هل تفقد الولايات المتحدة نفوذها في أفريقيا؟ قراءة تفسيرية
تدخل الولايات المتحدة النصف الثاني من عقد العشرينيات وهي تواجه سؤالاً جوهرياً في أفريقيا: هل ما تزال واشنطن تُنظر إليها بوصفها الشريك الاستراتيجي المفضل، أم أنها تتحول تدريجياً إلى قوةٍ ذات مقاربةٍ نفعية ضيقة، يُنظر إلى انخراطها في القارة على أنه انتقائي وعقابي وغير قابل للتنبؤ؟
لم يعد هذا السؤال مجرد نقاش نظري، بل أصبح اختباراً عملياً يجري على امتداد جنوب أفريقيا وغرب أفريقيا ومنطقة الساحل، وصولاً إلى المناطق الغنية بالمعادن في قلب القارة الأفريقية.
فالتوتر المتصاعد في العلاقات الأمريكية–الجنوب أفريقية، والاحتكاكات مع نيجيريا بشأن مزاعم الاضطهاد الديني، والمساعي الأمريكية لاستعادة موطئ قدم في جهود مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل، فضلاً عن الجدل المتعلق باتفاقات ترحيل المهاجرين إلى دول ثالثة ودبلوماسية المعادن الاستراتيجية؛ كلها مؤشرات على قضية أعمق تتجاوز الملفات الثنائية المنفصلة. فبينما لا تنسحب الولايات المتحدة من أفريقيا بصورة كاملة، فإنها تعيد تعريف حضورها في القارة بطريقة قد تعزز نفوذها أو تسرّع تآكله.
على مدى عقود، استند النفوذ الأمريكي في أفريقيا إلى مزيج من التعاون الأمني، والمساعدات التنموية، والانخراط الدبلوماسي، ودعم الحوكمة الرشيدة والصحة العامة. ورغم ما شاب هذه السياسات من تناقضات، فإنها منحت واشنطن هوية أوسع من مجرد قوة استخراجية أو قسرية تسعى إلى تحقيق مصالحها الضيقة.
إلا أن نمط الانخراط الأمريكي يبدو اليوم مختلفاً؛ فهو أكثر انتقائية، وأكثر ارتباطاً بالأولويات السياسية الآنية، وأكثر استعداداً لربط العلاقات الدبلوماسية بقضايا مثل ضبط الهجرة، أو الرسائل الأيديولوجية، أو الوصول التجاري إلى المعادن الاستراتيجية.
وفي قارة باتت تمتلك فيها الحكومات بدائل متعددة عن الصين وروسيا، مثل دول الخليج وتركيا والهند والاتحاد الأوروبي، يكتسب هذا التحول أهمية خاصة. فالقادة الأفارقة أصبحوا أكثر قدرة على تنويع شراكاتهم، والموازنة بين القوى الدولية، ومقاومة الضغوط الخارجية. وإذا بدت الولايات المتحدة مهتمة أساساً بالعقوبات أو الصفقات المؤقتة أو المواجهات الرمزية، فإنها تخاطر بخسارة ليس فقط حسن النوايا، بل أيضاً أدوات النفوذ طويلة المدى.
جنوب أفريقيا: من الخلاف الاستراتيجي إلى القطيعة الدبلوماسية
يتمثل التدهور الأكثر وضوحاً وخطورة في العلاقات الأمريكية مع جنوب أفريقيا.
فقرار الرئيس دونالد ترامب استبعاد جنوب أفريقيا من قمة مجموعة العشرين لعام 2026 في ميامي جاء بعد أزمة دبلوماسية متصاعدة، كان من أبرز مظاهرها مقاطعة مسؤولين أمريكيين لقمة جوهانسبرغ التي استضافتها جنوب أفريقيا.
كما صعّدت إدارة ترامب من مزاعمها بشأن تعرض الأفريكانيين البيض في جنوب أفريقيا للاضطهاد أو حتى لـ«الإبادة الجماعية»، وهي ادعاءات رفضها بشدة مسؤولون في جنوب أفريقيا، بل وحتى منظمات تمثل الأفريكانيين أنفسهم.
ورغم غياب الأدلة الداعمة لهذه المزاعم، منحت الإدارة الأمريكية أولوية لقبول اللاجئين البيض من جنوب أفريقيا، في وقت جرى فيه تقييد فرص اللجوء أمام جماعات أخرى كثيرة حول العالم.
وسواء فُسرت هذه الخطوات باعتبارها موقفاً أخلاقياً أو مجرد توظيف سياسي داخلي، فإن النتيجة واحدة من منظور أفريقي: تبدو الولايات المتحدة مستعدة لتقويض علاقتها مع إحدى أهم القوى الأفريقية استناداً إلى رواية يعتبرها كثير من الأفارقة مشحونة أيديولوجياً ومحل شك من الناحية الواقعية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن جنوب أفريقيا ليست مجرد شريك ثنائي عادي؛ فهي دولة ذات ثقل داخل الاتحاد الأفريقي، وتمثل إحدى أكبر القوى الاقتصادية في القارة، وعضو مؤثر في العديد من المنظمات متعددة الأطراف، كما أن مواقفها غالباً ما تؤثر في تصورات الدول الأفريقية الأخرى.
ومن ثم، فإن أي قطيعة مع بريتوريا لا تقتصر آثارها على التجارة أو العلاقات الثنائية، بل ترسل رسالة أوسع إلى الحكومات الأفريقية مفادها أن واشنطن قد تكون مستعدة لتخفيض مستوى علاقاتها مع دولة أفريقية مؤثرة، ليس بسبب خلافات تقليدية تتعلق بالعقوبات أو التحالفات العسكرية أو الالتزامات الدولية، وإنما بسبب قضايا ثقافية وأيديولوجية مثيرة للانقسام.
ويرجح أن يفسر كثير من الأفارقة هذا السلوك باعتباره دليلاً على قدرة الاعتبارات السياسية الداخلية الأمريكية على إعادة تشكيل أولويات السياسة الخارجية تجاه القارة.
ولذلك قد تترتب على هذه الأزمة تداعيات بعيدة المدى. فهي أولاً تضعف مصداقية الولايات المتحدة باعتبارها مدافعاً عن التعددية الدولية في وقت تتزايد فيه شكوك الحكومات الأفريقية تجاه الانتقائية الغربية. وثانياً، قد تدفع جنوب أفريقيا إلى تعميق تعاونها مع قوى أخرى، وفي مقدمتها الصين وروسيا، ليس بالضرورة نتيجة تقارب أيديولوجي، وإنما كوسيلة للتحوط من تقلبات السياسة الأمريكية وعدم موثوقيتها.
كما أنها قد تعزز الانطباع السائد في أنحاء القارة بأن الولايات المتحدة لا تنخرط مع الدول الأفريقية إلا عندما تتوافق سياساتها مع أولوياتها الداخلية. وحتى الحكومات التي تختلف مع جنوب أفريقيا في بعض الملفات قد تنظر إلى ما حدث باعتباره نوعاً من الإحراج العلني لقوة أفريقية بارزة خلال أول قمة لمجموعة العشرين تستضيفها دولة أفريقية.
وفي عالم الدبلوماسية، كثيراً ما تكون الرمزية السياسية ذات أهمية لا تقل عن المصالح المادية، وقد تتحول تكلفتها بالنسبة للولايات المتحدة إلى عبء استراتيجي طويل الأمد.
نيجيريا ومنطقة الساحل... بين الشراكة الأمنية وتراجع الثقة السياسية
نيجيريا: سحابة أيديولوجية تخيم على التعاون الأمني
إذا كانت جنوب أفريقيا تمثل نموذجاً لقطيعة دبلوماسية متصاعدة، فإن حالة نيجيريا تبدو أكثر تعقيداً، إذ تعكس مزيجاً من الأهمية الاستراتيجية العميقة والشكوك السياسية المتزايدة.
فنيجيريا تمثل حجر الزاوية لأي انخراط أمريكي جاد في غرب أفريقيا. وبعدد سكان يتجاوز 240 مليون نسمة، تعد أكبر دولة أفريقية من حيث السكان، كما أنها إحدى أكبر اقتصادات القارة، وفاعل أمني رئيسي في حوض بحيرة تشاد، فضلاً عن دورها المحوري في الدبلوماسية الإقليمية.
إلا أن العلاقات الأمريكية–النيجيرية شهدت توتراً متزايداً بعد أن أعادت إدارة ترامب تصنيف نيجيريا باعتبارها «دولة مثيرة للقلق بشكل خاص» (Country of Particular Concern)، استناداً إلى ما وصفته واشنطن بوجود اضطهاد واسع النطاق للمسيحيين. كما تصاعدت الخطابات السياسية الأمريكية التي تفسر العنف في نيجيريا بصورة أساسية من خلال منظور الاضطهاد الديني للمسيحيين.
ورغم أن هذا الطرح يلقى صدى لدى بعض الأوساط السياسية المحافظة داخل الولايات المتحدة، فإن كثيراً من النخب النيجيرية تنظر إليه باعتباره تفسيراً انتقائياً ومسيّساً ومثيراً للتوترات الداخلية.
ولا خلاف على أن العنف في نيجيريا حقيقي وخطير، وأن جماعات مسيحية تعرضت بالفعل لهجمات دامية في بعض المناطق. غير أن المسؤولين النيجيريين يؤكدون أن الأزمة أكثر تعقيداً من مجرد اضطهاد ديني منظم، إذ تتداخل فيها عوامل التمرد الجهادي والجريمة المنظمة والصراعات المجتمعية وضعف مؤسسات الدولة ومشكلات الحوكمة.
وفي بلد ينقسم سكانه تقريباً بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين، يصبح اختزال الأزمة في بعد ديني واحد أمراً شديد التبسيط، بل وقد يؤدي إلى نتائج عكسية.
ومن ثم، عندما تتجاهل واشنطن هذه التعقيدات، فإنها تخاطر بإضعاف علاقتها مع أبوجا وتبسيط أزمة تحتاج إلى تعاون وتحليل عميقين أكثر مما تحتاج إلى الإدانات السياسية.
كما أن الدعوات الأمريكية إلى فرض شروط على المساعدات أو تطبيق عقوبات أو قيود على التأشيرات أو ممارسة ضغوط تتعلق بالشريعة الإسلامية وقوانين التجديف، قد تحظى بقبول لدى بعض الأوساط الأمريكية، لكنها تدفع النخب النيجيرية إلى مزيد من الحذر والرفض.
ومع ذلك، لا يستطيع أي من الطرفين تحمل انهيار كامل للعلاقات.
فالولايات المتحدة تحتاج إلى التعاون مع نيجيريا في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، ومكافحة الإرهاب، وأمن خليج غينيا، واستقرار منطقة بحيرة تشاد، وأمن الطاقة.
وفي المقابل، تستفيد نيجيريا بصورة كبيرة من برامج التدريب العسكري الأمريكية والدعم الاستخباراتي والعلاقات الاقتصادية والتأييد الدبلوماسي.
ولذلك فإن الخطر الحقيقي لا يتمثل في انهيار العلاقات، بل في تحولها إلى علاقة وظيفية باردة، تستمر شكلياً لكنها تفقد عنصر الثقة الاستراتيجية. ففي هذه الحالة ستواصل أبوجا التعاون مع واشنطن عندما تتقاطع المصالح، لكنها ستعمل في الوقت نفسه على تنويع شراكاتها الخارجية والحد من قدرتها على التأثير في القرار النيجيري.
الساحل الأفريقي: عودة مكافحة الإرهاب بشروط أكثر صعوبة
تمثل منطقة الساحل اختباراً آخر لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على نفوذها في أفريقيا.
فبعد خسارة مواقع استراتيجية مهمة، وعلى رأسها القاعدة الأمريكية للطائرات المسيّرة في النيجر، بدأت واشنطن البحث عن صيغ جديدة لاستعادة حضورها الأمني في المنطقة.
وتشير المؤشرات إلى أن إدارة ترامب تحاول إعادة تنشيط علاقاتها مع دول «تحالف دول الساحل» الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وقد شهدت الأشهر الأخيرة إرسال وفود أمريكية إلى عواصم هذه الدول لمناقشة ترتيبات جديدة تشمل تقديم دعم عسكري وأمني مقابل الحصول على امتيازات تتعلق بالوصول إلى الموارد الطبيعية والمعادن الاستراتيجية.
وبموجب هذه المقاربة، قد توفر الولايات المتحدة أسلحة ومعدات ودعماً فنياً للقوات المحلية في مواجهة الجماعات المتطرفة، مقابل منحها أولوية الوصول إلى اليورانيوم والذهب ومعادن أخرى حيوية.
وتبدو هذه الصيغة للوهلة الأولى عملية وواقعية، لكنها تصطدم بحقيقة أن دول الساحل الثلاث عززت بالفعل علاقاتها مع روسيا خلال السنوات الأخيرة.
فمنذ تأسيس التحالف عام 2023، توسع الحضور الروسي في مجالات التدريب العسكري والدعم الأمني وتوريد الأسلحة، كما وقعت حكومات المنطقة اتفاقات تعاون مع موسكو تشمل الأمن والطاقة والتعليم العالي.
وهذا الواقع يحد بصورة كبيرة من هامش الحركة الأمريكي.
ورغم تحقيق بعض التقدم، مثل الاقتراب من إبرام اتفاق للتعاون الاستخباراتي مع مالي ورفع بعض العقوبات عن مسؤولين عسكريين ماليين، فإن هذه التحركات لا تبدو كافية لتعويض النفوذ الروسي أو الصيني المتنامي في المنطقة.
لماذا أصبحت العودة الأمريكية إلى الساحل أكثر صعوبة؟
هناك ثلاثة تحولات رئيسية تجعل استعادة النفوذ الأمريكي أكثر تعقيداً:
أولاً: تغير البيئة السياسية.
فالحكومات التي نجت من الانقلابات أو التمردات المسلحة أصبحت أكثر تشككاً تجاه النوايا الغربية، وأكثر استعداداً لاستخدام الخطاب المناهض للغرب لتعزيز شرعيتها الداخلية.
ثانياً: اشتداد المنافسة الدولية.
فروسيا تقدم دعماً أمنياً بشروط سياسية أقل، بينما توسع الصين ودول الخليج حضورها الاقتصادي عبر الاستثمار في البنية التحتية والتعدين والطاقة. كما أن تركيا والاتحاد الأوروبي يتمتعان بشبكات تجارية أكثر رسوخاً في المنطقة مقارنة بالولايات المتحدة.
ثالثاً: تراجع الثقة الشعبية.
فالكثير من المجتمعات المحلية في الساحل باتت تنظر بعين الشك إلى الشراكات الأمنية الغربية بعد سنوات من العمليات العسكرية التي لم تحقق الاستقرار المنشود، وهو ما استغلته روسيا بفعالية في حملاتها الإعلامية والدعائية.
وفي ظل هذه الظروف، يمكن تصوير حتى الوجود الأمريكي المحدود باعتباره شكلاً جديداً من أشكال التدخل الخارجي أو «الهيمنة الجديدة».
معضلة استراتيجية بلا حلول سهلة
تواجه واشنطن اليوم معضلة حقيقية في الساحل.
فإذا ركزت حصراً على مكافحة الإرهاب، فقد تحقق مكاسب عملياتية قصيرة المدى، لكنها تخاطر بخسارة ما تبقى من صورتها كداعم للديمقراطية والحكم الرشيد.
أما إذا أصرت على شروط سياسية صارمة تتعلق بالإصلاحات الدستورية والتحول الديمقراطي، فقد تجد نفسها مستبعدة من الساحات الأمنية التي تعتبرها ضرورية لمصالحها الاستراتيجية.
ولهذا يبدو أن الولايات المتحدة عالقة في معادلة صعبة: فإذا تدخلت خسرت جزءاً من مصداقيتها السياسية، وإذا امتنعت عن التدخل خسرت نفوذها الأمني.
وفي هذا السياق، قد يكون الخيار الأكثر واقعية هو التركيز على شركاء أكثر استقراراً مثل نيجيريا وبعض دول غرب أفريقيا الساحلية، مع مراقبة تهديدات الساحل من الأطراف بدلاً من الانخراط المباشر في قلب المنطقة.
غير أن هذا النهج، وإن كان عملياً، لا يعكس نفوذاً حقيقياً بقدر ما يعكس سياسة لاحتواء الخسائر وتقليل الأضرار.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل ستفضل واشنطن المكاسب الأمنية السريعة، أم أنها ستتحمل تكلفة التراجع المؤقت للحفاظ على مصداقيتها ونفوذها طويل الأجل في أفريقيا؟
دبلوماسية المعادن وترحيل المهاجرين... عندما تتحول أفريقيا إلى ساحة للمقايضة الاستراتيجية
إذا كانت أزمات جنوب أفريقيا ونيجيريا والساحل تكشف جوانب مختلفة من التحديات التي تواجه السياسة الأمريكية في أفريقيا، فإن ملفي المعادن الاستراتيجية وترحيل المهاجرين يسلطان الضوء على تحول أعمق في طبيعة الانخراط الأمريكي بالقارة.
ففي الحالتين، يبدو أن واشنطن باتت تنظر إلى عدد من الدول الأفريقية من منظور نفعي مباشر، بوصفها مصدراً للموارد الحيوية أو مساحة لمعالجة أزمات داخلية أمريكية، أكثر من كونها شركاء استراتيجيين في مشروع طويل الأمد للتنمية والاستقرار.
أفريقيا ومعركة المعادن الاستراتيجية
في ظل المنافسة التكنولوجية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين، أصبحت المعادن النادرة والحرجة تحتل موقعاً مركزياً في الحسابات الجيوسياسية العالمية.
فمعادن مثل الكوبالت والليثيوم والمنغنيز والنيكل والعناصر الأرضية النادرة أصبحت مكونات أساسية في الصناعات الدفاعية والبطاريات والسيارات الكهربائية وأشباه الموصلات وتقنيات الطاقة المتجددة.
وهنا تبرز أفريقيا باعتبارها أحد أهم خزانات الموارد الاستراتيجية في العالم.
فجمهورية الكونغو الديمقراطية تمتلك الجزء الأكبر من الاحتياطيات العالمية للكوبالت، بينما تحتضن زامبيا وناميبيا وزيمبابوي احتياطيات كبيرة من النحاس والليثيوم ومعادن أخرى ضرورية للتحول الطاقوي العالمي.
وخلال السنوات الأخيرة، كثفت الولايات المتحدة جهودها لمنافسة النفوذ الصيني المتجذر في قطاع التعدين الأفريقي.
لكن المشكلة لا تكمن في الاهتمام الأمريكي بالمعادن بحد ذاته، فكل القوى الكبرى تسعى إلى تأمين سلاسل التوريد الخاصة بها، وإنما في الكيفية التي يُنظر بها إلى هذا الاهتمام داخل أفريقيا.
فكثير من النخب الأفريقية ترى أن الخطاب الغربي حول الشراكة الاقتصادية لا يختلف كثيراً عن النماذج القديمة لاستخراج الموارد، حيث تستمر المواد الخام في مغادرة القارة بينما تبقى القيمة المضافة والتكنولوجيا والتصنيع في الخارج.
ومن هذا المنظور، فإن نجاح الولايات المتحدة لن يتوقف على قدرتها على توقيع عقود التعدين، بل على استعدادها للمساهمة في بناء الصناعات المحلية ونقل التكنولوجيا وتطوير البنية التحتية وسلاسل القيمة داخل الدول الأفريقية نفسها.
وفي حال أخفقت في ذلك، فإنها قد تجد نفسها في مواجهة اتهامات مشابهة لتلك التي توجهها هي نفسها إلى الصين، والمتمثلة في التعامل مع أفريقيا كمصدر للمواد الخام لا أكثر.
اتفاقات ترحيل المهاجرين: من التعاون إلى الشكوك
لا يقل ملف الهجرة حساسية عن ملف المعادن.
فخلال السنوات الأخيرة برزت تقارير متزايدة حول سعي الولايات المتحدة إلى إبرام ترتيبات مع بعض الدول الأفريقية لاستقبال مهاجرين أو طالبي لجوء تم رفض طلباتهم أو لا يمكن إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.
ورغم أن هذه السياسات ليست جديدة بالكامل، فإنها تثير تساؤلات عميقة داخل أفريقيا بشأن طبيعة العلاقة التي ترغب واشنطن في بنائها مع شركائها الأفارقة.
فمن وجهة نظر العديد من الحكومات الأفريقية، تبدو هذه الاتفاقات وكأنها محاولة لنقل أعباء سياسية داخلية أمريكية إلى دول تعاني أصلاً من تحديات اقتصادية وتنموية وأمنية كبيرة.
كما أن الرأي العام الأفريقي غالباً ما ينظر إلى هذه الترتيبات باعتبارها دليلاً إضافياً على عدم التكافؤ في العلاقات، حيث تُطلب من الدول الأفريقية خدمات سياسية وأمنية متزايدة دون الحصول على مكاسب استراتيجية مماثلة.
وقد لا تؤدي هذه السياسات إلى أزمات دبلوماسية فورية، لكنها تترك أثراً تراكمياً على صورة الولايات المتحدة داخل المجتمعات والنخب السياسية الأفريقية.
فالنفوذ الدولي لا يقاس فقط بحجم المساعدات أو القوة العسكرية، بل أيضاً بالصورة الذهنية والقدرة على الإقناع وبناء الثقة.
وعندما يُنظر إلى دولة كبرى باعتبارها تسعى إلى تصدير مشكلاتها الداخلية بدلاً من بناء شراكات متوازنة، فإن قدرتها على التأثير تتآكل تدريجياً حتى وإن ظلت تمتلك أدوات القوة التقليدية.
التنافس الدولي: أفريقيا لم تعد بحاجة إلى شريك واحد
أحد أهم التحولات التي تفسر تراجع النفوذ النسبي للقوى الغربية في أفريقيا يتمثل في أن القارة لم تعد محكومة بخيارات محدودة كما كان الحال خلال العقود الماضية.
فاليوم تمتلك الحكومات الأفريقية مجموعة واسعة من البدائل:
-
الصين توفر التمويل والبنية التحتية.
-
روسيا توفر الدعم الأمني والعسكري.
-
دول الخليج توسع استثماراتها في الموانئ والزراعة والطاقة.
-
تركيا تعزز حضورها التجاري والدبلوماسي.
-
الهند تزيد من تعاونها في مجالات التكنولوجيا والصناعة.
-
الاتحاد الأوروبي ما زال يمثل شريكاً تجارياً وتنموياً رئيسياً.
وفي مثل هذه البيئة التنافسية، لم تعد الدول الأفريقية مضطرة إلى قبول الشروط التي تفرضها أي قوة بعينها.
بل أصبح بإمكانها الموازنة بين الشركاء المختلفين واختيار ما يخدم مصالحها الوطنية بصورة أفضل.
وهذا يعني أن النفوذ الأمريكي لم يعد يُقاس بما تملكه واشنطن من أدوات، بل بمدى قدرتها على تقديم قيمة مضافة حقيقية مقارنة بمنافسيها.
هل تخسر الولايات المتحدة أفريقيا؟
الإجابة الأكثر دقة هي: ليس بعد.
فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك عناصر قوة مهمة داخل القارة، تشمل:
-
شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية.
-
نفوذاً مالياً ومؤسسياً كبيراً.
-
حضوراً تعليمياً وثقافياً مؤثراً.
-
برامج صحية وتنموية تركت آثاراً إيجابية ملموسة.
-
تعاوناً أمنياً ما زال مهماً لكثير من الحكومات الأفريقية.
لكن المشكلة تكمن في الاتجاه العام.
فإذا استمرت واشنطن في التعامل مع أفريقيا من خلال ملفات متفرقة مرتبطة بالهجرة أو العقوبات أو المنافسة مع الصين أو الوصول إلى المعادن، فإنها قد تفقد تدريجياً ما منحها نفوذها الحقيقي خلال العقود الماضية: القدرة على تقديم نفسها بوصفها شريكاً طويل الأمد في التنمية والاستقرار.
خاتمة: أزمة نفوذ أم أزمة رؤية؟
في جوهر الأمر، لا تواجه الولايات المتحدة أزمة حضور في أفريقيا بقدر ما تواجه أزمة رؤية استراتيجية.
فالقارة لم تعد هامشاً في السياسة الدولية، بل أصبحت إحدى الساحات الرئيسية للتنافس على الموارد والتكنولوجيا والأسواق والنفوذ السياسي.
والسؤال المطروح أمام واشنطن اليوم ليس ما إذا كانت قادرة على الاحتفاظ بمواقعها الحالية، بل ما إذا كانت قادرة على التكيف مع أفريقيا مختلفة تماماً عن تلك التي عرفتها في تسعينيات القرن الماضي أو حتى في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
فالأفارقة أصبحوا أكثر استقلالية وثقة، وأكثر قدرة على تنويع شراكاتهم الخارجية، وأقل استعداداً للقبول بعلاقات غير متكافئة.
ولهذا فإن مستقبل النفوذ الأمريكي في أفريقيا سيتحدد بدرجة أقل بما تملكه الولايات المتحدة من قوة، وبدرجة أكبر بقدرتها على إقناع الأفارقة بأن وجودها في القارة يقوم على الشراكة لا الوصاية، وعلى التنمية المتبادلة لا المقايضة المؤقتة.
وفي عالم يتجه نحو التعددية القطبية، قد لا يكون التحدي الأكبر أمام واشنطن هو منافسة الصين أو روسيا، بل إقناع أفريقيا نفسها بأنها ما زالت شريكاً يمكن الوثوق به على المدى الطويل.
نقلا عن موقع أوراسي ريفيو
