المراجعة السياسية في لبنان: أين تنتهي الأخطاء التكتيكية وتبدأ مسؤولية القرار؟
تكتسب المراجعات السياسية والعسكرية قيمتها الحقيقية عندما لا تكتفي بتشخيص الأخطاء، وإنما تمتد إلى مراجعة القرارات التي أنتجتها والافتراضات التي قامت عليها والنتائج التي ترتبت عليها. أما إذا اقتصرت المراجعة على الأداء التنفيذي، مع إبقاء القرار الأساسي خارج دائرة النقاش، فإنها تتحول من أداة للتعلم والمساءلة إلى وسيلة لإعادة تفسير النتائج من دون المساس بجوهر الخيارات التي قادت إليها.
وهذا هو السؤال الذي أعاد إلى الواجهة النقاش حول موقف «حزب الله» من حرب إسناد غزة، بعد تصريحات رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النيابية محمد رعد بشأن المراجعة التي أجراها الحزب لمساره منذ 8 أكتوبر 2023.
بحسب ما نقلته تقارير لبنانية عن حديث رعد، فإن الحزب أجرى مراجعة لما جرى، وشخّص ما اعتبره مواضع صواب ونقاط خلل أو قصور في الأداء، مع وصف بعض ما حدث بأنه «خلل جزئي تكتيكي». وفي الوقت نفسه، ظل رعد متمسكاً بصوابية قرار إسناد غزة.
وبصرف النظر عن الموقف السياسي من الحزب أو من قرار إسناد غزة، تطرح هذه الصياغة سؤالاً أوسع يتعلق بطبيعة المراجعة نفسها: هل نحن أمام مراجعة للأداء، أم مراجعة للقرار؟
من مراجعة الأداء إلى مراجعة القرار
هناك فرق جوهري بين أن تسأل مؤسسة ما: أين أخطأنا في تنفيذ قرار اتخذناه؟ وأن تسأل: هل كان القرار نفسه صحيحاً منذ البداية؟
في الحالة الأولى، تظل الفرضية الأساسية للقرار صحيحة، ويصبح المطلوب تصحيح الأدوات والتكتيكات. أما في الحالة الثانية، فإن المؤسسة تعيد النظر في الفرضيات التي سبقت القرار، وفي تقدير المخاطر، وفي البدائل التي كانت متاحة أمامها.
ولهذا فإن المراجعة الجادة لأي قرار استراتيجي يفترض أن تجيب عن مجموعة من الأسئلة المتتابعة: ما الهدف الذي كان القرار يسعى إلى تحقيقه؟ من اتخذه؟ ما المعلومات والتقديرات التي استند إليها؟ ما النتائج التي كانت متوقعة؟ ماذا حدث فعلاً؟ وما الفارق بين النتيجة المتوقعة والنتيجة الفعلية؟
ثم يأتي السؤال الأكثر حساسية: من يتحمل مسؤولية الفجوة بين الاثنين؟
إذا انتهت المراجعة إلى أن القرار الاستراتيجي كان صحيحاً، وأن الخلل اقتصر على التنفيذ، فهذا استنتاج مشروع يمكن الدفاع عنه سياسياً، لكنه يحتاج إلى أدلة وتفسير. أما الاكتفاء بوصف الإخفاقات بأنها تكتيكية من دون عرض كيفية الوصول إلى هذه النتيجة، فيترك جوهر القرار خارج الاختبار.
قرار الإسناد بين الحسابات العسكرية والسياسية
تكمن حساسية المسألة اللبنانية في أن قرار فتح جبهة الإسناد لم يكن قراراً عسكرياً تقنياً فحسب، بل كان جزءاً من تصور سياسي وأمني أوسع.
ومن هنا فإن تقييمه لا يمكن أن يقتصر على السؤال المتعلق بقدرة الوحدات العسكرية على تنفيذ المهام المطلوبة منها. بل ينبغي أن يشمل أيضاً الحسابات التي سبقت القرار: ماذا كان متوقعاً من الرد الإسرائيلي؟ ما السيناريوهات التي جرى وضعها لاحتمالات توسع الحرب؟ ما حجم الكلفة التي كان يمكن أن يتحملها لبنان؟ وما النتائج السياسية والعسكرية التي كان الحزب يتوقع تحقيقها؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية كلما ارتفعت كلفة القرار.
ففي القرارات الاستراتيجية، لا يكفي أن يكون الهدف المعلن مشروعاً من وجهة نظر أصحابه؛ إذ ينبغي أيضاً تقييم العلاقة بين الهدف والوسيلة، وبين المكاسب المتوقعة والكلفة المحتملة.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين شرعية الهدف كما يراه صاحبه، وصوابية الوسيلة التي اختارها لتحقيقه. فهما ليسا الشيء نفسه.
معضلة السلاح والاستراتيجية الدفاعية
تتجاوز القضية حدود تقييم حرب بعينها لتصل إلى سؤال قديم في السياسة اللبنانية: من يملك قرار استخدام القوة العسكرية؟
فمسألة سلاح «حزب الله» ظلت مرتبطة منذ سنوات بالنقاش حول الاستراتيجية الدفاعية اللبنانية. وقد طُرح هذا الملف على طاولة الحوار الوطني في أعقاب حرب 2006، مع اختلاف القوى اللبنانية حول طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تنشأ بين الجيش اللبناني وسلاح الحزب.
وتجدد النقاش خلال السنوات الأخيرة حول مفهوم الاستراتيجية الدفاعية أو استراتيجية الأمن الوطني، فيما تؤكد مواقف رسمية لبنانية أن الدولة ينبغي أن تكون صاحبة قرار الحرب والسلم، وأن بناء استراتيجية أمن وطني يجب أن يكون على المستويات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية.
في المقابل، ظل «حزب الله» يربط البحث في مصير سلاحه بالتوصل إلى استراتيجية دفاعية أو أمنية وطنية، بما يبقي مسألة السلاح جزءاً من تسوية سياسية وأمنية أوسع.
وهنا تظهر معضلة سياسية يصعب تجاوزها: هل تُبنى الاستراتيجية الدفاعية أولاً ثم تحدد وظيفة السلاح في إطارها، أم يُحافظ على السلاح القائم أولاً ثم تُصاغ الاستراتيجية بما يستوعب دوره؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست تقنية؛ فهي تحدد طبيعة الدولة نفسها، ومركزية قرار الحرب والسلم، وحدود استقلال القرار الوطني.
الدولة والحزب: مسؤوليات متداخلة أم متعارضة؟
أحد أكثر جوانب النقاش حساسية هو العلاقة بين الحزب والدولة.
فالحزب يشارك في المؤسسات السياسية اللبنانية، وله كتلة نيابية وحضور حكومي وسياسي، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بقدرات عسكرية مستقلة عن الجيش اللبناني.
هذا الوضع ينتج علاقة مركبة بين الفاعل الحزبي والفاعل الرسمي. فعندما يتعلق الأمر بالقرار السياسي، يصبح الحزب جزءاً من النظام السياسي؛ لكن عندما يتعلق الأمر بالقرار العسكري، يبقى النقاش حول حدود استقلال قراره العسكري عن مؤسسات الدولة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن العلاقة يمكن اختزالها في ثنائية بسيطة بين «الحزب» و«الدولة». فالحياة السياسية اللبنانية أكثر تعقيداً، كما أن مواقف القوى اللبنانية من سلاح الحزب والاستراتيجية الدفاعية ليست متطابقة.
لكن السؤال المؤسسي يبقى قائماً: كيف يمكن لدولة واحدة أن تمتلك أكثر من مركز لاتخاذ القرارات المتعلقة باستخدام القوة؟
وهذا السؤال يتجاوز «حزب الله» إلى بنية النظام السياسي اللبناني نفسه.
المساءلة ليست بالضرورة نفياً للمقاومة
من أكثر النقاط أهمية في النقاش التمييز بين المساءلة السياسية وبين الموقف من مفهوم المقاومة.
فالمساءلة لا تفترض بالضرورة إنكار حق أي جماعة أو تيار في الدفاع عن موقفه السياسي، ولا تعني بالضرورة التقليل من التضحيات التي قدمها المقاتلون أو السكان في جنوب لبنان.
المساءلة تعني شيئاً أكثر تحديداً: أن يكون للقرارات التي تترتب عليها كلفة عامة أصحاب قرار معروفون، وأن تكون هناك آلية لمناقشة تلك القرارات ونتائجها.
وفي الدول الحديثة، لا تتعارض هذه القاعدة مع تقدير التضحيات العسكرية أو الاعتراف بالمخاطر الأمنية. بل إن الاعتراف بالتضحيات يفترض، من ناحية أخرى، أن تكون القرارات التي تُرسل الناس إلى الحرب خاضعة لمستوى مناسب من المسؤولية السياسية.
ومن هنا فإن السؤال ليس فقط: هل كانت هناك أسباب لاتخاذ قرار الإسناد؟
بل أيضاً: هل كانت هناك بدائل؟ وما تقدير المخاطر؟ وهل تغيرت التقديرات مع تغير ظروف الحرب؟ وهل جرى تعديل القرار عندما تغيرت المعطيات؟
الجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية
تزداد حساسية المساءلة عندما تكون آثار القرار مركزة في منطقة محددة.
فالجنوب اللبناني ليس مجرد ساحة عمليات عسكرية، بل منطقة مأهولة بالسكان ولها تركيبتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الخاصة. ولذلك فإن سكانه لا يمكن النظر إليهم باعتبارهم مجرد امتداد جغرافي لقرار عسكري.
ومن هنا تكتسب المشاركة الاجتماعية والسياسية في النقاش أهمية خاصة.
فاللبنانيون الذين يعيشون في مناطق الحرب، أياً كانت انتماءاتهم السياسية أو الطائفية، يملكون حقاً في معرفة الكيفية التي اتخذت بها القرارات التي أثرت مباشرة في حياتهم وأمنهم وممتلكاتهم.
وهذا لا يعني افتراض موقف موحد داخل البيئة الشيعية أو الجنوبية من «حزب الله» أو من خياراته. على العكس، فإن اختزال الطائفة أو المنطقة في موقف تنظيم سياسي واحد قد يحجب تنوع المواقف داخلها.
وهنا تحديداً يصبح النقاش حول المساءلة نقاشاً حول المواطنة السياسية: هل يستطيع المواطن أن يؤيد المقاومة، أو يعارض قراراً عسكرياً، أو يطلب تفسيراً له، من دون أن تتحول هذه المواقف إلى اختبار للولاء السياسي أو الطائفي؟
المشكلة في تعريف «الخلل»
ربما يكون التعبير عن وجود «خلل تكتيكي» مفيداً إذا كان جزءاً من مراجعة شاملة تتضمن تحديد طبيعة الأخطاء وأسبابها ونتائجها.
لكن وصف الخلل بأنه تكتيكي يضع ضمناً حدوداً للمراجعة: القرار الأساسي يبقى خارج دائرة الشك، فيما تتم مراجعة أدوات تنفيذه.
وهنا يصبح السؤال المنهجي أكثر أهمية من السؤال السياسي: ما المعايير التي تجعل الخطأ تكتيكياً لا استراتيجياً؟
إذا كانت النتائج مختلفة بصورة كبيرة عن التوقعات الأصلية، فقد يكون من الضروري إعادة فحص الافتراضات التي بني عليها القرار. وإذا كان القرار قد حقق بعض أهدافه لكنه أدى في الوقت نفسه إلى كلفة تفوق التقديرات السابقة، فإن الحكم عليه يحتاج إلى تحليل متعدد الأبعاد، لا إلى توصيف واحد.
بمعنى آخر، لا يمكن تحديد طبيعة الخطأ من حجم الخسائر وحده، كما لا يمكن تحديد نجاح القرار من تحقق هدف واحد فقط.
ما الذي ينبغي أن تتضمنه المراجعة؟
إذا كان «حزب الله» قد أجرى بالفعل مراجعة لمساره منذ أكتوبر 2023، فإن القيمة السياسية لهذه المراجعة ستتحدد بدرجة كبيرة بقدرتها على الإجابة عن أسئلة محددة.
أولاً، مراجعة التقديرات: ماذا كان الحزب يتوقع أن يحدث عند فتح جبهة الإسناد؟
ثانياً، مراجعة البدائل: هل كانت هناك خيارات أخرى لتحقيق الأهداف المعلنة بكلفة أقل؟
ثالثاً، مراجعة النتائج: ما الذي تحقق عسكرياً وسياسياً، وما الذي لم يتحقق؟
رابعاً، مراجعة المسؤولية: كيف توزعت المسؤولية بين القيادات السياسية والعسكرية؟
خامساً، مراجعة العلاقة مع الدولة: كيف يمكن منع تكرار ازدواجية القرار في القضايا التي تتعلق بالحرب والسلم؟
وسادساً، مراجعة المستقبل: هل سيؤدي الدرس المستخلص من الحرب إلى تعديل العقيدة أو طريقة اتخاذ القرار، أم سيقتصر على تحسين الأداء العسكري؟
هذه الأسئلة لا تفترض مسبقاً أن قرار الإسناد كان خاطئاً، كما لا تفترض أنه كان صائباً. إنها ببساطة تنقل النقاش من مستوى الشعارات إلى مستوى اختبار القرار بالوقائع والنتائج.
الاختبار الحقيقي: هل يمكن مراجعة القرار نفسه؟
في النهاية، لا تكمن أهمية المراجعة في أن تعترف مؤسسة ما بوجود أخطاء؛ فهذه خطوة يمكن أن تكون ضرورية، لكنها ليست كافية.
المراجعة الأكثر عمقاً هي التي تسمح باختبار القرار الأصلي نفسه، حتى لو انتهت إلى تأكيد صوابه.
وهذا هو الفارق بين مراجعة تبحث عن التعلم ومراجعة تبحث عن حماية الرواية السياسية.
فإذا خلصت المراجعة إلى أن قرار إسناد غزة كان صائباً، فإن ذلك يحتاج إلى شرح: ما الأهداف التي تحققت؟ وما المعايير التي جرى استخدامها للحكم على نجاحه؟ وكيف تفسر الخسائر والكلفة في ضوء تلك الأهداف؟
أما إذا خلصت إلى وجود أخطاء استراتيجية، فإن القيمة الحقيقية للمراجعة تظهر في القدرة على تعديل المسار.
وفي الحالتين، تبقى المسألة الأهم هي بناء آلية واضحة للمسؤولية السياسية والعسكرية عن القرارات التي تؤثر في حياة ملايين المواطنين.
لقد دخل لبنان منذ سنوات في نقاش طويل حول السلاح والاستراتيجية الدفاعية وقرار الحرب والسلم. ومع التطورات التي شهدتها البلاد منذ أكتوبر 2023، لم يعد السؤال متعلقاً فقط بمستقبل سلاح «حزب الله»، وإنما أيضاً بكيفية اتخاذ القرار الذي يقود إلى الحرب، وبالجهة التي تملك حق اتخاذه، وبالآلية التي يمكن من خلالها محاسبة أصحاب القرار على نتائجه.
وهذا ربما هو الاختبار الحقيقي لأي مراجعة: ألا تكتفي بالسؤال عن كيفية تنفيذ القرار، بل أن تمتد إلى السؤال الأهم: لماذا اتُّخذ القرار أصلاً، وما الذي كان متوقعاً منه، وماذا تحقق فعلاً، ومن يتحمل مسؤوليته؟
