المغرب وتشابكات أمن الحدود في المتوسط

دراسات وأبحاث - د. محمد شتاتو
د. محمد شتاتو
محلل سياسي وأستاذ علوم التربية بجامعة محمد الخامس - الرياض

مقدمة

تُعد العلاقة بين المغرب وأوروبا في مجال أمن الحدود واحدة من أكثر أبعاد السياسة الأورومتوسطية المعاصرة تعقيدًا ومفارقة. فهي في الوقت نفسه شراكة أمنية، وصفقة لإدارة الهجرة، ومساومة جيوسياسية، وعلاقة اقتصادية، وساحة لخلافات مستمرة حول السيادة وحقوق الإنسان والمسؤولية، وحول معنى الحدود الخارجية لأوروبا. فقد أصبح المغرب طرفًا لا غنى عنه في الجهود الأوروبية للسيطرة على الهجرة غير النظامية عبر طرق غرب المتوسط والمحيط الأطلسي، في حين تظل أوروبا شريك المغرب الاقتصادي والتجاري والاستثماري والدبلوماسي الرئيسي، ومن ثم طرفًا لا غنى عنه بالنسبة إليه. غير أن هذا الاعتماد المتبادل لم ينتج علاقة مستقرة أو متكافئة، بل أفرز ما يمكن وصفه على نحو أدق بأنه تشابك معقد: شبكة كثيفة من المصالح المتداخلة، والتوقعات المتعارضة، وحالات الغموض المؤسسي، والتصورات المتنافسة للسيادة.

وتبدو المفارقة الأساسية واضحة. فأوروبا تتوقع، على نحو متزايد، من المغرب أن يؤدي دور الحاجز الواقي لحدود تُعد قانونيًا أوروبية، لكنها تقع جغرافيًا، في جانب مهم منها، خارج أراضي الاتحاد الأوروبي. أما المغرب، من جانبه، فيتحمل قدرًا كبيرًا من المسؤولية عن مكافحة الهجرة وتعزيز الأمن العابر للحدود، لكنه يصر في الوقت نفسه على أن تعاونه لا يمكن اختزاله في دور «حارس حدود أوروبا». ويقر الاتحاد الأوروبي نفسه بأهمية المغرب بوصفه شريكًا استراتيجيًا في حوكمة الهجرة وإدارة الحدود ومكافحة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، مع تأكيده في الوقت ذاته ضرورة احترام هذا التعاون للحقوق الأساسية ومعايير الحماية الدولية. (Migration and Home Affairs) والنتيجة ليست تعاونًا بسيطًا ولا مواجهة مباشرة، وإنما علاقة مشروطة بدرجة كبيرة، تتشابك فيها الشراكة الأمنية بصورة مستمرة مع الدبلوماسية والتجارة وحركة التنقل والمساعدات التنموية والمصالح الجيوسياسية الأوسع.

وقد كشفت الأزمة الأخيرة حول سبتة في يوليو–أغسطس 2026 هذه التناقضات بصورة دراماتيكية. فقد أظهر التدفق الهائل للمهاجرين إلى الجيب الإسباني، أعقبه تعزيز سريع للإجراءات الأمنية المغربية والإسبانية، الأهمية الاستثنائية للتنسيق الثنائي من جهة، وهشاشة نظام يعتمد بدرجة كبيرة على التعاون العملياتي لدولة ثالثة من جهة أخرى. وأفادت رويترز بأن أكثر من 72 ألف شخص اندفعوا نحو سبتة خلال أزمة يوليو، وأن عشرات الأشخاص لقوا حتفهم، قبل أن يعزز المغرب لاحقًا إجراءاته الأمنية ويعتقل مهاجرين حاولوا تنفيذ عمليات عبور جديدة. (Reuters) ولذلك، لا ينبغي فهم هذه الواقعة باعتبارها مجرد أزمة هجرة أخرى، بل بوصفها اختبارًا كاشفًا للضغوط التي يمكن أن يتعرض لها نظام إسناد حماية الحدود الأوروبية إلى الخارج.

من الحدود الأوروبية إلى المنطقة العازلة المغربية

لا يمكن فهم هذا التشابك المعقد المعاصر من دون دراسة التحول الذي طرأ على الحدود الأوروبية ذاتها. فقد كانت التصورات التقليدية للحدود تنظر إليها باعتبارها خطًا إقليميًا يفصل بين دولتين ذواتي سيادة. لكن التكامل الأوروبي أدى إلى تعقيد هذا النموذج، من خلال إلغاء العديد من الحدود الداخلية، بالتزامن مع تعزيز الحدود الخارجية لمنطقة شنغن. وهكذا انتقلت الرقابة على الحدود إلى الخارج، وأصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بالسياسة الخارجية، والتعاون الإنمائي، واتفاقات الشرطة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وترتيبات إعادة القبول، والشراكات مع دول المنشأ والعبور.

وقد صاغت لافينيكس (2006) هذا المسار بصورة شهيرة باعتباره انتقالًا في سياسات مراقبة الهجرة «إلى أعلى وإلى الخارج»: إلى أعلى، باتجاه الحوكمة الأوروبية؛ وإلى الخارج، باتجاه مجال العلاقات الخارجية. كما أوضحت بيالاسيفيتش (2012) كيف يمتد العمل الأوروبي المتعلق بالحدود إلى ما هو أبعد بكثير من الحدود الإقليمية للاتحاد الأوروبي، محولًا الدول المجاورة إلى مكونات عملياتية في عملية أمننة الحدود الأوروبية. وتمثل الحالة المغربية أحد أوضح تجليات هذا التحول؛ فالمغرب في الوقت نفسه دولة ذات سيادة في شمال أفريقيا، ودولة أفريقية رئيسية في مجال الهجرة، وأرض عبور، ومكوّن عملياتي لا غنى عنه في منظومة الحدود الجنوبية لأوروبا.

وقد حققت عملية إسناد ضبط الحدود إلى الخارج فوائد عملية لأوروبا. فمن خلال منع المهاجرين من الوصول إلى الأراضي الأوروبية أصلًا، تستطيع الدول الأوروبية نقل نقطة التدخل من إجراءات اللجوء ومرافق الاستقبال داخل أوروبا إلى الوقاية والاعتراض والمراقبة والاحتواء خارجها. ويصف الاتحاد الأوروبي نفسه الآن الإدارة المتكاملة للحدود بأنها تشمل منع وكشف الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود، مع اشتراط وجود آليات للتعرف إلى الأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية الدولية.

غير أن نموذج إسناد الحدود إلى الخارج يولد مشكلة عميقة تتعلق بالمساءلة. فعندما تُمارس عمليات ضبط الحدود الأوروبية عبر الأراضي المغربية أو من خلال المؤسسات الأمنية المغربية، تصبح الحدود الفاصلة بين المسؤولية الأوروبية والمسؤولية المغربية غير واضحة. فمن يتحمل المسؤولية عندما تُستخدم القوة على الجانب المغربي من الحدود؟ ومن يتحمل مسؤولية المهاجرين الذين يتم اعتراضهم قبل وصولهم إلى الولاية القضائية الأوروبية؟ وما الآليات التي تضمن لهم الوصول إلى إجراءات اللجوء؟ وأين تنتهي إدارة الحدود الأوروبية وتبدأ سلطة المغرب السيادية؟

هذه الأسئلة ليست مجرد تفاصيل قانونية تقنية؛ بل تقع في صميم السياسة المعاصرة للحدود المتوسطية.

المغرب بوصفه شريك أوروبا الأمني في الجنوب

تتجاوز أهمية المغرب بالنسبة إلى أوروبا ملف الهجرة بكثير. فالمغرب شريك مهم في مكافحة الإرهاب، والتعاون الاستخباراتي، ومكافحة الجريمة المنظمة، ومكافحة الاتجار بالبشر، والمراقبة البحرية، والأمن الإقليمي الأوسع. وتعمل وكالة فرونتكس، ويوروبول، وأجهزة الأمن الأوروبية الوطنية، داخل بيئة أمنية مترابطة بصورة متزايدة، يحتل فيها المغرب موقعًا استراتيجيًا بين أوروبا وغرب أفريقيا والمحيط الأطلسي والبحر المتوسط.

ويصف الاتحاد الأوروبي علاقته بالمغرب بأنها «شراكة قوية»، تستند إلى اتفاقية الشراكة لعام 1996، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2000، وتعززت بحصول المغرب على «الوضع المتقدم» عام 2008. وتحدد المفوضية الأوروبية إدارة الحدود ومكافحة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر باعتبارها مجالات مهمة للدعم الأوروبي المقدم إلى المغرب. كما عزز التطور المؤسسي لوكالة فرونتكس منظومة أمن الحدود الأوروبية الأوسع؛ إذ أصبحت الوكالة طرفًا مركزيًا في الإدارة المتكاملة للحدود الأوروبية، وتدعم الدول الأعضاء في إدارة الحدود الخارجية وعمليات العودة والأمن العابر للحدود. (Migration and Home Affairs)

ومن ثم فإن الإسهام الأمني المغربي كبير، ويشمل مراقبة المداخل البرية والبحرية، وتفكيك شبكات التهريب، ومنع عمليات الانطلاق، واعتراض المهاجرين قبل وصولهم إلى الأراضي الأوروبية، وتنسيق المعلومات الاستخباراتية مع السلطات الأوروبية. وتشير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى أن إسبانيا والمغرب كثفا التنسيق العملياتي في مجال إدارة الحدود والمراقبة البحرية خلال عام 2025، بالتزامن مع انخفاض ملحوظ في الهجرة غير النظامية على الطريق الأفريقي الغربي. (European Union Agency for Asylum)

ويكشف هذا التعاون عن حقيقة مركزية: أمن الحدود الأوروبية يعتمد بصورة متزايدة على قدرات أمنية موجودة خارج أوروبا.

لكن الاعتماد يولد بدوره قوة تفاوضية. فالمغرب ليس مجرد منفذ للسياسة الأوروبية، بل يمتلك أوراق قوة جغرافية ودبلوماسية وعملياتية. فموقعه يعني أن أهداف الأمن الأوروبية لا يمكن تحقيقها من دون مشاركته. وبناءً على ذلك، أصبحت الهجرة جزءًا من استراتيجية مغربية أوسع للمساومة الاستراتيجية، حيث يمكن أن تتشابك الهجرة والأمن وقضية الصحراء الغربية والتجارة والاستثمار والاعتراف الدبلوماسي.

ويرى شتاتو (2026أ) أن موقع المغرب باعتباره «محطة إجبارية» للمهاجرين الأفارقة يعكس حالة من عدم التكافؤ البنيوي، إذ حولت عملية إسناد ضبط الحدود الأوروبية إلى الخارج المغربَ إلى منطقة عازلة بين أفريقيا وأوروبا. (Eurasia Review) وتكتسب هذه الرؤية أهميتها لأنها تنقل التحليل بعيدًا عن الافتراض التبسيطي القائل إن المغرب يكتفي بـ«ضبط حدود أوروبا». فالمغرب نفسه يواجه ضغوطًا هجرية ناجمة عن صراعات وعدم مساواة وتحولات ديموغرافية وأزمات حوكمة في مناطق أخرى من أفريقيا. ومن ثم فهو يحمي أوروبا في الوقت ذاته من ضغوط الهجرة، ويتحمل بعض تبعات نظام الهجرة الأوروبي الذي أصبح أكثر تشددًا وتقييدًا.

تشابكات سبتة ومليلية

لا تظهر تعقيدات العلاقات المغربية–الأوروبية في مجال الحدود في أي مكان بوضوح كما تظهر في سبتة ومليلية. فهذان الجيبان الإسبانيان يمثلان فضاءين استثنائيين: أراضٍ إسبانية تقع في القارة الأفريقية ومحاطة بالمغرب، ومن ثم فهما التجسيد الجغرافي الأكثر وضوحًا للحدود الأفريقية لأوروبا.

أما بالنسبة إلى المغرب، فتظل السيادة على هذين الجيبين قضية لم تُحسم. وبالنسبة إلى إسبانيا، فهما جزءان لا يتجزآن من الأراضي الإسبانية. ويخلق عدم التوافق بين الموقفين توترًا بنيويًا في صميم التعاون الحدودي. فالدولتان تستطيعان التعاون على نطاق واسع في مجال مكافحة الهجرة، بينما تختلفان في الوقت نفسه حول الوضع الإقليمي للمساحات التي يدور حولها جزء كبير من هذا التعاون.

وقد أظهرت أزمة أغسطس 2026 هشاشة هذا الترتيب. فبعد عمليات العبور الجماعي في يوليو، عززت إسبانيا الإجراءات الأمنية حول سبتة، في حين كثف المغرب عملياته الأمنية الخاصة. وأفادت رويترز بأن المغرب اعتقل لاحقًا مهاجرين حاولوا الوصول إلى سبتة، بينما نشرت إسبانيا مئات العناصر الإضافية وعززت الحواجز المادية. وفي الوقت نفسه، رفضت إسبانيا تجدد النقاش المغربي حول السيادة على سبتة ومليلية، مؤكدة أن وضعهما الإقليمي غير قابل للتفاوض. (Reuters)

وهذا التعايش بين التعاون والخلاف هو جوهر هذا التشابك المعقد. فالمغرب وإسبانيا قادران على التعاون بكثافة على المستوى العملياتي، بينما يختلفان بصورة جوهرية على المستوى الجيوسياسي.

ويرى شتاتو (2026ب) أن أزمة سبتة كشفت الطابع «غير المتكافئ بنيويًا» للتعاون الحدودي المغربي–الإسباني، وأظهرت مدى سرعة تحول التعاون العملياتي إلى نقطة ضعف سياسية عندما تتقاطع القوانين الداخلية والدبلوماسية الثنائية وضغوط الهجرة. وتكتسب حجته أهمية خاصة لأنها توضح أن إدارة الحدود لا يمكن فصلها عن العلاقة السياسية الأوسع بين الدولتين. (Eurasia Review)

الصفقة الاستراتيجية: الأمن مقابل الشراكة

من الأفضل فهم التعاون الأوروبي مع المغرب في مجال الهجرة باعتباره صفقة استراتيجية، وليس مجرد عقد أمني أحادي البعد. فأوروبا تحتاج إلى المغرب لضبط الهجرة، بينما يحتاج المغرب إلى الاستثمار الأوروبي، والوصول إلى الأسواق، والاعتراف السياسي، والتكنولوجيا، وترتيبات التنقل، والمساعدات التنموية. ومن ثم فإن التعاون في مجال الهجرة مدمج داخل اقتصاد سياسي أوسع.

ويربط برنامج المفوضية الأوروبية لعام 2025 بصورة صريحة بين دعم الاستراتيجية الوطنية المغربية للهجرة واللجوء من جهة، والإدارة المتكاملة للحدود وحماية المهاجرين ودمجهم من جهة أخرى، مع التأكيد على اتباع نهج قائم على الحقوق. (Middle East, North Africa and the Gulf) وهذا يوضح الازدواجية الكامنة في السياسة الأوروبية: فالمغرب مطالب في الوقت نفسه بتعزيز قدرته الأمنية وتحسين حماية المهاجرين.

وهذه التوقعات ليست بالضرورة متناقضة من حيث المبدأ. فمن الممكن أن تتعايش الإدارة الفعالة للحدود مع حماية حقوق الإنسان. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح الأولوية السياسية لمنع وصول المهاجرين أكبر من الأولوية الممنوحة لضمان الوصول الآمن إلى إجراءات اللجوء ومسارات التنقل القانونية.

وهنا تحديدًا يصبح النموذج الأوروبي لإسناد ضبط الحدود إلى الخارج إشكاليًا. فقد استثمرت أوروبا بصورة متزايدة في جعل الهجرة غير النظامية أكثر صعوبة، من دون أن تنشئ في المقابل مسارات قانونية على نطاق مماثل. ونتيجة لذلك، تصبح الحدود أكثر تطورًا من الناحية التكنولوجية، وأكثر عسكرة، وأكثر انتشارًا جغرافيًا، لكن الطلب الأساسي على التنقل لا يختفي.

وتجمع استراتيجية الاتحاد الأوروبي للهجرة بصورة متزايدة بين إدارة الحدود وعمليات مكافحة التهريب والإعادة والدبلوماسية المتعلقة بالهجرة. فعلى سبيل المثال، تركز خطة العمل الأوروبية بشأن طريق القنال، التي أُطلقت في يونيو 2026، على تعطيل شبكات التهريب، وتعزيز إدارة الحدود الخارجية وعمليات الإعادة، مع الدعوة في الوقت ذاته إلى التعاون مع دول المنشأ والعبور. (Migration and Home Affairs) والمنطق نفسه ينطبق على الحالة المغربية: فأوروبا تسعى إلى إدارة الهجرة على امتداد الطريق بأكمله، بدلًا من الاكتفاء بإدارتها عند خط الدخول الجغرافي.

معضلة حقوق الإنسان

تتمثل أعظم الصعوبات الأخلاقية والقانونية في العلاقات المغربية–الأوروبية بشأن أمن الحدود في التوتر بين الردع والحماية.

فمراقبة الحدود وظيفة مشروعة للدول ذات السيادة. إذ يحق للدول تنظيم الدخول إلى أراضيها، ومكافحة الاتجار بالبشر، ومنع الجريمة المنظمة، وحماية الأمن العام. غير أن السيادة مقيدة بأحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين. فالأشخاص الفارون من الاضطهاد أو من أضرار جسيمة يحتفظون بحقوق لا يمكن ببساطة إلغاؤها من خلال نقل الحدود الأوروبية إلى موقع جغرافي آخر.

ويقر الاتحاد الأوروبي نفسه بهذا التوتر. فقد أشارت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء في تقييمها لعام 2026 إلى أن النقاش حول الحدود الخارجية يدور حول تحقيق التوازن بين الاستجابات القوية لحالات الطوارئ والتهديدات، وبين ضمان الوصول الفعال إلى الحماية للأشخاص المحتاجين إليها. (European Union Agency for Asylum) وهذه الصياغة تلخص التناقض الأساسي: فكلما ازدادت قوة منظومة الردع، ازداد خطر منع الأشخاص الأكثر هشاشة من الوصول إلى الحماية.

ويواجه المغرب تناقضه الخاص أيضًا. فمنذ اعتماد الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء عام 2013، طور المغرب سياسة هجرة أكثر مؤسسية ونفذ حملات منتظمة لتسوية أوضاع المهاجرين. ومع ذلك، لا يزال جهازه الأمني منخرطًا بدرجة كبيرة في منع الهجرة غير النظامية. ويؤكد شتاتو (2026ج) أن حوكمة الهجرة المغربية تعمل عند تقاطع السيادة والأمن وحقوق الإنسان، وهو ما ينتج تناقضًا مستمرًا بين الطموحات الإنسانية والمقتضيات الأمنية. (Eurasia Review)

ومن ثم، لا ينبغي اختزال المشكلة في اتهامات موجهة إلى المغرب أو أوروبا كل على حدة. فالمشكلة الأعمق بنيوية. فعندما تمول الدول الأوروبية أو تشجع إنفاذ قوانين الحدود في دول ثالثة، فإنها تشارك فعليًا في ممارسات تجري خارج نطاق ولايتها الإقليمية المباشرة. لكنها لا تمتلك دائمًا آليات مماثلة للمساءلة الديمقراطية أو القضائية عن تلك الممارسات.

وهذا ما يمكن تسميته عجز المساءلة الناجم عن إسناد ممارسة السيادة إلى الخارج.

الهجرة كأداة دبلوماسية

توضح الحالة المغربية أيضًا تنامي الطابع السياسي للهجرة. فالتعاون في مجال الهجرة ليس مسألة تقنية بحتة. إذ يمكن أن تصبح مراقبة الحدود أداة دبلوماسية، لأن الدول التي تتحكم في طرق الهجرة الاستراتيجية تمتلك أوراق ضغط على دول المقصد.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن المغرب «يسلّح» الهجرة عمدًا كلما اندلعت أزمة. فمثل هذه الادعاءات تحتاج إلى أدلة دقيقة، ولا ينبغي افتراضها لمجرد أن تدفقات الهجرة تتقلب. فالحركات المفاجئة يمكن أن تكون ناجمة عن صعوبات اقتصادية، أو معلومات مضللة، أو شبكات تهريب، أو الأحوال الجوية، أو قرارات قضائية، أو تطورات سياسية داخلية، أو سلوك جماعي عفوي. وقد سلطت التقارير الأخيرة بشأن سبتة الضوء على دور وسائل التواصل الاجتماعي والتطورات القانونية في خلق حوافز لمحاولات العبور. (Reuters)

ومع ذلك، فإن الإمكانية البنيوية لاستخدام الهجرة كورقة ضغط لا يمكن إنكارها. فاعتماد أوروبا على الدول المجاورة يخلق حالة من الاعتماد المتبادل غير المتكافئ: إذ يمتلك الاتحاد الأوروبي نفوذًا اقتصاديًا وماليًا، بينما تمتلك دول العبور نفوذًا جغرافيًا وعملياتيًا. ويوضح كولير (2016) كيف أخذت علاقات الاتحاد الأوروبي مع دول جنوب المتوسط تعمل بصورة متزايدة من خلال المساومة الجيوسياسية حول حوكمة الهجرة. (Taylor & Francis Online)

وتفسر هذه الديناميكية التفاوضية لماذا ترتبط الهجرة بصورة متكررة، مباشرة أو غير مباشرة، بقضايا أوسع مثل التجارة، والتأشيرات، والمساعدات التنموية، والتعاون الأمني، والاعتراف الدبلوماسي.

وتعد علاقة المغرب بإسبانيا مثالًا واضحًا على ذلك. فقد أظهر استئناف وتعميق التعاون الثنائي بعد فترات من التوتر الحاد أن إدارة الهجرة يمكن أن تصبح جزءًا من تقارب استراتيجي أوسع. ومع ذلك، تظل الخلافات حول السيادة على سبتة ومليلية دون حل. والتعايش بين هاتين الحقيقتين ليس استثناءً، بل هو السمة المحددة للعلاقة.

اعتماد أوروبا على المغرب — واعتماد المغرب على أوروبا

لذلك ينبغي تصور هذه العلاقة من خلال مفهوم الاعتماد المتبادل الاستراتيجي، وليس الاعتماد من طرف واحد.

تعتمد أوروبا على المغرب بسبب الجغرافيا. فالمغرب هو أقرب شريك أفريقي رئيسي إلى إسبانيا، ويقع على طرق مهمة للهجرة في غرب المتوسط والمحيط الأطلسي. كما يحتل موقعًا استراتيجيًا مهمًا بالنسبة إلى غرب أفريقيا ومنطقة الساحل والمحيط الأطلسي.

ويعتمد المغرب على أوروبا بسبب الاقتصاد. فالتحاد الأوروبي هو شريكه التجاري والاستثماري المركزي، بينما يظل السياح الأوروبيون والتحويلات المالية والتجارة والتكامل الصناعي الأوروبي عوامل حاسمة بالنسبة إلى الاقتصاد المغربي.

ويمنح هذا الاعتماد المتبادل كلا الطرفين أوراق ضغط، لكن ليس بالقدر نفسه في كل المجالات. فأوروبا تمتلك قوة مالية وسوقية أكبر، بينما يمتلك المغرب قوة جغرافية وعملياتية كبيرة. ومن ثم فإن العلاقة ليست تبعية استعمارية، وليست شراكة متكافئة تمامًا، بل هي علاقة عدم تكافؤ تفاوضي.

وهذا التمييز ضروري. فوصف المغرب ببساطة بأنه «حارس حدود أوروبا» يقلل من شأن الفاعلية المغربية وقدرتها على المبادرة. وفي المقابل، فإن وصف السياسة الأوروبية للهجرة بأنها مفروضة بالكامل على المغرب يتجاهل الفوائد وفرص التفاوض التي يستمدها المغرب من التعاون.

والحقيقة تقع بين الموقفين.

نحو نموذج أكثر توازنًا لحوكمة الحدود

لا يمكن لمستقبل العلاقات المغربية–الأوروبية في مجال أمن الحدود أن يعتمد حصريًا على زيادة الأسوار والدوريات وأنظمة المراقبة وقدرات الاعتراض. فهذه الإجراءات يمكن أن تقلل عمليات العبور غير النظامي بصورة مؤقتة، لكنها لا تستطيع القضاء على العوامل البنيوية التي تدفع إلى الهجرة.

وينبغي أن يقوم إطار أكثر استدامة على خمسة أعمدة.

أولًا: المسؤولية المشتركة الحقيقية. ينبغي لأوروبا أن تعترف بأن إسناد مراقبة الحدود إلى الخارج ينشئ مسؤوليات مشتركة. فإذا كانت أهداف الأمن الأوروبية تعتمد على المؤسسات المغربية، فيجب أن يقترن الدعم المالي والسياسي الأوروبي بمزيد من الشفافية والمراقبة وضمانات أقوى لحقوق الإنسان.

ثانيًا: التنقل القانوني. يمكن لتوسيع فرص تنقل العمال والطلاب، والهجرة الدائرية، وبرامج الاستقدام المنظمة أن يقلل الحوافز للقيام برحلات هجرة غير نظامية وخطيرة. والاتحاد الأوروبي يدرج بالفعل الهجرة القانونية وشراكات استقطاب المواهب، بما في ذلك مع المغرب، ضمن تعاونه مع الدول الثالثة. (Migration and Home Affairs) وينبغي توسيع هذه البرامج بدلًا من التعامل معها باعتبارها عنصرًا ثانويًا مقارنة بجهود الإنفاذ والردع.

ثالثًا: العمل المشترك ضد شبكات التهريب. ينبغي التعامل مع تهريب المهاجرين باعتباره جريمة منظمة عابرة للحدود، وليس مجرد مشكلة هجرة. ويتطلب ذلك تعاونًا استخباراتيًا، وتحقيقات مالية، ومراقبة إلكترونية، وملاحقة قضائية لشبكات الاتجار والتهريب، مع ضمان ألا تتحول المساعدة الإنسانية للمهاجرين إلى جريمة.

رابعًا: نظام حدود قائم على الحقوق. ينبغي ألا يُنظر إلى أمن الحدود وحقوق الإنسان باعتبارهما هدفين متعارضين بالضرورة. فإطار السياسات الأوروبية نفسه يعترف بأن الإدارة المتكاملة للحدود تشمل آليات للتعرف إلى الأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية الدولية. (International Partnerships) والتحدي يتمثل في ترجمة هذا المبدأ إلى ممارسة عملياتية فعلية.

خامسًا: تحييد التنقل الإنساني عن التسييس. ينبغي ألا تتحول الهجرة إلى ورقة مساومة في كل خلاف دبلوماسي. فكلما جرى تحويل الهجرة إلى قضية أمنية وسياسية، أصبحت العلاقات الثنائية أكثر عرضة للأزمات المفاجئة.