بث تجريبي

هل يدخل العراق مرحلة جديدة في مكافحة الفساد؟ بين الإصلاح الداخلي والضغوط الدولية

تقدير موقف - Foresight

تشير التطورات الأخيرة في العراق إلى أن ملف مكافحة الفساد لم يعد مجرد قضية داخلية تخضع لحسابات التنافس السياسي أو ترتبط بالمزايدات الانتخابية، بل بدأ يتحول إلى محور استراتيجي يتقاطع مع مصالح إقليمية ودولية أوسع. فالتقرير الصادر عن المركز الدولي لدراسات التنمية في لندن يرسم صورة مختلفة لمسار المواجهة مع الفساد، باعتباره جزءًا من عملية إعادة بناء الدولة العراقية واستعادة ثقة المجتمع الدولي، أكثر من كونه حملة موسمية تستهدف شخصيات بعينها.

ويستند هذا التحول، وفق التقرير، إلى إدراك متزايد لدى القوى الغربية بأن شبكات الفساد العراقية لم تعد تشكل خطرًا على الاقتصاد العراقي فحسب، بل أصبحت مصدرًا لتهديد الاستقرار الإقليمي من خلال التدفقات المالية غير المشروعة، وغسل الأموال، وتمويل شبكات النفوذ العابرة للحدود. ومن هذا المنطلق، لم تعد مكافحة الفساد شأنًا سياديًا داخليًا، بل أصبحت عنصرًا رئيسيًا في معادلة الأمن الإقليمي والاقتصاد الدولي.

وفي الداخل العراقي، يبدو أن السلطة تحاول تقديم نموذج مختلف في إدارة هذا الملف، يقوم على التكامل بين المؤسستين القضائية والتنفيذية، بعد سنوات اتُّهمت فيها حملات مكافحة الفساد بأنها انتقائية أو خاضعة للتوازنات الحزبية. ويعكس هذا النهج محاولة لبناء مؤسسات قادرة على ملاحقة شبكات الفساد بعيدًا عن الاعتبارات السياسية والطائفية التي عطلت هذا الملف منذ عام 2003.

وتبرز قضية "الأمانات الضريبية"، المعروفة إعلاميًا باسم "سرقة القرن"، بوصفها اختبارًا حقيقيًا لهذا المسار الجديد. فالقرارات القضائية التي انتهت إلى عدم ثبوت مسؤولية رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي أو حكومته، رغم محاولات بعض القوى السياسية ربطه بالقضية، تعكس – إذا ما استمرت بالمعايير نفسها – رغبة في ترسيخ مبدأ الفصل بين المسار القضائي والتجاذبات السياسية. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في قضية تُعد من أكبر قضايا الفساد المالي في تاريخ العراق، بعد اختلاس ما يقارب 2.5 مليار دولار من أموال الهيئة العامة للضرائب عبر شبكة معقدة من الشركات الوهمية.

ويلفت التقرير إلى أن المقاربة التي يتبناها رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، تستلهم تجربة القضاء الإيطالي في مواجهة المافيا خلال تسعينيات القرن الماضي، وهي مقارنة تعكس حجم التحدي الذي تواجهه المؤسسات العراقية. فالمعركة لم تعد تقتصر على ملاحقة أفراد متورطين في قضايا فساد، بل تستهدف شبكات مالية وسياسية متداخلة راكمت نفوذها على مدى سنوات، واستفادت من ضعف مؤسسات الدولة والانقسام السياسي.

وفي موازاة هذا المسار القضائي، تتحرك الحكومة عبر حملة "صَولات الفجر" التي تمثل الجانب التنفيذي من المواجهة. وتستهدف الحملة قطاعات تعد الأكثر عرضة للفساد، مثل المنافذ الحدودية، والجمارك، والطاقة، والضرائب، وهي القطاعات التي ظلت لعقود مصدرًا رئيسيًا للهدر المالي وتمويل شبكات النفوذ. وقد أسفرت المرحلة الأولى من الحملة عن استرداد وتجميد أصول بمئات الملايين من الدولارات، وهو ما يمنح الحكومة رصيدًا سياسيًا ويعزز مصداقية خطابها الإصلاحي.

ويعكس الإعلان عن ضبط أكثر من 20 مليون دولار أمريكي، إلى جانب كميات من الذهب مخبأة داخل عقارات تعود إلى مسؤول سابق في وزارة النفط، حجم الثروات التي راكمتها بعض شبكات الفساد، كما يسلط الضوء على أن الدولة بدأت تستهدف مستويات أعلى من المسؤولين، وليس فقط الموظفين الصغار أو الوسطاء.

لكن أهمية هذه الحملة لا تكمن فقط في نتائجها المالية، وإنما في طبيعة الآلية التي تقوم عليها. فالتنسيق المباشر بين القضاء والأجهزة الأمنية، ومنح أوامر القبض والمداهمة بصورة فورية، يشير إلى محاولة تجاوز البيروقراطية والتدخلات السياسية التي كانت تعرقل تنفيذ قرارات القضاء في السابق. وإذا استمر هذا التنسيق، فقد يمثل بداية لتأسيس نموذج مؤسسي أكثر فاعلية في مواجهة الفساد المنظم.

وعلى المستوى الخارجي، يبدو أن بغداد تدرك أن استعادة الأموال المنهوبة لا يمكن أن تتحقق دون تعاون دولي واسع. ولهذا تسعى الحكومة إلى توسيع قنوات تبادل المعلومات المالية مع الدول الغربية، وتفعيل اتفاقيات تسليم المطلوبين، وملاحقة الأصول المهربة في الخارج. ويعكس هذا التوجه إدراكًا بأن جزءًا كبيرًا من الأموال المنهوبة خرج بالفعل من العراق، وأن نجاح أي استراتيجية لمكافحة الفساد يتوقف على قدرتها على استهداف هذه الشبكات خارج الحدود، وليس داخلها فقط.

اقتصاديًا، تحمل هذه الإصلاحات أبعادًا لا تقل أهمية عن بعدها القضائي. فتعزيز الحوكمة الإلكترونية، وأتمتة الإجراءات الحكومية، والحد من التدخل البشري في المعاملات المالية والإدارية، كلها خطوات تستهدف تقليص فرص الفساد من جذورها، وليس الاكتفاء بمعالجة نتائجه. كما أن نجاح هذه الإصلاحات قد يسهم في تحسين التصنيف الائتماني للعراق لدى المؤسسات الدولية، ويزيد من جاذبية بيئته الاستثمارية، وهو ما تحتاجه البلاد بشدة في ظل مساعيها لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.

ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار سيظل مرهونًا بقدرته على الحفاظ على استقلاليته واستمراريته. فالعراق شهد خلال العقدين الماضيين حملات عديدة لمكافحة الفساد، لكنها غالبًا ما تعثرت تحت وطأة الضغوط السياسية أو تبدلت بتغير الحكومات. لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لا يكمن في عدد القضايا التي تُفتح أو الأموال التي تُسترد، بل في قدرة الدولة على ترسيخ منظومة مؤسسية تجعل مكافحة الفساد سياسة دائمة، لا حملة مؤقتة.

وفي المحصلة، يبدو أن العراق يقف أمام فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمال العام، مستفيدًا من دعم دولي ورغبة داخلية في استعادة الثقة بالمؤسسات. غير أن تحويل هذه الفرصة إلى تحول هيكلي حقيقي يتطلب استمرار الإرادة السياسية، وضمان استقلال القضاء، ومنع توظيف ملف الفساد في الصراعات الحزبية، لأن نجاح هذه المعركة لن يحدد مستقبل الاقتصاد العراقي فحسب، بل سيؤثر أيضًا في مكانة العراق الإقليمية وقدرته على جذب الاستثمارات والانخراط في مشاريع التنمية والتكامل الاقتصادي.