باكستان وأفغانستان تنزلقان نحو حرب مفتوحة
تتمتع باكستان بتفوق عسكري واضح، لكن جغرافيا أفغانستان تحدّ من هذا التفوق، ما يجعل أي مواجهة طويلة الأمد فخًا للطرفين.
فشل الرهان الباكستاني على أن حكم طالبان سيؤدي إلى استقرار حدودها الغربية، إذ شكّلت عملية «غضب لِلحق» منعطفًا خطيرًا جديدًا في مسار التصعيد بين البلدين.
يمثل التصعيد الأخير بين باكستان وأفغانستان أحد أخطر التحولات في العلاقات بين الجارتين منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس/آب 2021. فما بدأ بمناوشات حدودية متكررة واتهامات متبادلة بإيواء جماعات مسلحة، تطور إلى دائرة من الردود المتبادلة تنذر بتحويل حدود لطالما اتسمت بالهشاشة إلى منطقة صراع عسكري مفتوح، بتداعيات تتجاوز جنوب آسيا.
إن كثافة العمليات الأخيرة، واتساع نطاقها الجغرافي، وتصاعد الخطاب السياسي المصاحب لها، تشير إلى أن إسلام آباد وكابل قد تجاوزتا عتبة نفسية جديدة: فقد حلّت رسائل الردع محل إدارة الأزمات، وأصبحت الاشتباكات التكتيكية تحمل أبعادًا استراتيجية.
وقدمت باكستان عملياتها العسكرية الأخيرة، المعروفة باسم «عملية غضب لِلحق»، على أنها رد دفاعي على إطلاق نار عابر للحدود دون استفزاز، واستمرار نشاط الجماعات المسلحة. ويعكس هذا التصعيد انهيار التوقع الباكستاني القديم بأن حكم طالبان سيحقق الاستقرار على حدودها الغربية.
من توتر مُدار إلى مواجهة مفتوحة
يشكل خط دوراند حدودًا تمتد لنحو 2600 كيلومتر بين باكستان وأفغانستان، ولا تزال كابل ترفض الاعتراف به كحد دولي رسمي. وعلى مدى عقود، جرى احتواء الاضطرابات على طول هذه الحدود عبر وساطات قبلية وترتيبات غير رسمية وانخراط عسكري محدود. غير أن هذا التوازن الهش بدأ يتآكل.
تشن باكستان حاليًا عمليات عسكرية تشمل قوات جوية وبرية على نطاق أوسع مما شهدته الاشتباكات الحدودية السابقة. وأكد مسؤولون عسكريون في إسلام آباد أن الرد كان ضروريًا لحماية السيادة الوطنية والمدنيين، بعد هجمات مزعومة شنها مسلحون أفغان على قواعد عسكرية داخل الأراضي الباكستانية.
من جهتها، أقرت طالبان بوقوع ضربات، لكنها رفضت الرواية الباكستانية وقدمت سرديتها الخاصة بشأن عمليات ردّية.
ووفق الرواية الباكستانية، نفذت قوات الأمن عمليات عبر عدة قطاعات حدودية، منها باجور وخيبر ومهمند وكُرّم وتشترال، بعد تعرض نقاط حدودية لإطلاق نار. وأكدت السلطات أن الاستهداف اقتصر على مواقع عدائية ومخابئ مسلحين بعد أن بادرت بالهجوم، مشددة على أن العمليات كانت «منضبطة» وتركزت على أهداف عسكرية مشروعة.
غير أن النزاع الإقليمي المستمر بين الطرفين يكرّس حالة من الغموض، إذ لا توجد أدلة قاطعة تدعم الروايات المتضاربة. لكن التحول العملياتي بات واضحًا، إذ أبدت باكستان استعدادًا لاستهداف ليس فقط البنية التحتية للجماعات المسلحة، بل أيضًا الموارد العملياتية المرتبطة بأنشطة حكومة طالبان.
ويمثل ذلك تحولًا عن أساليب مكافحة الإرهاب السابقة التي اعتمدت على مقاربات غير مباشرة بدل الضغط العسكري المباشر.
ديناميات التصعيد
أفاد مسؤولون باكستانيون بمحاولات استهداف مواقع حدودية باستخدام طائرات مسيّرة رباعية ومسيّرات هجومية، مؤكدين اعتراضها قبل إحداث أضرار، في مؤشر على أن الأدوات التكنولوجية تعيد تشكيل طبيعة النزاع الذي كان منخفض الحدة سابقًا.
ومن الحوادث البارزة التي أشارت إليها باكستان قصفٌ ألحق أضرارًا بمسجد في باجور، معتبرة أن الحادث يبرز خطر امتداد النيران العابرة للحدود إلى أهداف مدنية. ويضفي سقوط ضحايا مدنيين، لا سيما في مواقع دينية، بُعدًا رمزيًا خطيرًا يضيق هامش ضبط النفس سياسيًا لدى الطرفين.
سارعت القيادة السياسية الباكستانية إلى الاصطفاف خلف القوات المسلحة، مقدمة الرد باعتباره دفاعًا عن النفس لا تصعيدًا. ورفض وزير الإعلام عطاء الله تارار ما وصفه بـ«الدعاية العدائية»، فيما شدد قادة أقاليم، بينهم رئيسة وزراء البنجاب مريم نواز ورئيس وزراء السند مراد علي شاه، على أن سلامة الأراضي غير قابلة للتفاوض.
يعكس هذا الخطاب المنسق وحدة داخلية ورسالة حزم خارجية، مع استمرار إسلام آباد في التأكيد على رغبتها بعلاقات مستقرة مع أفغانستان، لكنها تعتبر العمل العسكري دفاعًا مشروعًا لاستعادة الردع.
معضلة "تحريك طالبان باكستان"
تتمحور الأزمة حول عودة نشاط «تحريك طالبان باكستان» (TTP)، الذي أعاد تشكيل حسابات الأمن في إسلام آباد. وتتهم باكستان الحركة بالعمل من الأراضي الأفغانية دون قيود كافية من سلطات طالبان، وهو ما تنفيه كابل.
وبصرف النظر عن الروايات المتعارضة، فقد تصاعد العنف المسلح في المناطق الحدودية الباكستانية بشكل ملحوظ، ما دفع إسلام آباد إلى إعادة تقييم افتراضها بأن حكم طالبان سيمنحها «عمقًا استراتيجيًا». وبدلًا من ذلك، تبدو أفغانستان مصدرًا متزايدًا للتهديد.
تعتمد باكستان الآن على الضربات العابرة للحدود كأداة «دبلوماسية قسرية» لدفع طالبان إلى التحرك ضد الجماعات المعادية لها. لكن مواجهة «تحريك طالبان باكستان» تنطوي على مخاطر داخلية لطالبان، نظرًا للروابط الأيديولوجية والتاريخية بين الفصائل. وقد يؤدي التحرك الحاسم ضد الحركة إلى انقسامات داخلية.
وهكذا، يواجه الطرفان قيودًا بنيوية تعقّد فرص التسوية.
تفوق عسكري وحدود الجغرافيا
الفجوة العسكرية بين البلدين كبيرة. فباكستان تمتلك قوة جوية حديثة، وقدرات مراقبة متقدمة، وردعًا نوويًا، بدعم من تعاون دفاعي وثيق مع الصين. في المقابل، تعتمد طالبان على قوات مشاة خفيفة ومعدات ورثتها عقب انهيار الجمهورية الأفغانية السابقة.
ورغم التفوق التكنولوجي الباكستاني، فإن طبيعة أفغانستان الجغرافية حدّت تاريخيًا من فعالية التفوق التقليدي. ومن المرجح أن تتحول أي مواجهة مطولة إلى صراع غير متماثل، يفاقم انعدام الأمن في المناطق الحدودية الباكستانية ويعمّق هشاشة الاقتصاد والحوكمة في أفغانستان.
تدخلات إقليمية
تعكس ردود الفعل الدولية مخاوف من اتساع التصعيد إلى أزمة إقليمية أوسع. فقد دعت الصين، التي تربطها علاقات قوية بباكستان وتتعامل براغماتيًا مع كابل، إلى ضبط النفس وعرضت الوساطة، خشية تأثير الاضطرابات على مصالحها الاقتصادية واحتمال تسلل المسلحين إلى غرب الصين.
كما عرضت إيران تسهيل الحوار، فيما حثّت الأمم المتحدة ودول خليجية على خفض التصعيد لتفادي زعزعة الاستقرار مجددًا في منطقة تربط جنوب آسيا بوسطها.
جاء العنف الأخير عقب جولات تفاوض فاشلة بوساطة قطر وتركيا وغيرهما. فقد عالجت اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة التوترات الفورية دون معالجة جذور انعدام الثقة.
تطالب باكستان بتحرك حاسم ضد الجماعات المسلحة، بينما تسعى طالبان إلى الاعتراف الدولي والتطبيع الاقتصادي واحترام السيادة. وفي ظل غياب حوافز كافية أو مرونة سياسية، تظل الدبلوماسية رد فعل لا أداة وقائية.
تراهن إسلام آباد على أن الضغط العسكري المحسوب قد يغير سلوك طالبان، لكن الإفراط في القوة قد يعزز التيارات المتشددة داخل أفغانستان ويغذي المشاعر المعادية لباكستان. وفي المقابل، قد تراهن طالبان على أن الضغوط الاقتصادية تحدّ من قدرة باكستان على التصعيد، وهو تقدير قد يسيء فهم استعداد إسلام آباد للتحرك حين تتصاعد الضغوط الأمنية داخليًا. ويزيد سوء قراءة النوايا المتبادلة من خطر الانزلاق غير المقصود.
صراع غير مستدام
رغم الخطاب الحاد، لا تخدم المواجهة الطويلة مصالح أي من البلدين. تواجه باكستان ضغوطًا اقتصادية وتحديات أمنية داخلية، فيما تعاني أفغانستان أزمة إنسانية وعزلة دولية.
وسيؤدي استمرار التصعيد إلى تعميق عدم الاستقرار في منطقة تعاني أصلًا من تنافس القوى الكبرى وضعف مؤسسات الحكم.
يتطلب خفض التصعيد آليات تتيح لكل طرف إعلان مكاسب سياسية دون إذلال استراتيجي، مثل مراقبة حدودية مشتركة بوساطة طرف ثالث، وتنسيق محدود في مكافحة الإرهاب، وإجراءات بناء ثقة تدريجية مرتبطة بالتجارة والمساعدات الإنسانية.
وفي غياب هذه الخطوات، قد تتحول الحدود إلى بؤرة نزاع دائم تُدار عبر الردود المتبادلة بدل الحلول. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، قد تصبح الاشتباكات العابرة للحدود أمرًا معتادًا، ويتصاعد تسليح الحدود، مع دور وساطة أكبر لقوى خارجية، خصوصًا الصين.
تكشف الأزمة أن النظام الإقليمي بعد 2021 لا يزال غير مستقر. وما لم تستعد إسلام آباد وكابل براغماتية دبلوماسية، فإن النجاحات العسكرية التكتيكية لن تؤدي إلا إلى تكريس انعدام أمن طويل الأمد. ففي أكثر حدود جنوب آسيا هشاشة، يبقى التصعيد سهلًا، فيما يظل الاستقرار الخيار الأصعب.
