ليبيا بين أزمة الدولة وأزمة التسوية: لماذا يتحول الانسداد السياسي إلى تهديد وجودي؟
لم تعد الأزمة الليبية مجرد خلاف سياسي بين حكومتين أو صراع على الشرعية بين مؤسسات متنافسة، بل تحولت تدريجياً إلى أزمة مركبة تضرب فكرة الدولة نفسها. فالمشكلة لم تعد في من يحكم ليبيا فقط، وإنما في كيف يمكن إعادة بناء سلطة وطنية قادرة على الحكم، واحتكار القوة، وإدارة الثروة، وتقديم الخدمات، وإنهاء المرحلة الانتقالية التي طال أمدها.
ولعل أخطر ما تكشفه التطورات الأخيرة أن الفجوة بين الأزمة السياسية وحياة المواطن اليومية أصبحت تضيق بصورة متسارعة. فحين تنقطع الكهرباء، لا يرى المواطن مجرد خلل فني في شبكة الطاقة؛ وحين تتعطل الخدمات أو ترتفع الأسعار، لا ينظر إليها باعتبارها مشكلات إدارية منفصلة، وإنما باعتبارها دليلاً إضافياً على عجز الدولة. وحين تتزامن هذه الأزمات مع انسداد سياسي طويل، يصبح الاحتجاج على الكهرباء في جوهره احتجاجاً على النظام السياسي الذي أنتج العجز.
وهذا تحديداً ما حدث في طرابلس ومناطق أخرى من غرب ليبيا خلال الأسابيع الأخيرة. فقد تحولت أزمة انقطاع الكهرباء إلى احتجاجات واسعة، وقطع للطرق، وإغلاق لمؤسسات، واقتحام مجمع مليتة للنفط والغاز، فيما امتدت الاحتجاجات إلى طرابلس والزاوية ومصراتة وغيرها.
لكن قراءة هذه الأحداث باعتبارها مجرد احتجاجات خدمية ستكون خطأً سياسياً. الكهرباء كانت الشرارة، أما الوقود الحقيقي للاحتجاج فهو تراكم الإحباط من دولة مؤجلة منذ خمسة عشر عاماً.
من أزمة الكهرباء إلى أزمة الشرعية
تكمن أهمية الاحتجاجات الأخيرة في أنها كشفت عن تغير في طبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة. فقد اعتاد الليبيون خلال السنوات الماضية على أزمات أمنية وسياسية واقتصادية متكررة، لكن استمرارها جعل قدرة المواطنين على الاحتمال تتراجع.
عندما يخرج المواطن احتجاجاً على انقطاع الكهرباء، ثم يقطع الطريق، أو يقتحم مؤسسة مرتبطة بالطاقة، فإن الرسالة تتجاوز المطالبة بالخدمة. إنها تقول إن العقد الاجتماعي نفسه أصبح موضع شك.
والأخطر أن الطاقة في ليبيا ليست مجرد قطاع اقتصادي؛ إنها قلب الدولة المالي والسياسي. النفط يمول الدولة، والغاز يغذي محطات الكهرباء، ومؤسسات النفط تقع في قلب التوازنات بين القوى المحلية والدولية. ولذلك فإن انتقال الغضب الشعبي من الشوارع إلى منشآت الطاقة يحمل دلالة شديدة الخطورة: حين يفقد المواطن ثقته في قدرة الدولة على إدارة الموارد، يبدأ بالتعامل مع الموارد نفسها باعتبارها مجالاً للصراع السياسي.
وقد ظهرت هذه الهشاشة بصورة أكثر وضوحاً مع الهجمات الأخيرة على منشآت الزاوية النفطية والكهربائية، التي أظهرت أن البنية التحتية للطاقة باتت معرضة مباشرة للتوترات الأمنية والسياسية.
ومن هنا، فإن أزمة الكهرباء ليست أزمة كهرباء.
إنها أزمة قدرة الدولة على تحويل ثروتها النفطية إلى أمن وخدمات وشرعية.
المشكلة الأعمق: ليبيا تعاني من «اقتصاد سياسي للانقسام»
على مدى سنوات، نشأ في ليبيا وضع لم يعد فيه الانقسام السياسي مجرد نتيجة للصراع، بل أصبح له مستفيدون اقتصاديون وأمنيون وسياسيون.
فوجود حكومتين ومؤسسات متنافسة، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وتوزع النفوذ بين المناطق، جعل الدولة نفسها ساحة لتوزيع الموارد والمناصب والامتيازات.
وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات الليبية تعقيداً: الدولة ضعيفة كمؤسسة، لكنها قوية باعتبارها مصدراً للريع.
فالسيطرة على الحكومة تعني الوصول إلى الإنفاق العام، والسيطرة على المؤسسات تعني النفوذ على الموارد، والسيطرة على المناطق تعني امتلاك أوراق تفاوضية في مواجهة الخصوم.
ولهذا فإن الانتخابات، التي تبدو ظاهرياً الحل الطبيعي للأزمة، أصبحت في حد ذاتها مصدر خوف لدى بعض القوى. فانتخابات حقيقية لا تعني فقط اختيار حكومة جديدة، وإنما تعني احتمال خسارة شبكات مصالح نشأت خلال المرحلة الانتقالية.
وبذلك أصبح السؤال الليبي أكثر تعقيداً من مجرد: متى ستجرى الانتخابات؟
السؤال الحقيقي هو:
من يضمن أن القوى التي ستخسر الانتخابات ستقبل بنتائجها؟
لماذا فشلت التسويات السابقة؟
تكمن إحدى مشكلات المقاربة الدولية للأزمة الليبية في أنها تعاملت طويلاً مع الصراع بوصفه خلافاً يمكن حله من خلال تقاسم السلطة.
لكن ليبيا لا تعاني فقط من مشكلة توزيع السلطة، وإنما من مشكلة طبيعة السلطة نفسها.
فإذا جرى تشكيل حكومة جديدة من دون توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، ومن دون معالجة اقتصاد الريع، ومن دون قواعد واضحة لتوزيع عوائد النفط، ومن دون بناء ضمانات تمنع استخدام القوة لفرض نتائج سياسية، فإن الحكومة الجديدة ستصبح مجرد طبقة أخرى فوق البنية القديمة.
وهذا يفسر لماذا تتكرر الحكومات الانتقالية بينما لا تنتهي المرحلة الانتقالية.
إن تغيير الأشخاص من دون تغيير قواعد اللعبة يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة.
ولهذا تبدو تصريحات بعض المسؤولين الليبيين عن ضرورة تقديم "تنازلات مؤلمة" أكثر واقعية من الحديث عن توافقات شكلية. فالأزمة ليست في نقص المبادرات بقدر ما هي في غياب الاستعداد السياسي لدفع ثمن التسوية.
المفارقة الأميركية: تقدم عسكري أسرع من التقدم السياسي
المفارقة الأكثر إثارة في التطورات الأخيرة أن المسار العسكري يبدو في بعض جوانبه أكثر تقدماً من المسار السياسي.
فالتدريبات العسكرية المشتركة التي شاركت فيها قوات من مناطق ليبية مختلفة ضمن تمرين Flintlock 2026 مثلت سابقة مهمة، إذ استضافت ليبيا للمرة الأولى موقعاً للتدريب المشترك بين قوات ليبية منقسمة، ضمن تمرين قادته القيادة الأميركية في أفريقيا.
كما أعلنت واشنطن أن الخطوات التدريجية منذ 2025 شملت ميزانية وطنية موحدة والتدريبات العسكرية المشتركة، معتبرة ذلك جزءاً من مسار أوسع لتوحيد المؤسسات وتهيئة الظروف للانتخابات.
هذه التطورات تحمل دلالة استراتيجية مهمة:
إذا كان بالإمكان تدريب قوات الشرق والغرب معاً، فلماذا يصعب الاتفاق على حكومة واحدة؟
الجواب أن توحيد القوة قد يكون أقل كلفة على النخب من توحيد السلطة السياسية.
فالقادة العسكريون يمكن أن يتعاونوا في مواجهة تهديد مشترك، لكن التعاون العسكري لا يعني بالضرورة استعدادهم للتنازل عن النفوذ السياسي والاقتصادي الذي راكموه.
ومن هنا فإن النجاح الأمني الجزئي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مقدمة تلقائية لتسوية سياسية.
واشنطن تدخل من بوابة النفط
تأتي المبادرة الأميركية الحالية في هذا السياق بوصفها محاولة لتغيير معادلة الحوافز.
فالمقاربة التي يقودها مسعد بولس لا تركز فقط على التفاوض بين المؤسسات السياسية، وإنما تربط توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية بفتح الباب أمام استثمارات وتعاون اقتصادي أوسع. وقد أكدت واشنطن أن هدف مبادرتها دعم توحيد ليبيا وتهيئة الظروف للانتخابات، مع التأكيد على أن تفاصيل اتفاق التوحيد يجب أن يحددها الليبيون أنفسهم.
لكن هذه المقاربة تواجه معضلة أساسية.
النفط الذي يمكن أن يكون حافزاً للوحدة هو نفسه أحد أهم أسباب الصراع على السلطة.
فإذا كان الوصول إلى الثروة النفطية هو أحد دوافع التنافس، فإن الوعد بمزيد من الاستثمارات النفطية لن يحل المشكلة ما لم توجد أولاً مؤسسات قادرة على ضمان توزيع عادل وشفاف للعوائد.
ولهذا فإن السؤال ليس فقط: كيف نزيد إنتاج النفط؟
بل:
من يدير النفط؟ ومن يراقب الإيرادات؟ وكيف توزع؟ ومن يضمن ألا تتحول زيادة الإنتاج إلى زيادة في قدرة النخب على شراء الولاءات؟
هذه هي العقدة الحقيقية في الاقتصاد السياسي الليبي.
الخطر في «تجميد» الصراع بدلاً من حله
هناك أيضاً خطر آخر في أي تسوية تقوم على تقاسم السلطة بين النخب الحالية.
فالتسوية قد تنجح في وقف الصراع المفتوح، لكنها قد تفشل في بناء دولة.
وهذا هو الفرق بين السلام السياسي والاستقرار السياسي.
السلام يعني أن الخصوم توقفوا عن القتال.
أما الاستقرار فيعني أن قواعد اللعبة أصبحت مقبولة بحيث لا يحتاج أي طرف إلى السلاح لحماية مصالحه.
إذا انتهت الأزمة بتشكيل مجلس رئاسي جديد، أو حكومة جديدة، أو ترتيبات لتقاسم المناصب، بينما بقيت المؤسسات الأمنية والاقتصادية موزعة بين مراكز نفوذ متعددة، فإن ليبيا قد تنتقل من مرحلة الحرب إلى مرحلة إدارة الانقسام.
وهذا قد يكون أخطر من الحرب أحياناً، لأنه يمنح الانقسام شكلاً مؤسسياً طويل الأمد.
الأمم المتحدة أمام اختبار مختلف
في المقابل، تحاول بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، بقيادة هانا تيتيه، دفع "الحوار المهيكل" وخارطة الطريق نحو صيغة يمكن أن تقود إلى الانتخابات وتوحيد المؤسسات.
كما تواصل واشنطن التأكيد على دعم المسار الذي تقوده الأمم المتحدة، وهو ما ظهر بوضوح في لقاءات بولس مع تيتيه، حيث جرى التأكيد على التكامل بين المبادرة الأميركية وخارطة الطريق الأممية.
لكن المشكلة التي تواجه الأمم المتحدة ليست نقصاً في الأفكار، وإنما أزمة تنفيذ.
فكلما طال المسار الانتقالي، ازدادت قدرة المؤسسات المؤقتة على إنتاج مصالح خاصة بها، وأصبح إنهاء المرحلة الانتقالية تهديداً لمصالح بعض اللاعبين.
وهنا تكمن مفارقة العملية السياسية الليبية:
الأطراف التي يُفترض أن تنهي المرحلة الانتقالية أصبحت جزءاً من البنية التي تستفيد من استمرارها.
ولهذا لا يكفي أن تنتج الأمم المتحدة خارطة طريق جديدة. المطلوب هو خلق آلية تجعل تعطيل الخريطة أكثر تكلفة سياسياً واقتصادياً من تنفيذها.
هل يمكن أن تصبح الاحتجاجات نقطة تحول؟
ربما تكون الاحتجاجات الأخيرة أكثر أهمية مما تبدو عليه للوهلة الأولى.
فالمجتمع الليبي لا يحتج فقط على حكومة بعينها، بل بدأ يوجه غضبه نحو منظومة سياسية كاملة. وهذا يخلق احتمالين متناقضين.
الأول: أن تتحول الاحتجاجات إلى ضغط شعبي منظم يدفع النخب إلى تسوية حقيقية تقود إلى انتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة.
والثاني: أن تستغل القوى المتنافسة الغضب الشعبي لإعادة توزيع النفوذ، بحيث تتحول الاحتجاجات من أداة ضغط من أجل الإصلاح إلى أداة جديدة في الصراع بين مراكز القوة.
وهنا ستكون قدرة النخب الليبية على احتواء الاحتجاجات بطريقة سياسية هي الاختبار الحقيقي.
ليبيا تحتاج إلى صفقة تأسيسية لا إلى صفقة محاصصة
الحل المستدام لا ينبغي أن يكون مجرد صفقة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، ولا مجرد اتفاق بين حكومتي الشرق والغرب، ولا حتى مجرد تفاهم بين القوى العسكرية.
ليبيا تحتاج إلى صفقة تأسيسية جديدة.
صفقة تقوم على خمسة مبادئ مترابطة:
- سلطة تنفيذية موحدة ومحددة المدة، مهمتها الأساسية الوصول إلى الانتخابات وليس إدارة مرحلة انتقالية مفتوحة.
- قاعدة واضحة لإدارة عوائد النفط، تضمن الشفافية والتوزيع الوطني وتمنع استخدام الموارد كسلاح سياسي.
- توحيد تدريجي للمؤسسات الأمنية والعسكرية وفق ترتيبات تضمن مصالح الأطراف من دون تحويل الدولة إلى رهينة للقادة المسلحين.
- إطار دستوري وانتخابي قابل للتنفيذ يعالج مسبقاً القضايا التي أفشلت الانتخابات السابقة.
- ضمانات دولية لا تحل محل القرار الليبي، وإنما تمنع الأطراف من استخدام الدعم الخارجي لتعطيل التسوية.
وهنا يجب إعادة تعريف الدور الدولي.
المطلوب ليس أن تختار القوى الخارجية من يحكم ليبيا، بل أن تساعد على تغيير الحوافز التي تجعل استمرار الانقسام أكثر ربحاً من إنهائه.
الخلاصة: المشكلة ليست أن ليبيا بلا حلول، بل أن كلفة الحل ما زالت أعلى من كلفة الجمود
ربما تكون هذه هي الخلاصة الأكثر أهمية.
ليبيا لا تعاني من نقص في المبادرات الدولية، ولا من غياب الأفكار، ولا حتى من استحالة التوافق بين الشرق والغرب. فقد ظهرت خلال الفترة الأخيرة مؤشرات على إمكانية التعاون العسكري والمالي، بما في ذلك ميزانية وطنية موحدة وتدريبات مشتركة.
المشكلة هي أن الانتقال من التعاون الجزئي إلى التسوية السياسية الكاملة يتطلب من النخب التخلي عن جزء من المكاسب التي راكمتها خلال سنوات الانقسام.
وهذا هو الجزء الأصعب.
فالليبيون لا يحتاجون إلى اتفاق جديد يوزع المناصب بينهم بقدر ما يحتاجون إلى اتفاق يغير قواعد توزيع القوة والثروة.
وإذا لم يحدث ذلك، فإن أزمة الكهرباء ستعود، وأزمة النفط ستعود، والاحتجاجات ستعود، وستظهر حكومة جديدة ثم حكومة أخرى، فيما تبقى الدولة نفسها معلقة بين حكومات مؤقتة ومؤسسات متنافسة وقوى مسلحة ومصالح خارجية.
أما اللحظة الراهنة، رغم خطورتها، فقد تكون فرصة نادرة.
فالتقاء الغضب الشعبي، والضغط الاقتصادي، والتقارب العسكري الجزئي، والدفع الأميركي، والمسار الأممي يخلق نافذة يمكن أن تسمح بإعادة بناء التسوية الليبية على أساس مختلف.
لكن هذه النافذة لن تبقى مفتوحة إلى الأبد.
إذا استمرت النخب في التعامل مع الاحتجاجات باعتبارها مشكلة كهرباء، ومع الانقسام باعتباره مشكلة حكومات، ومع النفط باعتباره مصدراً للتمويل، فسوف تستمر الأزمة. أما إذا أدركت أن جوهر المشكلة هو غياب الدولة القادرة على تحويل القوة والثروة إلى مؤسسات وحقوق وخدمات، فقد تبدأ ليبيا أخيراً في الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة.
