إثيوبيا والمنفذ البحري: بين الضرورات الاقتصادية وحسابات السيادة والتوازنات الإقليمية

تقدير موقف - Foresight

تتزايد أهمية مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والأمنية مع اعتبارات السيادة الوطنية والتنافس الإقليمي والدولي. فمنذ استقلال إريتريا عام 1993، أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة تعتمد بدرجة كبيرة على موانئ جيبوتي لتأمين تجارتها الخارجية، وهو واقع تسعى أديس أبابا إلى تغييره عبر تحركات دبلوماسية واتفاقات إقليمية متعاقبة.

غير أن رغبة إثيوبيا في توسيع خياراتها البحرية تواجه تحديات معقدة، في مقدمتها تحفظات الصومال وإريتريا، والموقف المصري الرافض لأي ترتيبات تمس سيادة الدول الساحلية أو تنطوي على وجود عسكري إثيوبي في البحر الأحمر. وتزداد هذه التعقيدات في ظل التوترات الداخلية الإثيوبية، والخلافات الإقليمية بشأن الأمن والمياه، فضلاً عن دخول أطراف دولية، بينها إسرائيل، على خط النقاش حول مستقبل النفوذ في المنطقة.

وبينما تصف الحكومة الإثيوبية الوصول إلى البحر بأنه ضرورة استراتيجية واقتصادية، ترى دول مجاورة أن تحقيق هذا الهدف يجب أن يخضع للقانون الدولي، وألا يتحول إلى مبرر لفرض ترتيبات أحادية تمس سيادتها أو تعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية.

إثيوبيا ومعضلة الدولة الحبيسة

منذ وصول رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة في أبريل 2018، برزت مسألة الوصول إلى الموانئ البحرية ضمن أولويات السياسة الخارجية الإثيوبية، في إطار ما عُرف بـ«دبلوماسية الموانئ». وتسعى هذه السياسة إلى تقليل الاعتماد على مسار تجاري واحد، وتوسيع خيارات النقل البحري، وخفض تكاليف التجارة، وتعزيز قدرة البلاد على تلبية احتياجات اقتصادها المتنامي.

وفي هذا السياق، أبرمت أديس أبابا تفاهمات مع دول مجاورة، من بينها السودان والصومال، بهدف توسيع فرص الاستفادة من الموانئ الإقليمية. غير أن تلك المسارات لم تتحول إلى ترتيبات مستقرة، نتيجة الخلافات السياسية والتعقيدات المتعلقة بتنفيذ الاتفاقات.

وفي أكتوبر 2023، انتقل الخطاب الإثيوبي إلى مستوى أكثر وضوحاً، عندما وصف آبي أحمد الوصول إلى البحر الأحمر بأنه «ضرورة وجودية». وأعاد هذا التصريح القضية إلى صدارة النقاش الإقليمي، خصوصاً في ظل ما أثاره من تساؤلات بشأن طبيعة المنفذ الذي تسعى إثيوبيا إلى الحصول عليه، وما إذا كانت تطمح إلى استخدام تجاري للموانئ القائمة، أم إلى ترتيبات تمنحها وجوداً عسكرياً أو نفوذاً سيادياً على الساحل.

وفي يوليو 2026، ربط رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، السعي إلى منفذ بحري بضرورة رفع الجاهزية الأمنية، مشيراً إلى تدهور الوضع في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ويعكس هذا الخطاب اتساع نطاق القضية من ملف اقتصادي وتجاري إلى مسألة ترتبط بحسابات الأمن القومي والتخطيط العسكري.

من وجهة النظر الإثيوبية، لا تقتصر المشكلة على تكاليف النقل أو محدودية الخيارات التجارية، بل تمتد إلى ما تعتبره البلاد اختلالاً استراتيجياً ناتجاً عن اعتمادها على موانئ دول أخرى. ويمنحها هذا التصور دافعاً للبحث عن ترتيبات طويلة الأجل تضمن استمرارية تجارتها وتقلل تعرضها للضغوط السياسية.

لكن أهمية هذا الهدف بالنسبة إلى إثيوبيا لا تعني بالضرورة امتلاكها حقاً تلقائياً في الحصول على أرض ساحلية أو فرض ترتيبات بحرية على دولة أخرى. فهناك فرق بين حق الدولة الحبيسة في الوصول إلى البحر وفق القواعد القانونية والاتفاقات ذات الصلة، وبين المطالبة بالسيادة على ميناء أو إقامة وجود عسكري على ساحل دولة مجاورة.

بين الحق في الوصول إلى البحر وسيادة الدول الساحلية

يستند النقاش حول المنفذ البحري الإثيوبي إلى تمييز أساسي بين تسهيل التجارة الدولية وبين امتلاك منفذ ذي طبيعة سيادية أو عسكرية.

فالقانون الدولي يقر للدول الحبيسة حقوقاً تتعلق بالوصول إلى البحر ومنه، وفق الشروط والترتيبات التي تنظمها الاتفاقات والقواعد الدولية ذات الصلة. غير أن تطبيق هذه الحقوق يظل مرتبطاً بالتعاون مع دول العبور واحترام سيادتها، ولا يمنح الدولة الحبيسة حق الاستيلاء على أراضٍ ساحلية أو فرض وجود عسكري من جانب واحد.

ومن هذا المنطلق، تؤكد القاهرة أن اعتراضها لا يتعلق بحرمان إثيوبيا من التجارة البحرية، بل بطبيعة الترتيبات التي قد تنشأ عن مساعيها. فقد شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في تصريحات متكررة، على أن الدول المطلة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، محذراً من أن منح دولة غير ساحلية منفذاً عسكرياً دون توافق قانوني وسياسي قد يفتح الباب أمام اضطراب إقليمي يصعب احتواؤه.

وفي الوقت نفسه، لا تنفي مصر إمكانية حصول إثيوبيا على تسهيلات تجارية عبر اتفاقات قانونية مع دول الجوار، وهو ما يجعل جوهر الخلاف مرتبطاً بنوع الوصول المطلوب وآلياته، لا بمجرد استخدام الموانئ لأغراض التجارة.

وتستند المخاوف المصرية أيضاً إلى احتمال أن يؤدي قبول ترتيبات استثنائية لإثيوبيا إلى تشجيع دول حبيسة أخرى على المطالبة بترتيبات مماثلة، بما قد يزيد الضغوط على الدول الساحلية ويفتح نقاشاً أوسع حول إدارة الموانئ والأمن البحري في المنطقة.

ومع ذلك، فإن تقييم أي اتفاق محتمل ينبغي أن يستند إلى نصوصه الفعلية، وطبيعة الحقوق التي يمنحها، ومدى توافقه مع القانون الدولي، بدلاً من افتراض أن جميع أشكال الوصول البحري تنطوي بالضرورة على تهديد للسيادة أو الأمن.

مصر وحسابات الأمن القومي

يكتسب الموقف المصري من القضية أبعاداً تتجاوز الجدل القانوني، في ضوء الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب بالنسبة إلى أمن الملاحة والتجارة الدولية.

فالقاهرة تنظر إلى أمن البحر الأحمر بوصفه جزءاً من منظومة أمنها القومي، نظراً إلى ارتباطه بقناة السويس وحركة التجارة العالمية، فضلاً عن تداعيات أي اضطراب في الممرات البحرية على الاقتصاد المصري والأمن الإقليمي.

وفي هذا الإطار، أكدت مصر في اتصالاتها مع مسؤولين من دول المنطقة ضرورة احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ورفض التحركات الأحادية التي قد تهدد الاستقرار. كما شددت على أن إدارة أمن البحر الأحمر ينبغي أن تراعي مصالح الدول المشاطئة له، وألا تتحول إلى مجال لتوسيع النفوذ العسكري لقوى خارج المنطقة.

ويرى محللون أن القاهرة تسعى، من خلال تعزيز علاقاتها مع إريتريا والصومال وجيبوتي، إلى تكوين شبكة من التفاهمات الإقليمية التي تحد من احتمالات فرض ترتيبات بحرية بالقوة أو خارج الأطر المتوافق عليها.

لكن من المهم التمييز بين التنسيق الإقليمي المشروع لحماية الملاحة والسيادة وبين تحويل القضية إلى اصطفاف سياسي دائم ضد إثيوبيا. فالتعامل مع دولة تضم أكثر من مئة مليون نسمة، وتمثل ثقلاً سكانياً واقتصادياً في أفريقيا، يتطلب مقاربة توازن بين حماية المصالح المصرية والحفاظ على فرص التعاون الإقليمي.

كما أن الخلافات بين القاهرة وأديس أبابا بشأن مياه النيل تضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى العلاقة بين البلدين. ورغم تأكيد مصر أن موقفها من المنفذ البحري يستند إلى اعتبارات السيادة والأمن الإقليمي، فإن تداخل الملفين في الحسابات السياسية قد يجعل التوصل إلى تفاهمات أكثر صعوبة.

ومن ثم، فإن نجاح السياسة المصرية لا يتوقف فقط على منع ترتيبات تعتبرها تهديداً، بل يتطلب أيضاً دعم بدائل تجارية وقانونية تقلل دوافع التصعيد وتمنع تحول الخلاف إلى أزمة إقليمية أوسع.

الصومال وإريتريا: مخاوف السيادة ووحدة الأراضي

يمثل موقف الصومال أحد أبرز العوائق أمام المساعي الإثيوبية، خصوصاً بعد مذكرة التفاهم التي وقعتها أديس أبابا مع إقليم أرض الصومال في يناير 2024، والتي أثارت خلافاً حاداً بشأن استخدام ميناء بربرة والترتيبات المرتبطة بالوصول إلى البحر.

رفضت مقديشو الاتفاق، معتبرة أنه يمس سيادة الصومال ووحدة أراضيه، وحظي موقفها بدعم عدد من الدول العربية والإقليمية. وأظهرت الأزمة أن مسألة الموانئ لا تتعلق بالمصالح الاقتصادية وحدها، بل ترتبط أيضاً بالخلافات حول الاعتراف السياسي والحدود والشرعية الدولية.

ومن منظور الصومال، فإن إبرام اتفاقات مع سلطات إقليمية من دون موافقة الحكومة الاتحادية قد يشكل سابقة تهدد وحدة البلاد. أما إثيوبيا، فتسعى إلى توسيع خياراتها البحرية، مستندة إلى أهمية إيجاد ترتيبات عملية تلبي احتياجاتها الاقتصادية والاستراتيجية.

ويكشف هذا التعارض عن صعوبة فصل ملف الوصول البحري عن النزاعات السياسية القائمة في القرن الأفريقي. فحتى لو توافرت منافع اقتصادية مشتركة، فإن غياب التوافق بشأن الجهة المخولة بإبرام الاتفاق قد يحول المشروع إلى مصدر للتوتر بدلاً من أن يكون مدخلاً للتعاون.

أما إريتريا، فتتعامل بحذر مع المطالب الإثيوبية، في ضوء التاريخ المعقد للعلاقات بين البلدين، والحرب الحدودية السابقة، وأهمية ميناءي عصب ومصوع بالنسبة إلى الحسابات الاستراتيجية الإثيوبية قبل استقلال إريتريا عام 1993.

وقد أثارت تصريحات المسؤولين الإثيوبيين بشأن «الضرورة الوجودية» للوصول إلى البحر مخاوف أسمرة من أن تتحول المطالب الاقتصادية إلى ضغوط سياسية أو عسكرية تستهدف إعادة النظر في الترتيبات القائمة. وفي المقابل، تتهم إثيوبيا بعض التحركات الإقليمية بمحاولة تطويقها ومنعها من الوصول إلى البحر الأحمر.

وتعكس هذه المواقف أزمة ثقة متبادلة تجعل أي تفاهم بشأن الموانئ أكثر تعقيداً. فالتوصل إلى اتفاق مستدام يتطلب ضمانات واضحة بشأن السيادة والحدود وطبيعة الاستخدام، فضلاً عن آليات لحل النزاعات ومنع توظيف الترتيبات التجارية لأغراض عسكرية غير متفق عليها.

الدعم الإسرائيلي وأبعاد التنافس الإقليمي

أضاف الموقف الإسرائيلي بعداً جديداً إلى القضية، بعدما نقلت وسائل إعلام إثيوبية تصريحات للسفير الإسرائيلي في أديس أبابا، أفراهام نغوسي، أعلن فيها دعم بلاده لمساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، معتبراً أن تعزيز استقرار البحر الأحمر يخدم مصالح إقليمية أوسع.

ويثير هذا الدعم تساؤلات بشأن دوافعه وحدوده، خصوصاً في ظل الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر وباب المندب بالنسبة إلى إسرائيل، وارتباط أمن الملاحة فيهما بالتجارة الدولية والتحركات العسكرية الإقليمية.

ومن الممكن أن تنظر إسرائيل إلى تعزيز علاقاتها مع إثيوبيا باعتباره وسيلة لتوسيع حضورها الدبلوماسي والاقتصادي في القرن الأفريقي، والاستفادة من موقع إثيوبيا وثقلها الإقليمي. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الدعم المعلن يترجم إلى التزام عسكري أو إلى خطة محددة لإنشاء قاعدة إسرائيلية أو إثيوبية على البحر الأحمر؛ إذ يتطلب الوصول إلى مثل هذه الاستنتاجات أدلة مستقلة وتفاصيل واضحة بشأن الاتفاقات القائمة.

في المقابل، قد تنظر مصر وإريتريا والصومال إلى أي دور إسرائيلي في هذا الملف من زاوية التنافس على النفوذ والأمن البحري، خصوصاً إذا اقترن الدعم السياسي بترتيبات أمنية تؤثر في موازين القوى القائمة.

وتبرز هنا أهمية عدم اختزال القضية في مواجهة مصرية إسرائيلية أو في صراع بين محاور إقليمية. فالمصالح الإثيوبية المتعلقة بالتجارة والنقل حقيقية، كما أن مخاوف الدول الساحلية بشأن السيادة والأمن ليست مجرد انعكاس للتنافس الدولي. وتحتاج معالجة الملف إلى تقييم كل من هذه المصالح بصورة مستقلة، مع مراعاة كيفية تفاعلها وتأثيرها المتبادل.

الأزمات الداخلية وحدود القدرة الإثيوبية على المناورة

لا تتحرك إثيوبيا في بيئة إقليمية معقدة فحسب، بل تواجه أيضاً تحديات داخلية سياسية وأمنية واقتصادية. وقد شهدت مناطق عدة، بينها أمهرة وأورومو وتيغراي، اضطرابات وصراعات مسلحة بدرجات متفاوتة، بما يفرض أعباء على الدولة ويؤثر في أولوياتها التنموية والأمنية.

وتنعكس هذه الأوضاع على قدرة الحكومة الإثيوبية على تنفيذ مشروعات استراتيجية بعيدة المدى، أو تخصيص موارد مالية وعسكرية إضافية لها. كما أن أي تصعيد خارجي قد يزيد الضغوط الاقتصادية ويعقد جهود احتواء النزاعات الداخلية.

ومن الناحية العملية، فإن الحصول على منفذ بحري لا يقتصر على التوصل إلى اتفاق سياسي؛ بل يتطلب بنية تحتية للنقل، وشبكات طرق وسكك حديدية، واستثمارات طويلة الأجل، وترتيبات جمركية وأمنية، فضلاً عن ضمان استمرارية العمل في ظل الأزمات السياسية.

وتعتمد جدوى أي مشروع من هذا النوع على كلفته مقارنة بالبدائل المتاحة، ومدى قدرته على تقليل الاعتماد على موانئ محددة، وتوزيع المخاطر التجارية بصورة أفضل. لذلك، قد يكون توسيع استخدام الموانئ القائمة وتطوير الاتفاقات التجارية مع دول الجوار خياراً أقل كلفة ومخاطرة من السعي إلى ترتيبات سياسية أو عسكرية مثيرة للنزاع.

كذلك، فإن التوترات الداخلية قد تضعف قدرة إثيوبيا على إقناع جيرانها بأن تحركاتها البحرية ستظل محصورة في الأغراض الاقتصادية. وكلما ارتبط الخطاب الرسمي بلغة الضرورة العسكرية والتهديدات الأمنية، ازدادت الحاجة إلى ضمانات عملية تؤكد أن أي اتفاق لن يستخدم للإضرار بمصالح الدول المضيفة.

ما الخيارات المتاحة أمام أديس أبابا؟

رغم التعقيدات، لا يعني تعثر المساعي السابقة استحالة التوصل إلى صيغة تحقق لإثيوبيا قدراً أكبر من المرونة البحرية. فهناك مجموعة من الخيارات التي يمكن أن تتيح الوصول إلى البحر من دون المساس بسيادة الدول الساحلية.

أول هذه الخيارات توسيع الاتفاقات التجارية طويلة الأجل مع جيبوتي، التي تمثل المسار الرئيسي للتجارة الإثيوبية، بالتوازي مع تنويع الاستخدام التجاري لموانئ إقليمية أخرى. ويساعد هذا النهج على تقليل مخاطر الاعتماد على مسار واحد، من دون الحاجة إلى الدخول في نزاعات سيادية.

أما الخيار الثاني، فيتمثل في التفاوض على ترتيبات استثمارية وتشغيلية واضحة مع الدول الساحلية، بما قد يشمل تطوير الموانئ أو استئجار مرافق محددة وفق عقود متفق عليها، مع الحفاظ على السيادة القانونية للدولة المضيفة.

ويتمثل الخيار الثالث في إنشاء آلية إقليمية للحوار بشأن النقل البحري والعبور والبنية التحتية، تشارك فيها إثيوبيا والدول الساحلية المعنية، ويمكن أن تستند إلى وساطة الاتحاد الأفريقي أو أطراف إقليمية تحظى بقبول واسع.

ومن شأن مثل هذه الآلية أن تنقل النقاش من تبادل الاتهامات بشأن «الحصار» أو «فرض النفاذ بالقوة» إلى بحث المصالح المشتركة، بما يشمل التجارة والطاقة والاستثمار والأمن البحري ومكافحة القرصنة.

لكن نجاح هذه الخيارات يظل مرتبطاً بتحديد المطالب الإثيوبية بدقة، والتمييز بين الاستخدام التجاري للموانئ وأي مطالب تتعلق بالوجود العسكري أو الحقوق السيادية. فالغموض في هذا الجانب يغذي مخاوف الجيران، ويمنح القوى الإقليمية والدولية فرصة لتوظيف الخلاف في صراعات أوسع.

نحو تسوية تراعي المصالح المتعارضة

تُظهر قضية المنفذ البحري الإثيوبي أن القرن الأفريقي يواجه معضلة تتجاوز حدود دولة واحدة: كيف يمكن تلبية احتياجات دولة حبيسة ذات ثقل سكاني واقتصادي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على سيادة الدول الساحلية واستقرار الممرات البحرية؟

لا يمكن تجاهل الأعباء التي يفرضها الاعتماد الكبير على موانئ دولة واحدة على الاقتصاد الإثيوبي، كما لا يمكن اعتبار هذه الأعباء مبرراً لتجاوز حقوق الصومال أو إريتريا أو غيرهما من دول المنطقة. وفي المقابل، فإن التعامل مع المطالب الإثيوبية باعتبارها تهديداً في جميع الأحوال قد يدفع أديس أبابا إلى تبني سياسات أكثر تصعيداً، ويقلل فرص بناء ترتيبات تجارية مستقرة.

وتحتاج أي تسوية قابلة للاستمرار إلى مجموعة من الضمانات: احترام السيادة ووحدة الأراضي، والالتزام بالقانون الدولي، والشفافية في طبيعة الاتفاقات، والفصل الواضح بين التسهيلات التجارية والترتيبات العسكرية، إلى جانب وجود آليات لحل النزاعات ومراقبة تنفيذ الالتزامات المتبادلة.

كما يتطلب الاستقرار الإقليمي عدم تحويل البحر الأحمر إلى ساحة إضافية للتنافس بين القوى الخارجية، أو ربط كل ترتيباته البحرية بالصراعات الثنائية القائمة. فالممرات البحرية ذات أهمية دولية، لكن ذلك لا يلغي الحقوق السيادية للدول المطلة عليها، كما أن حماية هذه الحقوق لا تستلزم إغلاق الباب أمام التعاون الاقتصادي مع الدول الحبيسة.

في المحصلة، تبدو فرص إثيوبيا في الحصول على ترتيبات بحرية جديدة مرتبطة بقدرتها على الانتقال من خطاب «الحق الوجودي» إلى مفاوضات عملية تحدد طبيعة الوصول المطلوب وشروطه وضماناته. وبالمثل، يرتبط نجاح الدول الرافضة لأي ترتيبات أحادية بقدرتها على تقديم بدائل قانونية وتجارية قابلة للتطبيق، لا بالاكتفاء بالرفض.

فالقضية لا تتعلق فقط بمن يصل إلى البحر الأحمر، بل بكيفية تنظيم الوصول إليه، ومن يملك سلطة اتخاذ القرار بشأن موانئه، وما إذا كان بالإمكان تحويل التنافس على النفوذ إلى تعاون يحقق المصالح الاقتصادية ويحمي السيادة ويحد من احتمالات المواجهة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الاستراتيجية.