إعادة إعمار لبنان: فاتورة الحرب تختبر الدولة وتكشف مأزق "حزب الله"
مار وتفاقم أزمة النزوح وتراجع قدرة الاقتصاد اللبناني، يتحول ملف إعادة الإعمار من قضية إنسانية ملحّة إلى اختبار سياسي ومالي لمستقبل الدولة. وفي قلب هذا الاختبار، يبرز الخلاف حول الجهة التي تتحمل تكلفة الحرب، وحدود مسؤولية الحكومة، ودور «حزب الله» في تعويض المتضررين، وسط غياب آلية تمويل شاملة وضمانات تحول دون تكرار الدمار.
لم يعد ملف إعادة إعمار المناطق المتضررة في لبنان مجرد قضية تتعلق بترميم المنازل وإعادة الخدمات الأساسية إلى المناطق التي أصابتها الحرب، بل أصبح ساحة جديدة للصراع السياسي حول المسؤولية عن الدمار، ومصادر التمويل، وطبيعة العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة خارج مؤسساتها. فمع اتساع الخسائر البشرية والمادية، وتزايد أعداد النازحين، يجد لبنان نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكن تمويل إعادة الإعمار في ظل أزمة اقتصادية ممتدة، ودولة محدودة الموارد، وخلاف سياسي لم يُحسم بشأن الجهة التي ينبغي أن تتحمل التكلفة؟
أعاد موقف «حزب الله» الداعي إلى تحميل الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين فتح هذا النقاش على نطاق واسع. فبينما يؤكد الحزب أنه سيعمل على المساهمة في هذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية، يرى نواب معارضون أن هذا الموقف يعكس تراجع قدرته على تحمل الأعباء، ومحاولة نقل جانب كبير من تكلفة الحرب إلى الخزينة العامة. وبين الموقفين، تبرز أزمة أعمق تتجاوز السجال السياسي المباشر، تتمثل في غياب تصور وطني متكامل لإعادة الإعمار، يحدد المسؤوليات ومصادر التمويل والأولويات، ويربط إعادة البناء باستقرار مستدام يمنع تكرار الخسائر.
دمار يتجاوز قدرة الدولة على الاستيعاب
تكشف الأرقام المتاحة عن حجم التحدي الذي يواجه لبنان. فوفق بيانات جمعتها «ستاتيستكس ليبانون»، بلغت الأضرار المادية المباشرة الناجمة عن حرب 2024 نحو 6.8 مليار دولار، منها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، فيما قُدّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار. ولم يكن لبنان قد استكمل معالجة هذه الخسائر عندما اندلعت الحرب الجديدة، لتضاف أعباء إضافية إلى اقتصاد يعاني أصلاً من أزمة مالية عميقة وتراجع في قدرات الدولة.
أما بالنسبة إلى حرب 2026، فلا تزال التكلفة الإجمالية للأضرار واحتياجات إعادة الإعمار غير محسومة، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. ومع ذلك، تشير البيانات المرحلية حتى أبريل (نيسان) 2026 إلى أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، منها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وما يزيد على 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان.
ولا تعكس هذه الأرقام الحصيلة النهائية للحرب، كما لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار عام 2024، لكنها تقدم مؤشراً واضحاً إلى اتساع الفاتورة الجديدة قبل اكتمال حصرها.
وتبدو الصورة أكثر قتامة عند الانتقال إلى القطاع السكني. فقد أظهرت التقييمات تدمير 11 ألفاً و95 مبنى بالكامل في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كما بلغ عدد الوحدات السكنية المدمرة بالكامل 17 ألفاً و891 وحدة في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يتجاوز 21 ألف وحدة سكنية ضمن المناطق التي شملتها التقييمات في تلك المرحلة.
ولا تتوقف المشكلة عند المباني المدمرة، إذ تراكم نحو 3.1 مليون متر مكعب من الركام في جنوب لبنان، ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. وهذا يعني أن إعادة الإعمار لن تبدأ بمجرد توفير الأموال لبناء المنازل، بل تتطلب سلسلة من الإجراءات تشمل إزالة الركام، وتأهيل الطرق، وإصلاح شبكات المياه والكهرباء، واستعادة الخدمات الأساسية، قبل أن تصبح العودة إلى المناطق المتضررة ممكنة بصورة مستقرة.
وبذلك، تتحول إعادة الإعمار إلى مشروع اقتصادي وخدمي طويل الأجل، تتجاوز تكلفته المباشرة قيمة الأبنية المدمرة، وتمتد إلى إعادة تأهيل البيئة الحضرية والاجتماعية التي تضررت بفعل الحرب.
النزوح يحول الأزمة العمرانية إلى أزمة اجتماعية
يتداخل الدمار المادي مع أزمة إنسانية واسعة النطاق. فوفق البيانات الدولية الواردة في التقرير، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، فيما عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من سبتمبر (أيلول) 2026، ظل 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي.
وتكشف هذه الأرقام أن الأزمة لا تتعلق فقط بمن فقدوا منازلهم، بل أيضاً بالعائلات التي أصبحت غير قادرة على العودة بسبب تضرر البنية التحتية أو غياب الحد الأدنى من الخدمات الضرورية للحياة اليومية. ومن ثم، فإن الإيواء المؤقت لا يمثل حلاً نهائياً، بل إجراءً ضرورياً إلى حين تهيئة الظروف المناسبة للعودة وإعادة بناء المناطق المتضررة.
وتزداد خطورة الوضع عندما تتحول المساعدات المخصصة للنازحين إلى موضوع للمساومة السياسية، أو عندما يتأخر توفيرها بسبب الخلاف على الجهة التي ينبغي أن تمولها. فكلما طال النزوح، ارتفعت الأعباء المعيشية على الأسر المتضررة، وتزايد الضغط على المجتمعات المضيفة والخدمات العامة، واتسعت الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والموارد المتاحة.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن فصل إعادة الإعمار عن ملف الحماية الاجتماعية، ولا يمكن التعامل مع الإيواء باعتباره مساعدة عابرة منفصلة عن خطة التعافي الاقتصادي وإعادة بناء المناطق التي دمرتها الحرب.
لماذا عاد «حزب الله» إلى الدولة؟
يشكل موقف «حزب الله» من مسؤولية الحكومة نقطة الارتكاز الأساسية في السجال السياسي الدائر. فقد أكد الأمين العام للحزب نعيم قاسم أن الحكومة مسؤولة عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين، معلناً أن الحزب سيقدم مساهمة في مشروع للإيواء، من دون أن يحدد حتى الآن حجم التمويل أو آليات تنفيذه.
ويعكس هذا الموقف، في حدوده المعلنة، توجهاً نحو تحميل مؤسسات الدولة الدور الأساسي في إدارة ملف يفوق حجمه قدرة أي جهة منفردة على الاستجابة له بسهولة. غير أن دلالاته السياسية تظل موضع خلاف، خصوصاً في ضوء الانتقادات التي توجه إلى الحزب بشأن قدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه المتضررين، ومسؤوليته عن الخيارات التي قادت إلى الحرب.
ويرى النائب إبراهيم منيمنة أن الحزب استفاد في مراحل سابقة من الرصيد السياسي الذي راكمته الحكومة والدعم العربي المخصص لإعادة الإعمار، ولا سيما بعد حرب عام 2006، محاولاً توظيف بعض جوانب الاستجابة الحكومية لمصلحته السياسية. ويعتبر أن العودة الحالية إلى الدولة تمثل إقراراً بأهمية دورها، في وقت لم يعد الحزب، بحسب تقديره، قادراً على تحمل أعباء الإعمار بنفسه.
لكن المسألة لا تتعلق بمجرد انتقال المسؤولية من جهة إلى أخرى، بل بطبيعة النظام الذي ينبغي أن يدير عملية إعادة البناء. فإذا كانت الدولة هي الجهة المسؤولة عن جميع المواطنين، فإن منطق المؤسسات يقتضي أن تكون هي المرجعية في تحديد الأولويات، وتوزيع المساعدات، وإدارة التمويل، والإشراف على المشروعات، بدلاً من تعدد مراكز القرار أو خضوع المساعدات لحسابات سياسية متنافسة.
ومع ذلك، فإن إسناد المسؤولية إلى الدولة لا يحل المشكلة تلقائياً. فالدولة التي تواجه أزمة مالية واقتصادية عميقة لا تستطيع توفير مليارات الدولارات بمجرد تأكيد مسؤوليتها القانونية والسياسية. لذلك، فإن الاعتراف بدورها ينبغي أن يقترن بخطة تمويل واقعية، وتفاهم سياسي يضمن تنفيذها، وآليات رقابة تمنع الهدر وتضمن وصول الأموال إلى المستحقين.
خلاف على المسؤولية أم على شروط إعادة الإعمار؟
لا ينحصر الخلاف بين «حزب الله» ومعارضيه في تحديد الجهة التي تتحمل التكلفة، بل يمتد إلى الشروط السياسية التي ينبغي أن تحكم عملية إعادة الإعمار.
ففي حين يشدد الحزب على مسؤولية الحكومة تجاه جميع المواطنين، يرى منيمنة أن أي تحرك جدي في هذا الاتجاه ينبغي أن يبدأ من داخل المؤسسات الدستورية، مع تنفيذ القرارات الحكومية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة. ووفق هذا المنظور، فإن إعادة الإعمار لا يمكن فصلها عن مسألة السيادة واحتكار الدولة قرار الحرب والسلم.
ويتقاطع هذا الطرح مع موقف النائب مارك ضو، الذي اعتبر أن مطالبة الحزب الحكومة بتحمل المسؤولية تعكس عجزه عن الوفاء بتبعات الحرب، منتقداً، في الوقت نفسه، ما يراه تناقضاً بين مطالبة الدولة بتولي إعادة الإعمار وعدم التعامل معها بوصفها المرجعية الوحيدة في القرارات السيادية.
غير أن هذه المواقف تظل جزءاً من سجال سياسي أوسع، ولا تكفي وحدها لتحديد كيفية تمويل الإعمار أو توقيت البدء به. فربط المساعدات بشروط سياسية وأمنية قد يعكس رغبة في معالجة أسباب عدم الاستقرار، لكنه قد يثير أيضاً تساؤلات حول كيفية حماية المتضررين من أن يصبحوا رهائن للخلافات بين القوى السياسية.
وتكمن المعضلة في ضرورة الجمع بين مسارين متوازيين: الاستجابة العاجلة للاحتياجات الإنسانية، والعمل على معالجة الأسباب السياسية والأمنية التي تجعل تكرار الحرب احتمالاً قائماً. فلا ينبغي أن يؤدي الخلاف على شروط التسوية السياسية إلى تعطيل الإيواء الضروري، كما لا ينبغي أن تتحول إعادة الإعمار إلى عملية مالية منفصلة عن أي نقاش جدي بشأن الاستقرار المستقبلي.
من يدفع الفاتورة؟ الدولة والحزب والجهات الخارجية
يطرح النائب أديب عبد المسيح مجموعة من البدائل التي تتجاوز تحميل الخزينة اللبنانية التكلفة كاملة. فهو يدعو وزيري «حزب الله» في الحكومة إلى العمل على استصدار قرار حكومي لإعادة الإعمار، وتأمين التوافق اللازم حوله. وإذا تعذر ذلك، يرى أن على الحزب تحمل جانب من المسؤولية، مع السعي إلى مطالبة إيران بتعويضات عن الأضرار، فضلاً عن دراسة المسارات القانونية الدولية لمطالبة إسرائيل بالتعويضات باعتبارها الطرف الذي ألحق الدمار المباشر بالمناطق المتضررة.
وتكشف هذه المقترحات عن تعدد المسارات المحتملة لتمويل الإعمار، لكنها تثير في الوقت نفسه اختلافات كبيرة في فرص التنفيذ والمدة الزمنية اللازمة لتحقيق نتائج ملموسة.
فتمويل الدولة اللبنانية يظل محدوداً بحجم مواردها وقدرتها على الاقتراض والإنفاق، بينما تتوقف مساهمات الدول المانحة على اعتبارات سياسية واقتصادية، وعلى مدى ثقتها بوجود خطة واضحة وبيئة مستقرة تضمن عدم تعرض استثماراتها لدمار جديد. أما التعويضات التي قد تُطلب من إيران أو إسرائيل، فإنها تحتاج إلى مسارات سياسية وقانونية معقدة، ولا يمكن التعامل معها بوصفها أموالاً متاحة يمكن الاعتماد عليها فوراً لتغطية الاحتياجات العاجلة.
ومن هنا، فإن أي استراتيجية واقعية ينبغي ألا تراهن على مصدر واحد للتمويل، بل أن تقوم على مزيج من الموارد المحلية والمساعدات الخارجية والمساهمات المباشرة والآليات القانونية الممكنة، مع التمييز بين الأموال الضرورية للإغاثة الفورية والموارد المطلوبة لإعادة البناء على المدى الطويل.
وفي هذا الإطار، لا يكفي أن تعلن الأطراف المختلفة استعدادها للمساهمة، بل ينبغي أن تحدد بوضوح حجم مساهماتها، ومواعيد توفيرها، والفئات المستفيدة منها، والجهة التي ستتولى إدارتها ومراقبتها.
المانحون بين التمويل ومخاطر تكرار الحرب
يمثل موقف الجهات المانحة عاملاً حاسماً في مستقبل إعادة الإعمار. فبحسب ما أورده منيمنة، لا تبدو الدول المانحة مستعدة لضخ أموال كبيرة في عملية إعادة بناء قد تتعرض منشآتها ومشروعاتها للدمار مجدداً إذا اندلعت حرب جديدة.
وهنا تظهر إحدى أهم حلقات الأزمة: فلبنان يحتاج إلى التمويل كي يعيد بناء المناطق المتضررة، لكنه يحتاج أيضاً إلى قدر من الاستقرار كي يقنع المانحين بأن الأموال لن تتحول إلى استثمارات مهددة بالتدمير. وكلما غابت الضمانات السياسية والأمنية، ازدادت صعوبة تعبئة الموارد، وطالت الفترة التي ينتظر خلالها السكان العودة إلى منازلهم.
وهذا يعني أن إعادة الإعمار ليست مسألة تقنية أو مالية فحسب، بل ترتبط أيضاً بمدى قدرة الدولة على فرض قراراتها، وتوفير بيئة مستقرة، ووضع خطة وطنية تحظى بقدر كافٍ من الثقة المحلية والدولية.
وفي المقابل، لا يمكن مطالبة المتضررين بانتظار تسوية سياسية شاملة قبل الحصول على الحد الأدنى من المساعدة. فالتحدي الحقيقي يكمن في تصميم آلية تسمح ببدء الإيواء والإصلاحات الضرورية بالتوازي مع العمل على توفير الضمانات اللازمة للمراحل الأكبر من إعادة البناء.
اقتصاد منهك أمام فاتورة جديدة
تأتي هذه التحديات في وقت يواجه فيه الاقتصاد اللبناني ضغوطاً إضافية تحد من قدرة الدولة على تحمل التكاليف. وتشير الأرقام الواردة في التقرير إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال عام 2026، فيما لا تزال احتياجات إعادة إعمار حرب 2024 مقدرة بنحو 11 مليار دولار، قبل إضافة تكلفة الحرب الجديدة.
ويعني ذلك أن الدولة تواجه ضغوطاً متزامنة على أكثر من مستوى: تمويل الإيواء والمساعدات، وإزالة الركام، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتعويض الخسائر السكنية، واستعادة النشاط الاقتصادي في المناطق المتضررة، في مقابل قاعدة مالية محدودة واقتصاد لا يزال عرضة للصدمات.
وتزداد خطورة هذه المعادلة إذا جرى تمويل الإعمار من خلال تحميل المواطنين أعباء ضريبية إضافية من دون خطة واضحة لتوزيع التكلفة، أو إذا أدى ضعف الرقابة إلى هدر الموارد. كما أن التأخر في إعادة البناء قد يفاقم الخسائر الاقتصادية، نتيجة تعطّل الأنشطة التجارية والإنتاجية، وتراجع فرص العمل، واستمرار نزوح السكان عن مناطقهم.
لذلك، فإن نجاح الإعمار لا يُقاس فقط بعدد المنازل التي يعاد بناؤها، بل أيضاً بمدى قدرة العملية على استعادة سبل العيش، وتحريك الاقتصاد المحلي، وإعادة الخدمات العامة، ومنع تحول المناطق المتضررة إلى بؤر دائمة للفقر والتهميش.
إعادة الإعمار بوصفها اختباراً للدولة
تكشف أزمة إعادة الإعمار في لبنان عن مأزق يتجاوز الخلاف حول من يدفع الفاتورة. فالمشكلة الأساسية تتمثل في كيفية بناء آلية وطنية قادرة على تحويل المسؤوليات المعلنة إلى التزامات مالية وتنفيذية واضحة، في بلد يعاني محدودية الموارد، وتعدد مراكز القرار، واستمرار الخلاف حول قضايا السيادة والأمن.
إن تحميل الدولة مسؤولية مواطنيها يمثل مبدأ أساسياً في أي نظام سياسي، لكنه لا يعفي بقية الأطراف من مسؤولياتها، ولا يجعل الخزينة العامة مصدراً غير محدود للتمويل. وفي المقابل، فإن مطالبة «حزب الله» بتحمل جانب من تبعات الحرب تظل جزءاً من النقاش السياسي حول المسؤولية، لكنها لا توفر وحدها حلاً عملياً لاحتياجات مئات الآلاف من المتضررين والنازحين.
المطلوب، بالتالي، هو خطة متكاملة تحدد الأولويات وفق حجم الضرر والاحتياجات الإنسانية، وتوزع الأدوار بين الدولة والجهات المساهمة، وتضمن شفافية الإنفاق، وتفتح قنوات التمويل المحلي والدولي، وتربط إعادة البناء بتدابير واقعية للحد من مخاطر تكرار الحرب.
فإعادة الإعمار ليست مجرد عملية لإعادة ما تهدم، بل اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها في حماية المواطنين وإدارة الموارد واتخاذ القرارات. وإذا بقي الملف أسير تبادل الاتهامات، فإن الخاسر الأول لن يكون طرفاً سياسياً بعينه، بل السكان الذين ينتظرون العودة إلى منازلهم، والاقتصاد الذي يتحمل فاتورة الدمار، والدولة التي تواجه اختباراً جديداً لقدرتها على أداء وظائفها الأساسية.
