اليمن: عندما يتحول تراجع التمويل الصحي إلى اختبار لقدرة الدولة على الصمود
لم تعد أزمة القطاع الصحي في اليمن مجرد واحدة من تداعيات الحرب الطويلة، بل أصبحت مؤشرًا أكثر عمقًا على طبيعة الأزمة التي تواجهها مؤسسات الدولة وقدرتها على الاستمرار في توفير الخدمات الأساسية في بيئة تتراجع فيها الموارد وتتسع الاحتياجات. فبعد أكثر من عقد من الصراع، يجد القطاع الصحي نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: احتياجات إنسانية متزايدة من جهة، وتراجع تدريجي في قدرة التمويل الخارجي على تغطية هذه الاحتياجات من جهة أخرى، بينما تظل الموارد المحلية محدودة بفعل الانقسام السياسي والاقتصادي واستمرار القيود على مصادر الإيرادات.
وفي هذا السياق، فإن تحذير وزير الصحة اليمني، قاسم بحيبح، من التداعيات المحتملة للانحسار الحاد في الدعم الخارجي يتجاوز كونه تنبيهًا بشأن نقص التمويل، ليعكس إدراكًا رسميًا بأن النموذج الذي اعتمد عليه القطاع الصحي خلال سنوات الحرب أصبح يواجه حدودًا متزايدة. فالمساعدات الدولية استطاعت، طوال سنوات، سد جزء من الفجوة بين حجم الاحتياجات وقدرة المؤسسات المحلية، لكنها لم تنجح في تحويل ذلك الدعم الطارئ إلى منظومة صحية قادرة على الاستدامة بعيدًا عن المساعدات.
ومن هنا تبرز القضية الأكثر حساسية: ماذا يحدث عندما يتراجع التمويل الخارجي بينما لا تكون الدولة قادرة بعد على تحمل العبء الذي كان يموله المانحون؟
من أزمة التمويل إلى أزمة الدولة
تكشف أزمة القطاع الصحي في اليمن عن ارتباط وثيق بين السياسة والاقتصاد والخدمات العامة. فالقطاع الصحي لا يعمل بمعزل عن البيئة السياسية والأمنية التي تحكم البلاد، بل يتأثر مباشرة بانقسام مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز النفوذ، وتراجع الموارد العامة، والقيود المفروضة على النشاط الاقتصادي.
وتزداد صعوبة المعادلة بسبب استمرار الحوثيين في منع تصدير النفط والغاز، وفق ما يرد في التقرير، وهو ما يحرم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا من أحد أهم مصادر الإيرادات التي يمكن أن تساعدها على تمويل الخدمات العامة.
وبالتالي، فإن تراجع التمويل الصحي لا يمكن التعامل معه باعتباره مسألة فنية مرتبطة بميزانية وزارة الصحة فقط. إنه جزء من أزمة أوسع تتعلق بضعف القدرة المالية للدولة على تحويل الإيرادات إلى خدمات عامة.
وكلما طال أمد هذا الوضع، أصبح القطاع الصحي أكثر اعتمادًا على المانحين والمنظمات الدولية، بينما تتراجع قدرة المؤسسات الحكومية على بناء منظومة تمويل مستقلة. وهذه الحلقة قد تكون أخطر من مجرد نقص مؤقت في الأموال، لأنها تهدد بتحويل الخدمات الصحية من وظيفة مؤسسية للدولة إلى خدمات مرتبطة بدورات التمويل الإنساني الدولي.
40 في المائة من المنشآت خارج الخدمة: إرث حرب لا يمكن تمويله بالمساعدات وحدها
يكتسب التحذير من تداعيات تراجع التمويل أهمية خاصة في ضوء استمرار خروج نحو 40 في المائة من المنشآت الصحية عن الخدمة نتيجة الحرب، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
وهذا الرقم، بصرف النظر عن تفاصيل توزيع المنشآت المتوقفة وأسباب توقفها، يعكس حجم الفجوة التي تواجهها الدولة. فالمشكلة لا تتمثل فقط في توفير الأدوية أو دفع تكاليف التشغيل، وإنما في إعادة بناء البنية التحتية الصحية، وتأمين الكوادر، وضمان سلاسل الإمداد، وتوفير الخدمات الأساسية بصورة منتظمة.
كما أن استمرار الصراع يؤدي إلى إعادة إنتاج الاحتياجات الصحية بصورة متواصلة. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت الحاجة إلى خدمات الرعاية الأولية، والأمومة والطفولة، والتغذية، ومكافحة الأمراض، إلى جانب التعامل مع آثار النزوح والفقر وتدهور الظروف المعيشية.
وهكذا يصبح التمويل الخارجي أشبه بآلية لاحتواء الأزمة أكثر منه حلًا جذريًا لها. وعندما يتراجع هذا التمويل، تظهر بصورة أكثر وضوحًا هشاشة البنية التي كانت تستند إليها الخدمات.
التحول من اقتصاد المساعدات إلى منطق الاستدامة
لذلك، تبدو دعوة وزير الصحة إلى وضع خطة انتقالية تقلل الاعتماد على التمويل الدولي ذات دلالة سياسية مهمة. فالمطلوب، وفق هذا التصور، ليس قطع العلاقة مع المانحين، وإنما الانتقال التدريجي من نموذج يقوم على الاستجابة الطارئة إلى نموذج يجمع بين التمويل الدولي والقدرة المحلية على الاستمرار.
وهنا تبرز عبارة الوزير بأن «الاعتماد على الذات أصبح ضرورة وليس خيارًا» باعتبارها تعبيرًا عن تحول في طريقة التفكير في إدارة القطاع الصحي.
لكن تحقيق هذا التحول يواجه عقبات كبيرة. فالاعتماد على الذات لا يمكن أن يتحول إلى سياسة عملية بمجرد إعادة ترتيب أولويات وزارة الصحة. إذ يحتاج إلى موارد مالية مستقرة، ومؤسسات حكومية أكثر كفاءة، ونظام إنفاق أكثر شفافية، وقدرة على تحصيل الإيرادات، وبيئة اقتصادية تسمح بتوسيع القاعدة التمويلية للدولة.
وبعبارة أخرى، لا يمكن إصلاح تمويل القطاع الصحي من دون معالجة البيئة الاقتصادية والسياسية التي تنتج أزمة التمويل أصلًا.
البنك الدولي: دعم مهم لكنه لا يحل المعادلة
في هذا الإطار، يمثل المشروع الجديد للبنك الدولي، الذي يستهدف الصحة والتغذية والمياه والإصحاح البيئي، عنصرًا مهمًا في محاولة الحفاظ على الخدمات الأساسية وتعزيز قدرة المرافق الصحية على الاستمرار.
غير أن أهمية المشروع لا ينبغي أن تقود إلى النظر إليه باعتباره حلًا شاملًا لأزمة القطاع الصحي. فالمشكلة التي تواجه اليمن ذات طبيعة هيكلية، وتتجاوز نطاق أي مشروع منفرد أو دورة تمويلية واحدة.
وقد يكون الأهم في الدعم الدولي خلال المرحلة المقبلة هو توجيه الموارد نحو بناء القدرة المؤسسية وليس فقط تمويل الخدمات. فتمويل منشأة صحية لفترة محددة يخفف الأزمة، لكنه لا يضمن قدرتها على العمل بعد انتهاء التمويل. أما الاستثمار في الحوكمة، وإدارة الموارد، وتطوير الكوادر، وأنظمة البيانات، وسلاسل الإمداد، وآليات الرقابة، فيمكن أن يساعد على تقليص الاعتماد طويل الأجل على التمويل الطارئ.
ومن هذه الزاوية، فإن مراجعة تجربة المشروع السابق الممول من البنك الدولي تكتسب أهمية خاصة، لأنها تتيح تقييم ما إذا كانت التدخلات السابقة قد أسهمت في بناء قدرة مؤسسية مستدامة، أم أنها ظلت في إطار الاستجابة للاحتياجات العاجلة.
الحوكمة قبل زيادة الإنفاق
من أبرز القضايا التي يطرحها الوضع الراهن مسألة كفاءة استخدام الموارد المتاحة. فحتى في ظل محدودية التمويل، تستطيع المؤسسات تحسين نتائج الإنفاق من خلال إعادة ترتيب الأولويات، وتوجيه الموارد نحو المناطق والفئات الأكثر احتياجًا، والحد من التداخل بين البرامج، وتعزيز الرقابة والشفافية.
ولهذا تبدو دعوة وزارة الصحة إلى تحسين الحوكمة والإدارة أكثر من مجرد إجراء إداري. ففي بيئة محدودة الموارد، تصبح كفاءة الإنفاق جزءًا من الأمن الصحي نفسه.
كما أن تعزيز الشراكات مع المنظمات الدولية والمجتمع المحلي يمكن أن يمثل عنصرًا مساعدًا، بشرط ألا يتحول إلى بديل عن مسؤولية الدولة. فالمشاركة المجتمعية قد توفر موارد أو دعمًا إضافيًا، لكنها لا تستطيع أن تحل محل نظام صحي عام قادر على العمل بصورة منتظمة.
المجتمع بين المشاركة وتحمل العبء
وتكشف فكرة تعزيز المساهمة المجتمعية عن أحد أكثر الجوانب حساسية في مستقبل القطاع الصحي اليمني. فمن ناحية، يمكن للمجتمعات المحلية أن تؤدي دورًا في دعم المرافق الصحية، والمشاركة في تحديد الاحتياجات، وتعزيز الرقابة على الخدمات.
لكن من ناحية أخرى، فإن تحميل المجتمعات المحلية جزءًا متزايدًا من تكلفة الخدمات قد يخلق تفاوتًا أكبر بين المناطق والفئات الاجتماعية، خصوصًا في بلد يعاني من مستويات مرتفعة من الفقر وتدهور القدرة الشرائية.
لذلك، فإن المشاركة المجتمعية تصبح أكثر فاعلية عندما تكون مكملة لمسؤولية الدولة وليست بديلًا عنها. وهذا يتطلب آليات واضحة وشفافة تحدد طبيعة هذه المساهمة، وتضمن عدم تحولها إلى عبء إضافي على المواطنين.
تراجع المساعدات واختبار جديد للحكومة
تكمن أهمية أزمة التمويل الصحي أيضًا في أنها تختبر قدرة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا على الحفاظ على وظائف الدولة الأساسية في ظل استمرار الانقسام السياسي والاقتصادي.
فالشرعية السياسية لا ترتبط فقط بالاعتراف الدولي، وإنما تتعزز كذلك بقدرة المؤسسات على تقديم الخدمات للمواطنين. وكلما تراجعت قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية، زادت الفجوة بين وجود المؤسسات رسميًا وبين حضورها الفعلي في حياة السكان.
ومن هنا يمكن النظر إلى القطاع الصحي باعتباره أحد ميادين إعادة بناء شرعية الدولة. فالمستشفى، ومركز الرعاية الأولية، وخدمة الأمومة والطفولة، وتوفير الدواء، ليست مجرد خدمات اجتماعية، وإنما أدوات عملية لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
المعضلة الأصعب: من يمول الدولة عندما تنتهي المساعدات؟
تكشف الحالة اليمنية عن مشكلة تتجاوز القطاع الصحي نفسه: المساعدات الدولية تستطيع تأجيل الانهيار، لكنها لا تستطيع وحدها بناء دولة قابلة للاستمرار.
وكلما طال الاعتماد على التمويل الخارجي، أصبح الانتقال إلى التمويل المحلي أكثر صعوبة، لأن المؤسسات والبرامج والاحتياجات تتوسع في وقت لا تتوسع فيه بالضرورة الإيرادات المحلية بالمعدل نفسه.
لذلك، فإن «الخروج السلس» الذي تتحدث عنه وزارة الصحة ينبغي أن يكون جزءًا من استراتيجية اقتصادية ومؤسسية أوسع، لا مجرد خطة داخل وزارة واحدة.
وتحتاج هذه الاستراتيجية إلى استعادة مصادر الإيرادات، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتعزيز الشفافية، وإعادة بناء المؤسسات الاقتصادية، وتهيئة الظروف لاستعادة النشاط الإنتاجي، وفي مقدمتها القطاعات التي يمكن أن توفر للدولة موارد مستدامة.
في النهاية، تبدو أزمة التمويل الصحي في اليمن أكثر من مجرد فجوة مالية مؤقتة. إنها انعكاس مباشر للتحديات التي تواجه الدولة في مرحلة الحرب الممتدة والانقسام الاقتصادي والسياسي.
فتراجع الدعم الخارجي في الوقت الذي لا تزال فيه نسبة كبيرة من المنشآت الصحية خارج الخدمة يضع الحكومة أمام اختبار بالغ الصعوبة: كيف تحافظ على الخدمات الأساسية من دون أن تبقى رهينة دائمة للمساعدات؟
والإجابة لا تبدو في التخلي عن المانحين، كما لا يمكن أن تتحقق بمجرد الدعوة إلى الاعتماد على الذات. المطلوب هو بناء مرحلة انتقالية تعيد تعريف وظيفة المساعدة الدولية بحيث تنتقل تدريجيًا من تمويل الاستجابة إلى دعم القدرة المحلية على الاستمرار.
وفي الوقت ذاته، تحتاج الحكومة إلى التعامل مع أزمة التمويل الصحي باعتبارها جزءًا من معركة أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة وقدرتها المالية. فاستعادة قطاع صحي قادر على العمل بصورة مستقرة تتطلب في نهاية المطاف استعادة الدولة نفسها لجزء من قدرتها على جمع الموارد وإدارتها وتوزيعها بكفاءة.
ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه اليمن ليس فقط كم من الأموال يحتاج القطاع الصحي؟، وإنما أي دولة تستطيع أن تمول هذا القطاع عندما تتراجع المساعدات وتنتهي مرحلة الاستجابة الإنسانية؟
وإذا لم تجد الحكومة إجابة عملية عن هذا السؤال، فإن تراجع التمويل الخارجي لن يكون مجرد أزمة عابرة في الموازنة الصحية، بل قد يتحول إلى مؤشر على انتقال اليمن من مرحلة الاعتماد على المساعدات لإدارة آثار الحرب إلى مرحلة أكثر خطورة يصبح فيها استمرار الخدمات الأساسية نفسه موضع اختبار.
