النفط الليبي بين هشاشة الأمن وقوة الابتزاز: لماذا تتكرر إغلاقات المنشآت النفطية؟

دراسات وأبحاث - Foresight

لم تعد واقعة إغلاق خط أنابيب الشرارة–الزاوية في ليبيا مجرد حادث أمني عابر في قطاع النفط، بقدر ما تكشف عن مشكلة أعمق تتعلق بهشاشة البنية المؤسسية والأمنية التي تحمي المورد الاقتصادي الأهم في البلاد.

فبعد أيام من إغلاق مجموعة مسلحة أحد الصمامات الرئيسية على الخط، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط إعادة فتح الصمام واستئناف عمليات الضخ، مشيرة إلى أن توقف الخط تسبب في خسائر قدرتها بنحو 95 مليون دولار.

وقد تبدو إعادة فتح الخط في حد ذاتها خبراً إيجابياً، لكن دلالتها الأهم تكمن في السؤال الذي تطرحه: كيف يمكن لمنشأة حيوية تنقل النفط من أحد أكبر الحقول الليبية إلى ميناء تصدير رئيسي أن تتوقف بقرار من مجموعة مسلحة، ثم تعود إلى العمل بعد أيام؟

هذا السؤال يقود مباشرة إلى جوهر المعضلة الليبية: النفط ليس فقط مصدراً للإيرادات، وإنما أصبح أيضاً إحدى أهم أدوات النفوذ والضغط في الصراع على السلطة والثروة.

خط الشرارة–الزاوية: شريان نفطي استراتيجي

يربط خط الأنابيب حقل الشرارة النفطي في جنوب غربي ليبيا بمحطة الزاوية على ساحل البحر المتوسط. وتكتسب أهميته من موقعه ضمن شبكة البنية التحتية التي تربط الإنتاج النفطي في الجنوب بمرافق التكرير والتصدير في الشمال.

وتشغّل الخط شركة أكاكوس للعمليات النفطية، وهي مشروع مشترك يضم المؤسسة الوطنية للنفط وشركات دولية كبرى، من بينها ريبسول الإسبانية وتوتال إنرجي الفرنسية و«أو إم في» النمساوية وإكوينور النرويجية.

وبالتالي فإن أي تعطيل للخط لا يقتصر أثره على المؤسسة الوطنية للنفط، وإنما يمكن أن يمتد إلى الشركات العاملة في القطاع، ومستويات الإنتاج، وعائدات التصدير، وثقة المستثمرين في قدرة ليبيا على حماية بنيتها التحتية النفطية.

وتزداد حساسية الأمر لأن النفط الليبي يعتمد على شبكة محدودة نسبياً من الحقول وخطوط النقل والموانئ. وهذا يعني أن تعطيل نقطة واحدة يمكن أن ينعكس سريعاً على أجزاء واسعة من سلسلة الإنتاج والتصدير.

95 مليون دولار... أكثر من مجرد خسارة مالية

تقدير المؤسسة الوطنية للنفط للخسائر الناجمة عن إغلاق الخط بنحو 95 مليون دولار يوضح حجم الكلفة المباشرة لمثل هذه العمليات.

لكن الخسائر المالية المعلنة لا تمثل بالضرورة التكلفة الكاملة.

فتوقف الإنتاج أو الضخ يمكن أن يؤدي إلى خسارة إيرادات التصدير، وإرباك خطط الإنتاج، وزيادة تكاليف إعادة التشغيل، فضلاً عن التأثير في الالتزامات التعاقدية والتشغيلية للشركات الأجنبية العاملة في القطاع.

كما أن تكرار هذه الحوادث يخلق تكلفة غير مباشرة أكثر تعقيداً تتمثل في ارتفاع المخاطر المرتبطة بالاستثمار في قطاع الطاقة الليبي.

فالشركات الدولية لا تقيس بيئة الاستثمار من خلال حجم الاحتياطيات النفطية وحده. وهي تنظر أيضاً إلى قدرة الدولة على حماية المنشآت، وضمان استمرار الإنتاج، وإنفاذ العقود، ومنع الجهات المسلحة أو المحلية من تعطيل العمليات.

ومن ثم فإن كل عملية إغلاق، حتى لو انتهت سريعاً، يمكن أن تضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى صورة القطاع النفطي الليبي.

لماذا أصبح إغلاق النفط أداة للضغط؟

المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في وقوع عمليات إغلاق، وإنما في تحولها إلى وسيلة متكررة لتحقيق مطالب سياسية أو اجتماعية أو أمنية.

فخلال السنوات الأخيرة، شهدت ليبيا حالات متعددة من إغلاق الحقول والموانئ وخطوط الأنابيب على خلفية مطالب محلية أو خلافات سياسية أو توترات أمنية.

وتكشف هذه الظاهرة عن مفارقة مهمة: كلما ازدادت أهمية النفط بالنسبة للدولة، ازدادت قيمة القدرة على تعطيله بالنسبة إلى الأطراف التي تريد الضغط عليها.

وهكذا يتحول النفط من مصدر للإيرادات إلى أداة تفاوض.

فالطرف الذي يستطيع إغلاق حقل أو خط أنابيب لا يحتاج بالضرورة إلى امتلاك سلطة سياسية رسمية حتى يؤثر في القرار الوطني. يكفيه أن يمتلك القدرة على تعطيل تدفق مورد تعتمد عليه الدولة في تمويل الإنفاق العام.

وهذا يخلق ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الابتزاز النفطي»، حيث تصبح السيطرة على نقطة في سلسلة الإنتاج وسيلة للحصول على تنازلات من السلطات المركزية.

النفط كمرآة للانقسام السياسي

يصعب فصل ظاهرة إغلاق المنشآت النفطية عن الانقسامات السياسية والمؤسسية التي تعيشها ليبيا منذ سنوات.

فالقطاع النفطي تديره مؤسسة وطنية واحدة من الناحية الرسمية، لكن إنتاج النفط وتوزيع عائداته يحدثان داخل بيئة سياسية وجغرافية شديدة التعقيد، تتداخل فيها مصالح الحكومات المتنافسة، والسلطات المحلية، والقوى المسلحة، والمجموعات الاجتماعية في مناطق الإنتاج.

ومن هنا تظهر معضلة جوهرية: الدولة تحتاج إلى النفط لتمويل مؤسساتها، لكن قدرتها على حماية منشآت النفط لا تزال مرتبطة بمدى قدرتها على فرض احتكار فعلي لاستخدام القوة.

وعندما تكون الدولة غير قادرة على ضمان ذلك الاحتكار بصورة كاملة، تصبح المنشآت النفطية عرضة للضغط من قوى تمتلك نفوذاً محلياً أو عسكرياً.

وهكذا يصبح النفط جزءاً من مشكلة الدولة الليبية بدلاً من أن يكون أحد أدوات حلها.

الجنوب الليبي... ثروة كبيرة وشعور بالتهميش

لا يمكن فهم تكرار الاحتجاجات والاضطرابات حول منشآت النفط من دون النظر إلى البعد الاجتماعي والجغرافي.

تقع نسبة مهمة من الموارد النفطية الليبية في مناطق بعيدة عن المراكز السياسية والاقتصادية الرئيسية على الساحل. وفي هذه المناطق، تتكرر المطالب المتعلقة بالتنمية المحلية، وتحسين الخدمات، والتوظيف، وتوزيع عائدات النفط.

وهنا تنشأ معادلة شديدة التعقيد: المناطق التي تستضيف الموارد لا تحصل بالضرورة على نصيب يتناسب مع القيمة الاقتصادية لهذه الموارد من وجهة نظر سكانها.

وعندما تفشل المؤسسات السياسية في توفير قنوات فعالة للتفاوض، قد تتحول السيطرة على المنشأة النفطية إلى وسيلة ضغط مباشرة.

لكن المشكلة في هذا النموذج أنه يحول الخلاف حول توزيع الثروة إلى تهديد للإنتاج نفسه.

فالمنطقة التي تطالب بحصة أكبر من العائدات قد تجد نفسها في مواجهة مع الدولة بسبب تعطيل المورد الذي يفترض أن يمول تلك العائدات أصلاً.

معضلة «النفط مقابل الاستقرار»

تكشف الواقعة الأخيرة عن حاجة ليبيا إلى تجاوز نموذج أمني يقوم على إعادة فتح المنشأة بعد إغلاقها، والانتقال إلى نموذج أكثر استدامة يمنع تعطيلها من الأساس.

إعادة فتح خط الأنابيب مهمة، لكنها تعالج النتيجة لا السبب.

فإذا كان الإغلاق ناتجاً عن مطالب اجتماعية، فإن المعالجة الأمنية وحدها لن تمنع تكرار الاحتجاجات. وإذا كان وراءه نزاع سياسي، فإن حماية الصمام لا تحل المشكلة السياسية. وإذا كان مرتبطاً بتنافس بين مجموعات مسلحة، فإن إعادة الضخ لا تنهي المنافسة على النفوذ.

ولهذا فإن حماية قطاع النفط تتطلب معالجة ثلاث دوائر في وقت واحد:

أولاً: الدائرة الأمنية، من خلال حماية المنشآت وخطوط الأنابيب والموانئ ومنع استخدامها كورقة ضغط مسلح.

ثانياً: الدائرة السياسية، عبر إيجاد آليات واضحة للتفاوض حول إدارة الموارد وتوزيع عائداتها.

ثالثاً: الدائرة الاقتصادية والاجتماعية، من خلال معالجة الفوارق التنموية بين مناطق الإنتاج والمراكز الحضرية.

ولا يمكن لأي دائرة منها أن تعمل منفردة.

الشركات الدولية أمام معادلة المخاطر

وجود شركات دولية كبرى في مشروع أكاكوس يمنح القضية بعداً آخر.

فاستمرار الشراكات النفطية الدولية يتطلب بيئة يمكن فيها للشركات أن تتوقع مستوى معقولاً من الاستقرار التشغيلي. وقد تستطيع الشركات التعامل مع المخاطر الجيوسياسية، لكنها تواجه صعوبة أكبر عندما يصبح توقف الإنتاج نتيجة قرار مفاجئ من جهة مسلحة أو محلية غير واضحة.

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالخسائر الحالية، وإنما بما إذا كانت ليبيا قادرة على تقديم ضمانات طويلة الأمد لاستمرار العمليات.

كلما تكررت عمليات الإغلاق، أصبح الاستثمار الجديد أكثر ارتباطاً بتقدير المخاطر الأمنية والسياسية، وهو ما قد ينعكس على تكلفة التشغيل، وقرارات التوسع والاستكشاف، وشروط الشركات الأجنبية للعمل في البلاد.

من حماية النفط إلى حماية الدولة

تكشف واقعة خط الشرارة–الزاوية عن قضية تتجاوز النفط نفسه.

فحين تستطيع مجموعة مسلحة إغلاق جزء من البنية التحتية التي يعتمد عليها اقتصاد الدولة، فإن القضية تصبح مرتبطة بمفهوم السيادة وقدرة المؤسسات الرسمية على إنفاذ قراراتها.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين ملكية الدولة للموارد وبين قدرتها الفعلية على التحكم في دورة الإنتاج والتصدير.

فامتلاك المؤسسة الوطنية للنفط الحق القانوني في إدارة القطاع لا يكفي إذا كانت منشآتها معرضة للإغلاق من قوى خارج التسلسل المؤسسي للدولة.

وبالتالي، فإن استعادة السيطرة على قطاع النفط لا تعني فقط حماية الحقول والموانئ، بل بناء منظومة سياسية وأمنية تجعل تعطيل الإنتاج أمراً مكلفاً وغير مجدٍ كوسيلة للضغط.

النفط الليبي بين نعمة الموارد ولعنة الانقسام

تمتلك ليبيا واحدة من أهم الثروات النفطية في أفريقيا، وكان من المفترض أن يوفر هذا المورد قاعدة اقتصادية لإعادة بناء الدولة وتمويل التنمية وتحسين مستوى المعيشة.

لكن التجربة الليبية أظهرت أن وفرة الموارد لا تؤدي تلقائياً إلى الاستقرار.

فعندما تنقسم المؤسسات السياسية، وتتنازع السلطات على الشرعية، وتحتفظ مجموعات مسلحة بقدرة مستقلة على استخدام القوة، يتحول النفط إلى مورد للصراع بدلاً من أن يكون أساساً للتوافق.

وهذا ما يجعل واقعة إغلاق خط أنابيب الشرارة–الزاوية ذات دلالة تتجاوز الخسائر التي أعلنتها المؤسسة الوطنية للنفط.

فالـ95 مليون دولار التي خسرها الاقتصاد بسبب الإغلاق تمثل الكلفة المباشرة، لكن الخسارة الأكبر تتمثل في استمرار نموذج يستطيع فيه طرف غير حكومي التأثير في أحد أهم مصادر الدخل الوطني.

المعركة الحقيقية ليست على الصمام

إعادة فتح الصمام رقم 7 أعادت تدفق النفط، لكنها لا تعني بالضرورة أن المشكلة انتهت.

المشكلة الحقيقية ليست في الصمام الذي أغلق، وإنما في البيئة التي سمحت بإغلاقه.

وطالما ظل النفط الليبي معرضاً للتعطيل كلما نشأ خلاف اجتماعي أو سياسي أو أمني، فإن المؤسسة الوطنية للنفط ستظل تعمل في بيئة استثنائية، وستظل عائدات الدولة رهينة بدرجة من الاستقرار لا تستطيع المؤسسة وحدها ضمانها.

لذلك، فإن حماية النفط الليبي لا تبدأ من خطوط الأنابيب، وإنما من إعادة بناء التوافق حول الدولة نفسها.

فالمطلوب ليس فقط ضمان استمرار ضخ النفط اليوم، بل ضمان ألا يتحول النفط غداً إلى أداة تفاوض مسلح جديدة.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: ليبيا لا تعاني من نقص في المورد الذي يمكن أن يمول استقرارها؛ بل تعاني من عدم الاستقرار الذي يمنع هذا المورد من أداء دوره كاملاً.

ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه حادثة الشرارة–الزاوية ليس فقط: مَن أغلق الصمام؟

بل السؤال الأهم هو: لماذا أصبح إغلاق الصمام في ليبيا وسيلة ممكنة للتأثير في القرار السياسي والاقتصادي للدولة؟

الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت إعادة فتح الخط مجرد عودة مؤقتة للإنتاج، أم خطوة ضمن مسار أوسع نحو حماية قطاع النفط من أن يتحول مرة أخرى إلى رهينة للصراع السياسي والأمني.