سوريا تربك الحسابات الإسرائيلية: هل يتراجع رهان تل أبيب على تفكيك الدولة؟
لم تعد التحولات التي تشهدها سوريا مجرد تطورات داخلية يمكن فصلها عن الصراع الإقليمي الأوسع، بل بدأت تفرض إعادة نظر في الحسابات التي بنت عليها القوى الإقليمية والدولية سياساتها منذ سقوط نظام بشار الأسد. وفي مقدمة هذه القوى تبدو إسرائيل أمام اختبار استراتيجي حقيقي، بعدما بدأت بعض الركائز التي قامت عليها مقاربتها للمرحلة السورية الجديدة تفقد فعاليتها.
فالتطورات الأخيرة، ولا سيما مسار دمج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية، وتراجع مشروع الانفصال الدرزي في السويداء، والانفتاح الأميركي المتزايد على دمشق، وتدفق الاستثمارات نحو سوريا، تشير مجتمعة إلى اتجاه معاكس لفكرة تفكيك البلاد إلى مناطق نفوذ متنافسة.
وهنا تبرز المفارقة: ما اعتبرته إسرائيل في مرحلة سابقة فرصة لإضعاف الدولة السورية ومنع عودة مركزية القرار إليها، قد يتحول تدريجيًا إلى مصدر قلق استراتيجي لها. فكلما استعادت دمشق قدرًا أكبر من السيطرة على أراضيها ومؤسساتها، تراجعت قيمة الرهان الإسرائيلي على الانقسامات الداخلية باعتبارها أداة لإدارة البيئة الأمنية المحيطة بها.
من إدارة الانقسام إلى الخشية من استعادة الدولة
بعد سقوط نظام الأسد، تعاملت إسرائيل مع المشهد السوري باعتباره فرصة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. ولم تكن الأقليات، في هذا التصور، مجرد مكونات اجتماعية ينبغي حمايتها، وإنما تحولت إلى أوراق يمكن أن تساعد في منع تشكل سوريا مركزية قادرة على استعادة نفوذها الإقليمي.
الأكراد والدروز احتلوا موقعًا متقدمًا في هذه الحسابات. فوجود قوة كردية مسلحة في الشمال، ومجموعة درزية تمتلك خصوصية سياسية وأمنية في الجنوب، كان يمكن أن يؤدي إلى نشوء مراكز قوة مستقلة أو شبه مستقلة، ويجعل عملية إعادة بناء الدولة السورية أكثر صعوبة.
من هنا، لم يكن التعاون بين إسرائيل وبعض القوى الكردية والدرزية مجرد مسألة أمنية محدودة، وإنما ارتبط برؤية أوسع تقوم على إدارة التوازنات الداخلية السورية بما يحول دون عودة الدولة المركزية إلى كامل أراضيها.
غير أن هذه المقاربة تواجه الآن اختبارًا صعبًا.
فإذا انتهى مسار دمج «قسد» إلى توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية السورية، فإن إحدى أهم الأوراق التي كان يمكن توظيفها لإدامة الانقسام السوري ستفقد الكثير من قيمتها. وإذا تزامن ذلك مع تراجع مشروع تحويل السويداء إلى منطقة نفوذ مستقلة، فإن هامش المناورة الإسرائيلية داخل سوريا يتقلص بصورة إضافية.
«قسد» والاختبار الأصعب للاستراتيجية الإسرائيلية
يكتسب اتفاق دمشق مع «قسد» أهمية تتجاوز العلاقة بين الحكومة المركزية والقوى الكردية. فالاختبار الحقيقي يكمن في ما إذا كان الاتفاق سيؤدي إلى إعادة دمج القوة العسكرية الكردية داخل الدولة السورية، بما ينهي عمليًا احتمال تحول شمال شرق البلاد إلى كيان سياسي وأمني منفصل.
وهذا تحديدًا ما يجعل الاتفاق ذا دلالة استراتيجية لإسرائيل.
فوجود كيان كردي مسلح ومستقل نسبيًا كان يوفر، من المنظور الإسرائيلي، عامل ضغط على دمشق، ويحول دون استعادة الدولة السورية احتكارها للقوة. أما دمج «قسد» في مؤسسات الدولة، فيعني أن واحدة من أكثر القضايا التي أعاقت توحيد سوريا منذ سنوات قد تدخل مسار التسوية.
ولذلك فإن وصف المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم برّاك، للاتفاق بأنه «خطوة تاريخية» لا ينبغي النظر إليه بوصفه توصيفًا دبلوماسيًا فقط. فهو يعكس أيضًا توجهًا أميركيًا نحو دعم سوريا موحدة بدل تكريس مناطق نفوذ منفصلة.
وهنا تكمن المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل: كلما أصبح توحيد سوريا هدفًا أميركيًا وإقليميًا، أصبح الرهان على تفكيكها أكثر تعارضًا مع الاتجاه العام الذي تتشكل حوله التسوية.
السويداء... الورقة التي تواجه اختبار الهوية
بعد تراجع الورقة الكردية، تبدو السويداء أكثر أهمية في الحسابات الإسرائيلية. لكن هذه الورقة نفسها تواجه تعقيدات متزايدة.
فالحديث عن حماية الدروز يمكن أن يتحول بسهولة من خطاب أمني إلى مشروع سياسي إذا ارتبط بمحاولات فصل السويداء عن محيطها السوري أو إعادة تعريف هوية سكانها على أساس يتجاوز انتماءهم الوطني.
وهنا جاءت تصريحات الشيخ حكمت الهجري، التي تحدث فيها عن علاقة خاصة بين الدروز وإسرائيل، لتمنح هذا الاتجاه مضمونًا سياسيًا واضحًا. غير أن المشكلة بالنسبة لهذا المشروع لا تكمن فقط في موقف دمشق أو الدول العربية، وإنما في مدى قدرته على اكتساب قبول داخل البيئة الدرزية نفسها.
فالمؤتمر الذي عقد في قرية بين جن في الجليل الأعلى، وصدرت عنه مواقف رافضة لتصريحات الهجري، يكشف أن محاولة تقديم موقف واحد باعتباره ممثلًا للمجتمع الدرزي بأكمله تصطدم بتعدد التصورات داخل هذه البيئة.
وهذه نقطة استراتيجية مهمة؛ لأن أي سياسة إسرائيلية تقوم على التعامل مع الأقليات باعتبارها وحدات سياسية متجانسة تصبح أكثر هشاشة عندما تظهر داخلها تيارات ترفض إعادة تعريف هويتها السياسية وفق الرؤية التي تريدها تل أبيب.
من حماية الأقليات إلى توظيفها سياسيًا
المشكلة الأعمق في المقاربة الإسرائيلية ليست في التواصل مع الأقليات بحد ذاته، وإنما في تحويل قضايا الحماية والأمن إلى أدوات لإعادة تشكيل الخريطة السياسية السورية.
فحماية الأقليات يمكن أن تكون هدفًا مشروعًا في أي عملية انتقال سياسي، لكن توظيف المخاوف الطائفية لتكريس مناطق نفوذ مستقلة يقود إلى نتيجة مختلفة تمامًا: إدامة الانقسام بدل معالجة جذور الأزمة.
وقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن الطائفية لا تنتج بالضرورة كيانات مستقرة. وفي الحالة السورية تحديدًا، فإن تعميق الانقسامات المجتمعية يمكن أن يخلق بيئة أمنية أكثر هشاشة على المدى الطويل، بما قد يتحول في النهاية إلى تهديد لإسرائيل نفسها.
فالدولة السورية الضعيفة ليست بالضرورة الدولة الأكثر ملاءمة للمصالح الإسرائيلية. إذ يمكن أن يؤدي انهيار مؤسساتها إلى انتشار الجماعات المسلحة، وتوسيع نشاط شبكات التهريب، وخلق مناطق خارجة عن السيطرة، وفتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية متنافسة.
وبعبارة أخرى، هناك فارق بين إضعاف خصم مركزي وبين إنتاج فراغ أمني دائم على الحدود.
أربع ضربات استراتيجية... وضربة خامسة في الطريق
وفق القراءة التي طرحها تسفي برئيل، تواجه إسرائيل في سوريا سلسلة من التطورات التي تقوض الحسابات السابقة.
أول هذه التطورات هو مسار دمج «قسد»، الذي يضعف سيناريو التقسيم.
وثانيها تراجع الرواية التي تقدم السلطة السورية الجديدة باعتبارها سلطة إرهابية غير قابلة للتعامل، خصوصًا مع التحولات في الموقف الدولي تجاه دمشق.
وثالثها تراجع فاعلية ورقة السويداء في ظل عدم وجود إجماع درزي على مشروع الانفصال أو الارتباط بإسرائيل.
أما رابعها، فيتمثل في بدء عودة النشاط الاقتصادي والاستثمارات إلى سوريا، بما يعني أن البلاد قد تنتقل تدريجيًا من حالة الانهيار إلى مسار إعادة بناء مؤسساتها واقتصادها.
وإذا اكتملت هذه الاتجاهات، فإن إسرائيل ستواجه واقعًا جديدًا: سوريا قد لا تتحول إلى دولة حليفة، لكنها أيضًا قد لا تبقى دولة مفككة يمكن التأثير فيها من خلال الأقليات والمناطق الخارجة عن سيطرة المركز.
ثم تأتي الخطوة الأميركية المتعلقة بعودة السفارة إلى دمشق بوصفها مؤشرًا بالغ الأهمية على طبيعة التحول.
فعودة الوجود الدبلوماسي الأميركي لا تعني بالضرورة نهاية الخلافات مع دمشق، لكنها تشير إلى انتقال العلاقة من منطق العزلة إلى منطق الانخراط. وهذا بحد ذاته يغير البيئة التي تتحرك فيها إسرائيل.
أنقرة والرياض والدوحة... البيئة الإقليمية تتغير
لا يمكن فهم هذا التحول من دون النظر إلى الموقف الإقليمي. فتركيا، والسعودية، وقطر، رغم اختلاف مصالحها ورؤاها تجاه سوريا، تلتقي بدرجات مختلفة حول أهمية منع تفكك الدولة السورية.
تركيا، على وجه الخصوص، لديها مصلحة مباشرة في منع قيام كيان كردي مستقل على حدودها، بينما ترى دول عربية أن استمرار تفكك سوريا يعني استمرار مصدر مزمن لعدم الاستقرار الإقليمي.
وهكذا تتشكل معادلة إقليمية جديدة لا تجعل من التقسيم الخيار المفضل لمعظم القوى المؤثرة.
وإذا التقت هذه المصالح مع الموقف الأميركي الداعم لتوحيد سوريا، فإن قدرة إسرائيل على فرض رؤية مختلفة تصبح محدودة، خصوصًا إذا كانت تل أبيب نفسها لا تملك مشروعًا سياسيًا متكاملًا لليوم التالي.
هل تستطيع إسرائيل الانتقال من الخصومة إلى الشراكة؟
هنا يصل النقاش إلى السؤال الأصعب: ماذا تفعل إسرائيل إذا أصبحت سوريا الموحدة هي الاتجاه الأكثر ترجيحًا؟
الاستمرار في التعامل مع دمشق باعتبارها عدوًا مطلقًا قد يحافظ على بعض أدوات الضغط، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى عزل إسرائيل عن عملية إعادة تشكيل سوريا.
أما الانخراط مع السلطة السورية، ولو بصورة غير مباشرة، فيعني الاعتراف بأن دمشق أصبحت لاعبًا لا يمكن تجاوزه.
ولا يعني ذلك أن إسرائيل مطالبة بتحويل سوريا إلى حليف، فالفجوة السياسية والأمنية بين الطرفين لا تزال واسعة. لكن التحول من منطق «إضعاف الدولة السورية» إلى منطق «التعامل مع الدولة السورية» قد يكون أكثر اتساقًا مع الواقع الجديد.
وهنا تحديدًا تصبح الحدود والأمن أكثر أهمية من الشعارات السياسية. فإذا تمكنت إسرائيل من الحصول على ضمانات بشأن أمن الجولان، ومنع النشاطات المسلحة المعادية لها، وضبط الحدود، فقد يصبح وجود دولة سورية موحدة أقل خطورة من وجود سوريا مفككة ومفتوحة أمام قوى متعددة.
المعضلة الإسرائيلية: عدو ضعيف أم دولة مستقرة؟
المعادلة التي تواجهها إسرائيل اليوم تبدو أكثر تعقيدًا من ثنائية «سوريا قوية أو سوريا ضعيفة».
فالدولة السورية القوية قد تكون قادرة على استعادة الجولان والمطالبة به سياسيًا، وهو ما لا يخدم إسرائيل. لكن الدولة السورية المنهارة قد تتحول إلى مصدر تهديدات غير قابلة للضبط، وهو ما لا يخدم إسرائيل أيضًا.
ومن هنا فإن المصلحة الإسرائيلية قد تكمن، على نحو أكثر واقعية، في سوريا مستقرة لكنها غير معادية، موحدة لكنها مقيدة باتفاقات أمنية، وقادرة على ضبط أراضيها من دون أن تتحول إلى قوة إقليمية منافسة.
وهذه الصيغة تختلف جذريًا عن الرهان على التقسيم.
نهاية وهم التفكيك؟
المشكلة ليست أن إسرائيل لا تزال قادرة على التأثير في سوريا؛ فهي تمتلك أدوات عسكرية واستخباراتية وسياسية مهمة. وإنما أن البيئة التي كانت تجعل استراتيجية توظيف الانقسامات فعالة تتغير بسرعة.
الأكراد يدخلون في مسار تفاوضي مع دمشق، والورقة الدرزية تواجه انقسامات داخلية، والموقف الأميركي يميل إلى دعم وحدة البلاد، والقوى الإقليمية الرئيسية لا تبدو راغبة في تقسيم سوريا، فيما بدأت مؤشرات التعافي الاقتصادي تظهر تدريجيًا.
كل ذلك لا يعني أن سوريا الموحدة أصبحت واقعًا مكتملًا. فعملية دمج القوى المسلحة، وإعادة بناء المؤسسات، وتسوية العلاقة بين المركز والأطراف، ومعالجة التوترات الطائفية، كلها ملفات شديدة التعقيد، ويمكن أن تعود إلى نقطة الصفر إذا فشلت التسويات السياسية.
لكن الاتجاه العام تغير.
ولهذا فإن التطور الأهم في المشهد السوري ليس فقط أن «قسد» قد تدخل مؤسسات الدولة، أو أن السويداء تواجه أزمة سياسية، أو أن واشنطن تعيد الانخراط مع دمشق. الأهم هو أن فكرة الدولة السورية الموحدة بدأت تستعيد شرعيتها الإقليمية والدولية في وقت تبدو فيه استراتيجية تفكيكها أقل قابلية للحياة.
وإذا استمر هذا الاتجاه، ستجد إسرائيل نفسها أمام ضرورة إعادة صياغة سياستها السورية.
فقد لا يكون السؤال مستقبلًا: كيف تمنع إسرائيل توحيد سوريا؟ بل: كيف تتعامل مع سوريا موحدة من دون أن تتحول إلى تهديد لأمنها؟
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فإسرائيل التي استفادت طويلًا من ضعف الدولة السورية قد تضطر، للمرة الأولى منذ سنوات، إلى التفكير في أن استقرار سوريا قد يكون أقل كلفة من فوضاها، وأن الدولة التي يمكن التفاوض معها قد تكون أكثر قابلية للإدارة من الفراغ الذي لا يمكن التنبؤ بمآلاته.
وفي نهاية المطاف، قد يكون اتفاق دمشق مع «قسد» أكثر من مجرد تسوية بين المركز والأكراد؛ فقد يكون إشارة إلى أن مرحلة إدارة سوريا عبر انقساماتها الداخلية تقترب من نهايتها، وأن المعركة السياسية المقبلة لن تكون على تقسيم البلاد، وإنما على شكل الدولة السورية الجديدة، وموقعها الإقليمي، وحدود نفوذ القوى الخارجية فيها.
وهذا تحديدًا هو الاختبار الذي تواجهه إسرائيل الآن: ليس ما إذا كانت قادرة على تعطيل مسار توحيد سوريا، وإنما ما إذا كانت قادرة على التكيف مع سوريا موحدة عندما يصبح هذا المسار هو الخيار الذي تدفع نحوه واشنطن والقوى الإقليمية الفاعلة.
