إيران تعرض الوساطة بين السعودية والحوثيين: دبلوماسية لخفض التصعيد أم محاولة لتعزيز النفوذ الإقليمي؟
تأتي المبادرة الإيرانية لتسهيل الحوار بين السعودية وجماعة الحوثيين في اليمن في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعدًا في التوترات، وتجددًا للمخاوف بشأن أمن الأراضي السعودية والممرات البحرية. وإلى جانب هدفها المعلن المتمثل في تشجيع التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن، تثير المبادرة تساؤلات أوسع بشأن استراتيجية إيران الإقليمية، ومستقبل العلاقات السعودية الإيرانية، وفرص التوصل إلى تفاهمات أوسع لخفض التصعيد في الشرق الأوسط.
ووفقًا لما أوردته وسائل إعلام، من بينها قناة «الجزيرة»، استنادًا إلى تصريحات رسمية إيرانية وآراء محللين إقليميين، تسعى طهران إلى ترسيخ موقعها بوصفها طرفًا يمكنه الاضطلاع بدور الوسيط في جهود خفض التصعيد. وترى نيجار مرتضوي، المحللة السياسية في مركز السياسة الدولية، أن عرض الوساطة يستهدف جعل إيران طرفًا لا غنى عنه في أي تسوية إقليمية أوسع. وتشير كذلك إلى أن الهدف الأوسع لطهران قد يتمثل في التوصل إلى تفاهم غير رسمي لعدم الاعتداء بين إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة وشركائها الإقليميين من جهة أخرى.
وعليه، لا تقتصر أهمية المبادرة على انعكاساتها المحتملة على اليمن، بل تمتد إلى مدى قدرتها على ربط الصراعات الإقليمية المنفصلة بمسار دبلوماسي أوسع.
مبادرة دبلوماسية في ظل تصاعد التوترات
الأحد الماضي، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالًا هاتفيًا بنظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان. وخلال الاتصال، أبدت طهران استعدادها للمساعدة في تسهيل الحوار بين الرياض وجماعة الحوثيين، المعروفة أيضًا باسم «أنصار الله»، ودعم الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية.
وأكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن استمرار الاعتماد على الحلول العسكرية من شأنه تعقيد الأوضاع الإقليمية، مشددة على ضرورة إعطاء الأولوية للحوار السياسي. وفي المقابل، أكدت الرواية الرسمية السعودية إجراء الاتصال ومناقشة التصعيد الإقليمي والجهود المبذولة لاحتوائه، دون الإعلان عن اتفاق لبدء مفاوضات أو تأكيد قبول الرياض بمقترح الوساطة الإيرانية.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين عرض الوساطة والموافقة عليها؛ فمجرد استعداد دولة لتسهيل الحوار لا يعني أن أطراف النزاع وافقت على التفاوض، كما لا يثبت أن الدولة الوسيطة تمتلك من النفوذ ما يكفي لضمان التوصل إلى تسوية.
ومع ذلك، تعكس المبادرة محاولة لفتح قناة دبلوماسية في توقيت بالغ الحساسية. فقد رفعت الهجمات المبلغ عنها على المطارات السعودية من مستوى المخاطر الأمنية المباشرة، في حين زادت المواجهة الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وشركائهما من احتمالات تداخل الصراع اليمني بصورة أكبر مع ساحات إقليمية أخرى.
لماذا تعرض طهران الوساطة؟
يمكن فهم المبادرة الإيرانية من خلال ثلاثة اعتبارات استراتيجية مترابطة.
أولًا، تعزيز موقع إيران في أي تسوية إقليمية مقبلة. فمن خلال عرض تسهيل الحوار بين السعودية والحوثيين، تسعى طهران إلى أداء دور في معالجة نزاع يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها تمتلك فيه مصالح سياسية واستراتيجية مهمة. وإذا حظيت المبادرة بالقبول، فقد تتمكن إيران من تعزيز موقعها في المناقشات اللاحقة المتعلقة بالأمن الإقليمي وإدارة المصالح المتنافسة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن طهران قادرة على التحكم في قرارات الحوثيين. فالجماعة تمتلك حساباتها السياسية والعسكرية وأولوياتها التفاوضية الخاصة. وعلى الرغم من الدعم الذي تقدمه إيران للحوثيين، فإن مدى تأثيرها في قراراتهم العملياتية والسياسية يظل مسألة منفصلة تحتاج إلى تقييم مستقل. وتشير تقديرات مرتضوي إلى أن إيران تتمتع بنفوذ على الجماعة، لكنها لا تتحكم في جميع قراراتها.
ثانيًا، الترابط بين خفض التصعيد الإقليمي والمواجهة مع واشنطن. قد تنظر طهران إلى الصراعات في اليمن ولبنان باعتبارها مرتبطة بالمواجهة الاستراتيجية الأوسع مع الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين. ومن هذا المنظور، قد لا يكون الاتفاق الذي يقتصر على ساحة واحدة كافيًا لضمان استقرار مستدام، ما دامت مصادر التوتر الأخرى قائمة.
وترى مرتضوي أن إيران قد تفضّل التوصل إلى تفاهم يحد من الأعمال العدائية على جبهات متعددة، بدلًا من الاكتفاء باتفاق يقتصر على المواجهة الأمريكية الإيرانية. ومن شأن هذا النهج، نظريًا، أن يقلل مخاطر تجدد الهجمات على البنية التحتية الإقليمية وحركة الشحن البحري، وأن يهيئ المجال لمفاوضات دبلوماسية أوسع.
ثالثًا، تقليص الأعباء الاقتصادية والاستراتيجية لاستمرار التصعيد. فاستمرار المواجهة قد يعرض إيران لمزيد من الضغوط العسكرية والقيود الاقتصادية، ويزيد من تعقيد علاقاتها الإقليمية. ومن ثم، قد يخدم خفض التصعيد مصالح طهران عبر الحد من مخاطر اندلاع حرب أوسع، وفتح المجال لمعالجة ملفات العقوبات والأصول المجمدة من خلال مفاوضات منفصلة.
ومع ذلك، ينبغي عدم الخلط بين هذه المكاسب المحتملة وبين وجود أدلة على التوصل إلى صفقة شاملة أو اتفاق بين الأطراف على ربط مستقبل اليمن بمفاوضات تتعلق بالعلاقة الأوسع بين إيران وواشنطن.
الحسابات السعودية: الأمن أولًا
من المرجح أن تظل حماية الأراضي السعودية والسكان والبنية التحتية الحيوية أولوية مباشرة بالنسبة إلى الرياض. فقد سلطت الهجمات الأخيرة على المطارات السعودية، بما فيها مطار الملك خالد الدولي في الرياض، الضوء على التكاليف الأمنية المباشرة لتجدد الأعمال العدائية.
وبحسب تقارير إعلامية، تسببت الهجمات على مطار الرياض في سقوط ضحايا وإثارة مخاوف بشأن أمن الطيران المدني. كما أعادت هذه الحوادث تسليط الضوء على مدى تعرض البنية التحتية الأساسية للاستهداف، واحتمالات اتساع نطاق التصعيد.
وفي هذا السياق، يتعين على الرياض الموازنة بين القيمة المحتملة للانخراط الدبلوماسي والحاجة إلى ضمان أن تفضي أي عملية سياسية إلى نتائج أمنية ملموسة.
وقد يتيح العرض الإيراني قناة إضافية للاتصال، خصوصًا إذا تمكنت طهران من تشجيع الأطراف التي تربطها بها علاقات وثيقة على ضبط النفس. لكن السعودية ستكون معنية أيضًا بتقييم مدى قدرة الوساطة الإيرانية على إنتاج التزامات قابلة للتحقق لخفض الهجمات، ومدى إمكانية تنفيذ هذه الالتزامات فعليًا.
وتزداد الحسابات السعودية تعقيدًا بسبب ضرورة التمييز بين الانخراط الدبلوماسي مع إيران وقبولها وسيطًا رئيسيًا في النزاع اليمني. فالأمران ليسا متطابقين؛ إذ يمكن للرياض الحفاظ على قنوات الاتصال مع طهران، مع مواصلة الاعتماد على مسارات دبلوماسية أخرى، بما فيها جهود الأمم المتحدة وشركاء إقليميون.
وفي ظل عدم إعلان السعودية قبولًا رسميًا بمقترح الوساطة الإيرانية، من الأدق التعامل مع المبادرة بوصفها انفتاحًا دبلوماسيًا محتملًا، لا إطارًا تفاوضيًا قائمًا بالفعل.
اليمن وحدود الوساطة الخارجية
تعتمد فرص التوصل إلى تسوية سياسية أيضًا على التطورات داخل اليمن نفسه. فعلى الرغم من البعد الإقليمي المهم للنزاع، لا يمكن اختزال أسبابه في التنافس بين السعودية وإيران وحده.
يمتلك الحوثيون أهدافًا سياسية وعسكرية خاصة، في حين تتباين مصالح الأطراف اليمنية الأخرى بشأن السيطرة على الأراضي، ومؤسسات الدولة، والترتيبات الأمنية، وتوزيع السلطة السياسية. ومن ثم، فإن التوصل إلى تسوية مستدامة يتطلب أكثر من مجرد تفاهم بين الرياض وطهران.
وقد تسهم الوساطة الإيرانية في خفض التوتر إذا ساعدت على تسهيل التواصل أو تشجيع الأطراف على ضبط النفس. لكنها لن تكون كافية بمفردها لمعالجة القضايا الأعمق التي يقوم عليها النزاع اليمني، بما يشمل شكل الحكم مستقبلًا، ووضع الجماعات المسلحة، والترتيبات الاقتصادية، وتمثيل القوى السياسية المتنافسة.
ويتمثل تحدٍ آخر في تنفيذ أي اتفاق محتمل. فحتى إذا اتفقت الأطراف الرئيسية على خفض الأعمال العدائية، فإن الحفاظ على التسوية يتطلب آليات لمراقبة الالتزامات، ومعالجة الخروقات، ومنع الحوادث المحلية من التسبب في تجدد التصعيد.
لذلك، ينبغي تقييم جدوى الوساطة الخارجية ليس فقط بقدرتها على جمع الأطراف إلى طاولة المفاوضات، بل أيضًا بمدى إسهامها في دعم عملية سياسية شاملة وإنشاء ترتيبات قابلة للاستمرار بعد انتهاء المرحلة الأولى من خفض العنف.
باب المندب والتداعيات الأمنية الأوسع
تمتد الأهمية الاستراتيجية للمبادرة إلى ما وراء المواجهة المباشرة بين السعودية والحوثيين. فموقع اليمن بالقرب من مضيق باب المندب يمنح النزاع تداعيات مهمة على أحد الممرات البحرية الحيوية في المنطقة، والذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
وقد يؤدي استمرار الأعمال العدائية إلى زيادة المخاطر التي تواجه حركة الشحن البحري، ورفع تكاليف التأمين والنقل، وتعقيد حركة التجارة الدولية. وفي المقابل، يمكن أن يسهم خفض التوتر في تحسين البيئة الأمنية للملاحة والحد من التداعيات الاقتصادية لعدم الاستقرار الإقليمي.
وبالنسبة إلى السعودية، يرتبط تأمين البنية التحتية الحيوية وحرية الوصول إلى الممرات البحرية بالأمن الاقتصادي. أما إيران، فقد يتيح لها الاضطلاع بدور دبلوماسي في جهود تحقيق الاستقرار الإقليمي فرصة لإظهار قدرتها على الإسهام في خفض التصعيد، إلى جانب مشاركتها في التنافس على النفوذ الإقليمي.
ومع ذلك، يظل الارتباط بين النزاع اليمني وأمن الملاحة البحرية مرهونًا بالتطورات الميدانية. فالإعلان عن مبادرة للوساطة لا يضمن، في حد ذاته، انخفاض الهجمات أو التزام الأطراف المعنية بالتهديدات البحرية بأي اتفاق مستقبلي.
ومن ثم، يتطلب التقييم الموضوعي للمبادرة متابعة مؤشرات عملية، من بينها تغير وتيرة الهجمات، ومستوى سلامة حركة السفن التجارية، ومدى تحول الاتصالات السياسية إلى ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ.
هل تستطيع إيران ربط النزاع اليمني باتفاق إقليمي أوسع؟
من أبرز الأسئلة التي تثيرها المبادرة الإيرانية مدى سعي طهران إلى ربط النزاع اليمني بتفاهم أوسع مع الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين.
وقد يعكس هذا التوجه اعتقادًا بأن الصراعات الإقليمية مترابطة، وأن الاتفاقات المنفصلة قد تظل هشة ما دامت مصادر المواجهة الأخرى قائمة. ومن الناحية النظرية، يمكن لإطار أوسع أن يتناول عددًا من القضايا في وقت واحد، بما يشمل الهجمات العابرة للحدود، وأمن الملاحة البحرية، وحماية البنية التحتية الحيوية، وإنشاء آليات لمنع تجدد التصعيد.
غير أن إدراج صراعات متعددة ضمن إطار تفاوضي واحد من شأنه أن يزيد تعقيد العملية. فمصالح الولايات المتحدة والسعودية وإيران والحوثيين وغيرهم من الأطراف الإقليمية لا تتطابق بالضرورة. وقد تختلف أولويات كل طرف بشأن الضمانات الأمنية والنتائج السياسية المطلوبة، في حين يمكن للخلافات المتعلقة بتسلسل الخطوات وآليات التنفيذ أن تعرقل المفاوضات.
وهناك أيضًا مسألة أساسية تتعلق بتوزيع المسؤوليات. فقد تسعى السعودية إلى ضمانات قابلة للتحقق لوقف الهجمات على أراضيها، بينما تعطي واشنطن الأولوية لأمن قواتها وحماية الممرات البحرية. وفي المقابل، قد تسعى طهران إلى تخفيف الضغوط العسكرية وتحقيق تقدم في الملفات المرتبطة بالعقوبات.
ويتطلب التوفيق بين هذه الأولويات أكثر من مجرد تصريحات عامة تدعو إلى الحوار؛ إذ يستلزم التزامات محددة، وآليات موثوقة للتنفيذ، واستعدادًا سياسيًا كافيًا لدى الأطراف المعنية.
وبناءً على ذلك، يمكن فهم المقترح الإيراني باعتباره محاولة لتهيئة المجال لنقاش دبلوماسي أوسع. أما تحوله إلى تفاهم إقليمي شامل، فسيظل مرهونًا بمواقف الأطراف الأخرى والتطورات الميدانية والسياسية في المنطقة.
بشكل عام، يعكس عرض إيران تسهيل المحادثات بين السعودية والحوثيين كيف يمكن للدبلوماسية أن تصبح جزءًا من التنافس الأوسع على النفوذ الإقليمي. فطهران تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها طرفًا قادرًا على الإسهام في خفض التصعيد، بينما تتيح المبادرة فرصة محتملة لربط النزاع اليمني بمناقشات أوسع حول الأمن الإقليمي.
وبالنسبة إلى السعودية، يتمثل الاختبار الأساسي في مدى قدرة الانخراط الدبلوماسي على الحد من الهجمات وتوفير ضمانات موثوقة لحماية أراضيها وبنيتها التحتية الحيوية. أما الحوثيون، فإن أي عملية سياسية تتطلب معالجة أهدافهم الخاصة والقضايا الأوسع المرتبطة بمستقبل اليمن السياسي. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة وبقية الأطراف الإقليمية، تثير المبادرة تساؤلًا جوهريًا حول إمكانية أن يسهم خفض التصعيد في ساحة محددة في تقليص التوترات على نطاق أوسع.
ويتمثل التحدي المباشر في الانتقال من الإشارات الدبلوماسية إلى الالتزامات العملية. ويتطلب ذلك استمرار التواصل، ومشاركة الأطراف اليمنية المعنية، ووضع ترتيبات قادرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى تغييرات ملموسة على الأرض.
وقد تفتح المبادرة الإيرانية قناة للحوار، لكن أهميتها النهائية ستتحدد بمدى نجاحها في تحقيق خفض ملموس وقابل للتحقق للأعمال العدائية، والإسهام في إطلاق عملية سياسية أكثر استدامة. وإلى أن تظهر مثل هذه النتائج، سيكون من الأدق النظر إلى المقترح باعتباره مؤشرًا على الطموحات الدبلوماسية الإيرانية وتطور الحسابات الإقليمية المحيطة باليمن، لا دليلًا على أن تسوية شاملة باتت وشيكة.
