التنموي الداخلي.

  • طورت قطر نموذجًا دبلوماسيًا قائمًا على الوساطة والقوة الناعمة والاتصال الاستراتيجي.

وبذلك لم تعد دول الخليج مجرد موضوع للتنافس الدولي، بل أصبحت من أبرز صانعي النظام الإقليمي الجديد.

ومع ذلك، لا تزال تحديات مهمة قائمة، منها:

  • إصلاح سوق العمل.

  • تطوير التعليم.

  • بناء اقتصاد قائم على الابتكار والمعرفة.

  • مواجهة المخاطر الناتجة عن أي صدام عسكري كبير في الخليج أو الممرات البحرية الحيوية.

اتفاقيات أبراهام وإعادة تشكيل السياسة الإقليمية

شكل توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020 أحد أهم التحولات الدبلوماسية في الشرق الأوسط منذ معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.

فقد دشنت الاتفاقيات التي جمعت إسرائيل مع الإمارات والبحرين والمغرب ولاحقًا السودان مرحلة جديدة في العلاقات العربية الإسرائيلية، تقوم على التطبيع المباشر دون ربطه المسبق بحل القضية الفلسطينية.

ومثلت هذه الخطوة تحولًا جوهريًا في أولويات عدد من الدول العربية.

ففي حين كانت المبادرات السابقة تشترط التقدم نحو إقامة دولة فلسطينية قبل التطبيع، اعتمدت اتفاقيات أبراهام على منطق مختلف يقوم على:

  • المصالح الاقتصادية المشتركة.

  • التعاون التكنولوجي.

  • التنسيق الأمني.

  • مواجهة التهديدات الإقليمية المشتركة.

وقد ساهمت عدة عوامل في هذا التحول، من أهمها:

  1. القلق المشترك من النفوذ الإيراني.

  2. الفرص الاقتصادية المرتبطة بالتكنولوجيا والاستثمار والتجارة.

  3. تراجع الثقة في فعالية المقاربات التقليدية للصراع العربي الإسرائيلي.

غير أن الاتفاقيات كشفت أيضًا عن تناقضات عميقة.

فبينما ركزت الحكومات على المكاسب الاستراتيجية والاقتصادية، ظل الرأي العام العربي متعاطفًا بدرجة كبيرة مع القضية الفلسطينية.

وقد أظهرت حرب غزة بعد أكتوبر 2023 هذا التناقض بوضوح، إذ أثبتت أن تجاهل القضية الفلسطينية لا يؤدي إلى اختفائها من المشهد السياسي.

لذلك لا يزال الحكم النهائي على اتفاقيات أبراهام سابقًا لأوانه.

فهي قد تصبح أساسًا لنظام إقليمي جديد قائم على التعاون الاقتصادي، أو قد تواجه تحديات متزايدة إذا استمرت القضايا الجوهرية المتعلقة بالسيادة والعدالة والحقوق الوطنية دون معالجة.

التراجع النسبي للهيمنة الأمريكية

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين، لعبت الولايات المتحدة دور القوة الخارجية المهيمنة في الشرق الأوسط.

فمن خلال التحالفات العسكرية والقواعد الأمنية والشراكات الاقتصادية والمبادرات الدبلوماسية، امتلكت واشنطن نفوذًا لا ينافسه أي طرف آخر.

لكن العقود الأخيرة شهدت تحولات مهمة.

فقد كشفت حربا أفغانستان والعراق حدود القوة العسكرية الأمريكية في إعادة هندسة المجتمعات والأنظمة السياسية.

وبدلًا من إنتاج نظم مستقرة موالية للغرب، ساهمت تلك التدخلات في:

  • تفكك بعض مؤسسات الدولة.

  • تصاعد الانقسامات الطائفية.

  • توسيع النفوذ الإيراني.

وفي الوقت ذاته، دفعت المنافسة المتصاعدة مع الصين الولايات المتحدة إلى تحويل جزء متزايد من اهتمامها الاستراتيجي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

كما أدى نمو إنتاج النفط والغاز الصخري الأمريكي إلى تقليل الاعتماد المباشر على نفط الشرق الأوسط مقارنة بالعقود السابقة.

ومع ذلك، لا يعني هذا انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة.

فهي لا تزال:

  • القوة العسكرية الأكثر تفوقًا.

  • صاحبة أكبر شبكة تحالفات أمنية.

  • اللاعب الخارجي الأكثر تأثيرًا في كثير من الملفات.

لكنها لم تعد تُنظر إليها باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على رسم مستقبل المنطقة.

وقد شجع ذلك القوى الإقليمية على اتباع سياسات خارجية أكثر استقلالية ومرونة.

الصين وروسيا وعودة تنافس القوى الكبرى

تزامن تراجع الهيمنة الأمريكية النسبية مع تزايد الحضور الروسي والصيني في الشرق الأوسط.

روسيا

مثّل التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015 نقطة تحول رئيسية في الجغرافيا السياسية الإقليمية.

فمن خلال دعم الحكومة السورية، أثبتت موسكو قدرتها على التأثير المباشر في مسارات الصراعات الإقليمية.

وحقق التدخل الروسي عدة أهداف:

  • ترسيخ الوجود العسكري في شرق المتوسط.

  • تعزيز النفوذ السياسي الروسي.

  • تقديم روسيا كشريك يمكن الاعتماد عليه في أوقات الأزمات.

إلا أن النفوذ الروسي يظل محدودًا نسبيًا بسبب ضعف الإمكانات الاقتصادية مقارنة بالولايات المتحدة أو الصين.

كما أن تداعيات الحرب الأوكرانية فرضت ضغوطًا إضافية على الموارد الروسية.