إسرائيل بين أزمات التماسك الداخلي والعزلة الدولية

تقدير موقف - د. طه علي أحمد
د. طه علي أحمد
باحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا وسياسات الهوية

لم تعد التحديات التي تواجه إسرائيل مقتصرة على تداعيات المواجهات العسكرية أو التنافس الحزبي على السلطة، بل أخذت تتشكل في سياق أزمة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها التحولات التي تشهدها مكانتها الدولية مع اختلالات بنيوية داخل المجتمع والنظام السياسي. وتكمن خطورة هذا التداخل في أن الضغوط الخارجية لم تعد منفصلة عن التناقضات الداخلية، وإنما باتت تسهم في تعميقها، بما يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة المؤسسات الإسرائيلية على استعادة الاستقرار وإنتاج توافقات سياسية واجتماعية قابلة للاستمرار.

تمثل التحولات في البيئة الدولية المحيطة بإسرائيل أحد الأبعاد المهمة لفهم أزمتها الراهنة، خصوصًا في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة إلى سياساتها العسكرية، وتزايد الضغوط السياسية والدبلوماسية المرتبطة بالحروب التي تخوضها. ورغم استمرار علاقاتها الاستراتيجية مع عدد من القوى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، فإن اتساع نطاق الاعتراض على سياساتها يشير إلى تحديات متنامية تواجه صورتها الدولية وقدرتها على المحافظة على مستويات الدعم التقليدية.

ولا تقتصر أهمية هذه التحولات على تداعياتها الدبلوماسية المباشرة، بل تمتد إلى أثرها المحتمل في إدراك المجتمع الإسرائيلي لمصادر قوته وأمنه. فقد شكلت العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، على امتداد عقود، إحدى الركائز الأساسية التي استندت إليها إسرائيل في تعزيز تفوقها العسكري وتوسيع هامش حركتها السياسية، فضلًا عن دورها في ترسيخ الشعور بوجود مظلة دعم خارجية قادرة على استيعاب جانب من التهديدات والتحديات.

ومن هذا المنظور، فإن تراجع مستويات التأييد الشعبي والسياسي لإسرائيل داخل بعض الأوساط الأميركية، حتى مع استمرار الالتزامات الرسمية تجاهها، قد يثير مخاوف تتعلق بمستقبل هذا الدعم وحدود استدامته. وتزداد أهمية هذه المخاوف عندما تتزامن مع ارتفاع التكلفة الاقتصادية والعسكرية للحروب، وتصاعد الانقسامات بشأن أولويات الأمن القومي، والخلافات المرتبطة بطبيعة القيادة السياسية واتجاهاتها.

غير أن الحديث عن تنامي العزلة الدولية لا يعني بالضرورة فقدان إسرائيل تحالفاتها الاستراتيجية أو تحولها إلى دولة معزولة بصورة كاملة؛ إذ ينبغي التمييز بين تراجع صورتها في الرأي العام الدولي وبين حدوث تغير فعلي في السياسات الحكومية للدول الحليفة. ومع ذلك، فإن اتساع الفجوة بين هذين المستويين قد يتحول إلى مصدر إضافي للضغط على صناع القرار، خاصة إذا بدأ ينعكس على حسابات الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي.

وتبرز هنا إشكالية أعمق تتعلق بالعلاقة بين الشرعية الخارجية والتماسك الداخلي؛ فكلما ازدادت حالة عدم اليقين بشأن البيئة الدولية الداعمة لإسرائيل، تعاظمت احتمالات انتقال الضغوط الخارجية إلى المجال السياسي والاجتماعي الداخلي، بما قد يحد من قدرة الحكومات المتعاقبة على إدارة الانقسامات أو احتواء تداعياتها.

في موازاة هذه التحولات، تطرح الانتخابات العامة المقبلة اختبارًا جديدًا لقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على تجاوز حالة الاستقطاب التي أصبحت سمة بارزة في المشهد الداخلي. فعلى الرغم من أن الانتخابات تمثل الآلية الدستورية الأساسية لإعادة توزيع السلطة وتجديد الشرعية السياسية، فإنها لا توفر بالضرورة حلًا للأزمات البنيوية التي تتجاوز حدود التنافس بين الأحزاب.

وتشير المعطيات المتعلقة باتجاهات الرأي العام، وفقًا للتقديرات الواردة في التقرير محل النقاش، إلى احتمال تقدم القوى المعارضة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو دون ضمان امتلاكها أغلبية برلمانية كافية لتشكيل حكومة مستقرة. وفي حال استمرار هذا التوازن، قد يجد النظام السياسي نفسه أمام إعادة إنتاج للانسداد ذاته، حتى وإن أسفرت الانتخابات عن تغير في موازين القوى الحزبية.

وتكتسب هذه الفرضية أهميتها من طبيعة النظام الانتخابي الإسرائيلي القائم على التمثيل النسبي وتعدد الأحزاب، وهو ما يجعل تشكيل الحكومات مرهونًا بقدرة القوى السياسية على بناء ائتلافات تتجاوز خلافاتها الأيديولوجية والاجتماعية. وفي ظل اتساع الفجوات بين التيارات الدينية والعلمانية، وبين القوى اليمينية والوسطية واليسارية، تصبح عملية تشكيل الائتلافات أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما تتداخل القضايا الأمنية مع الخلافات المتعلقة بهوية الدولة وموقع الدين في مؤسساتها.

وتقدم التجربة السياسية الإسرائيلية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2019 و2022 مؤشرًا على حدود قدرة الانتخابات المتكررة على معالجة الانقسام السياسي؛ إذ شهدت البلاد خمس جولات انتخابية خلال أقل من أربع سنوات، دون أن تؤدي الجولات الأولى إلى تأسيس استقرار حكومي مستدام.

ومن ثم، فإن الإشكالية الأساسية لا تتعلق فقط بهوية الحزب أو التحالف الذي قد يحصل على العدد الأكبر من المقاعد، وإنما بمدى قدرة القوى الفائزة على بناء أغلبية متماسكة، ووضع برنامج سياسي قابل للتنفيذ، وإدارة التناقضات بين مكونات الائتلاف.

وبذلك، فإن تغيير القيادة السياسية، رغم أهميته المحتملة، لا يكفي وحده لمعالجة الأزمة إذا ظلت العوامل المنتجة للاستقطاب قائمة. وقد تنجح الانتخابات في إعادة تشكيل الخريطة الحزبية دون أن تنجح بالضرورة في إعادة بناء التوافقات الاجتماعية والسياسية التي يحتاج إليها النظام للحفاظ على استقراره.

الأزمة الإسرائيلية الراهنة تتجاوز حدود الانقسام الحزبي، لتكشف عن اختلالات أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة ومكوناتها الاجتماعية، وبكيفية توزيع الالتزامات والموارد والأعباء داخل المجتمع.

وتشكل قضية التجنيد العسكري أحد أبرز التعبيرات عن هذه الاختلالات، لا سيما في ظل استمرار الخلاف حول إعفاء قطاعات من اليهود المتدينين المتشددين «الحريديم» من الخدمة العسكرية، في مقابل تحمل قطاعات اجتماعية أخرى أعباء التجنيد والخدمة الاحتياطية.

ولا يمكن اختزال هذا الخلاف في كونه نزاعًا إداريًا بشأن سياسات التجنيد، إذ يعكس تباينًا أعمق في تصورات المجموعات الاجتماعية المختلفة بشأن المواطنة والمساواة ودور الدين في تنظيم العلاقة بين الفرد والدولة.

وتزداد حدة هذا التناقض في أوقات الحروب الممتدة، عندما ترتفع الأعباء البشرية والاقتصادية للخدمة العسكرية، ويصبح توزيع التضحيات موضع مساءلة اجتماعية وسياسية متزايدة. وفي مثل هذه الظروف، قد يتحول الإحساس بعدم تكافؤ الالتزامات إلى عامل يغذي الاستقطاب ويضعف الثقة المتبادلة بين المجموعات الاجتماعية.

وتتداخل هذه القضية مع خلافات أخرى تتعلق بسلطات المؤسسات القضائية، وحدود نفوذ السلطة التنفيذية، وطبيعة النظام الديمقراطي، فضلًا عن التباينات الثقافية والأيديولوجية بشأن هوية الدولة.

ومن المهم في هذا السياق الإشارة إلى أن المجتمع الإسرائيلي ليس كتلة اجتماعية أو سياسية متجانسة؛ فإلى جانب الانقسامات داخل المجتمع اليهودي، تبرز قضايا المواطنة والمساواة والتمثيل السياسي المتعلقة بالمواطنين العرب، بما يضيف أبعادًا أخرى إلى النقاش بشأن طبيعة الدولة وحدود قدرتها على استيعاب التعددية الاجتماعية والسياسية.

وعليه، فإن تراكم هذه التناقضات يكشف عن أزمة تتصل بالقواعد التي تنظم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وليس فقط بالخلاف حول القرارات الحكومية أو أداء القيادة السياسية.

بعبارة أخرى، تكمن خصوصية المرحلة الراهنة في تزامن عدد من الأزمات التي كان يمكن للنظام السياسي الإسرائيلي، في ظروف مختلفة، التعامل مع كل منها بصورة منفصلة. فالحروب تستنزف الموارد الاقتصادية والبشرية، والانقسامات السياسية تعرقل اتخاذ القرارات، والخلافات الاجتماعية تعيد طرح أسئلة الهوية والمواطنة، بينما تفرض الضغوط الدولية تحديات إضافية على حسابات الأمن والسياسة الخارجية.

ويؤدي هذا التزامن إلى تعقيد آليات إدارة الأزمات، إذ قد تتحول الإجراءات الرامية إلى معالجة أحد الاختلالات إلى سبب في تعميق اختلالات أخرى. فعلى سبيل المثال، قد تؤدي محاولة توسيع نطاق التجنيد إلى زيادة التوتر مع الأحزاب الدينية المشاركة في الائتلافات الحكومية، في حين قد يفاقم تأجيل معالجة القضية شعور قطاعات أخرى بعدم العدالة في توزيع الأعباء.

وبالمثل، فإن استمرار العمليات العسكرية قد يتيح للحكومة تعبئة قطاعات من المجتمع حول اعتبارات الأمن القومي، لكنه قد يضاعف في الوقت ذاته الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ويزيد حدة الخلاف حول الأهداف الاستراتيجية للحرب وكلفتها ونتائجها.

وفي هذا الإطار، يصبح التحدي الرئيسي مرتبطًا بقدرة النظام السياسي على إنتاج تسويات تحظى بقدر كافٍ من القبول الاجتماعي، وليس بمجرد الحفاظ على استمرارية المؤسسات أو تشكيل حكومة جديدة.

وقد استطاعت إسرائيل في مراحل سابقة احتواء جانب من تناقضاتها الداخلية عبر آليات التفاوض الائتلافي، أو من خلال توظيف التهديدات الخارجية لتعزيز التماسك المجتمعي. إلا أن فاعلية هذه الآليات تظل موضع اختبار عندما تصبح التهديدات الخارجية نفسها مصدرًا لتعميق الخلاف بشأن القيادة والأولويات وتوزيع الأعباء.

بشكل عام، تستدعي قراءة الأزمة الإسرائيلية التمييز بين احتمال الانهيار السياسي المفاجئ وبين مسار التآكل التدريجي في قدرة النظام على إدارة التناقضات. فاستمرار الاستقطاب وتكرار الانتخابات وتصاعد الخلافات الاجتماعية لا يعني بالضرورة اقتراب انهيار الدولة أو توقف مؤسساتها عن العمل.

فإسرائيل لا تزال تمتلك مؤسسات إدارية وعسكرية واقتصادية تتمتع بقدرات تنظيمية مهمة، إلى جانب علاقات استراتيجية خارجية تمثل عوامل دعم لاستمرارية النظام. ولذلك فإن السيناريو الأكثر قابلية للتحليل، في ضوء المعطيات المطروحة، يتمثل في احتمالات تراجع فاعلية الحكم واستمرار الانسداد السياسي وتآكل الثقة بالمؤسسات، أكثر من افتراض حتمية انهيار شامل.

ومع ذلك، فإن التآكل المؤسسي الممتد قد تكون له تداعيات استراتيجية بعيدة المدى؛ لأنه يحد من قدرة النظام على اتخاذ قرارات مستقرة، ويزيد تكلفة التسويات السياسية، ويجعل إدارة الأزمات مرهونة بتوازنات حزبية ضيقة بدلًا من توافقات وطنية أوسع.

كما أن استمرار هذه الحالة قد يؤدي إلى تحول الأزمات المؤقتة إلى اختلالات مزمنة، بحيث تصبح الحكومات المتعاقبة أكثر انشغالًا بضمان بقائها السياسي من قدرتها على معالجة المشكلات البنيوية التي تواجه المجتمع.

الغاية إن مجمل هذه التطورات تشير إلى أن التحدي الذي يواجه إسرائيل لا يتمثل في أزمة قيادة سياسية فحسب، وإنما في تراجع قدرة الصيغة السياسية والاجتماعية القائمة على استيعاب التناقضات المتراكمة وإدارتها ضمن حدود تسمح باستمرار الاستقرار. فالعزلة الدولية المتنامية، والضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحروب، والخلافات المتعلقة بالتجنيد، والصراع بشأن طبيعة العلاقة بين الدين والدولة، جميعها عوامل تتفاعل لتضع النظام السياسي أمام اختبار يتجاوز نتائج الانتخابات المقبلة.

ومن ثم، فإن مستقبل الأزمة سيظل مرتبطًا بثلاثة متغيرات رئيسية: قدرة المؤسسات السياسية على استعادة فاعليتها، وإمكان التوصل إلى تسويات اجتماعية أكثر استقرارًا بشأن توزيع الأعباء والحقوق، ومدى قدرة إسرائيل على احتواء الضغوط الخارجية دون تحويلها إلى مصادر إضافية للاستقطاب الداخلي. وفي غياب تقدم ملموس على هذه المستويات، قد تستمر إسرائيل في مواجهة حالة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي الممتد، حتى مع تغير الحكومات أو إعادة تشكيل التحالفات الحزبية.

ذلك أن التحدي الحقيقي لا يكمن في استمرار مؤسسات الدولة في أداء وظائفها المباشرة، بل في قدرتها على إنتاج شرعية سياسية واجتماعية متجددة، والحفاظ على الحد الأدنى من الثقة اللازمة لإدارة الصراعات الداخلية. ومن هذه الزاوية، تبدو الأزمة الإسرائيلية اختبارًا بنيويًا لقدرة النظام على الاستمرار والتكيف، أكثر منها مجرد