بين التصعيد والتفاوض: كيف توظف إيران أوراق القوة بعد رحيل خامنئي؟
تعكس التطورات الأخيرة في المشهد الإيراني أن طهران دخلت مرحلة جديدة من إدارة الصراع مع الولايات المتحدة، تقوم على الجمع بين التصعيد العسكري المدروس والتمسك بمسار التفاوض، في محاولة لإعادة صياغة ميزان الردع بعد الحرب الأخيرة، وفرض شروط تفاوضية أكثر ملاءمة في مرحلة ما بعد رحيل المرشد الأعلى علي خامنئي. فالتصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية عباس عراقجي، والتي ربط فيها استئناف المفاوضات بوقف التهديدات الأمريكية، بالتزامن مع الاتهامات الغربية للحرس الثوري باستهداف سفن تجارية في مضيق هرمز، تشير إلى أن طهران تسعى إلى إرسال رسائل متوازية تؤكد أنها لن تدخل أي مسار تفاوضي من موقع الضعف، وأن أدوات الضغط العسكرية لا تزال جزءاً أساسياً من استراتيجيتها التفاوضية.
ويكشف الموقف الإيراني عن إدراك واضح لطبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد. فبعد رحيل خامنئي، تجد القيادة الجديدة نفسها أمام تحدي إثبات قدرتها على الحفاظ على تماسك النظام داخلياً، واستمرار معادلة الردع خارجياً. ولذلك، فإن الخطاب الرسمي يركز على رفض التفاوض تحت الضغط، في محاولة لإظهار أن انتقال السلطة لم يؤد إلى تراجع قدرة الدولة على اتخاذ مواقف حازمة، أو إلى إضعاف موقعها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي المقابل، تبدو الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، متمسكة بسياسة "التفاوض تحت الضغط"، وهي المقاربة التي اعتمدتها واشنطن خلال السنوات الماضية عبر المزج بين العقوبات الاقتصادية، والضغوط العسكرية، والتهديد باستخدام القوة، بهدف دفع طهران إلى تقديم تنازلات تتعلق ببرنامجها النووي، والصاروخي، ونفوذها الإقليمي. ويعكس تهديد ترامب بـ"إنهاء المهمة" في حال عدم التوصل إلى اتفاق، استمرار الرهان الأمريكي على أن الضغوط المتراكمة ستدفع القيادة الإيرانية إلى القبول بشروط أكثر صرامة.
إلا أن الرد الإيراني يوحي بأن طهران تسعى إلى قلب هذه المعادلة، من خلال التأكيد أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يقوم على الندية واحترام الالتزامات المتبادلة، لا على الإملاءات السياسية أو العسكرية. ومن هنا، يمكن فهم تصريحات عراقجي باعتبارها محاولة لإعادة تعريف قواعد التفاوض، بحيث يصبح وقف التهديدات الأمريكية شرطاً مسبقاً لأي حوار بشأن اتفاق نهائي.
وفي هذا السياق، يكتسب التصعيد في مضيق هرمز دلالات استراتيجية تتجاوز الحوادث العسكرية المباشرة. فسواء ثبتت مسؤولية الحرس الثوري عن استهداف السفن التجارية أم بقيت الاتهامات محل جدل، فإن مجرد وقوع هذه الحوادث في أحد أهم الممرات البحرية العالمية يبعث برسالة واضحة مفادها أن إيران لا تزال تمتلك القدرة على التأثير في أمن الملاحة الدولية وأسواق الطاقة العالمية. ويظل مضيق هرمز أحد أهم أوراق الضغط الاستراتيجية التي تحتفظ بها طهران، نظراً إلى مرور نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية عبره، بما يجعل أي اضطراب أمني فيه ذا انعكاسات اقتصادية تتجاوز حدود الإقليم.
ومن المرجح أن تكون طهران حريصة على إدارة هذا التصعيد ضمن سقف محسوب، بحيث يرفع تكلفة الضغوط الأمريكية من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة. فالتجربة الإيرانية خلال العقود الماضية تشير إلى اعتماد سياسة "التصعيد المنضبط"، التي تقوم على توجيه رسائل ردع مدروسة ترفع مستوى المخاطر أمام الخصوم، مع تجنب تجاوز الخطوط التي قد تستدعي رداً عسكرياً واسع النطاق. ومن ثم، فإن استهداف الملاحة التجارية – إذا ثبتت مسؤوليته – يمكن تفسيره باعتباره جزءاً من استراتيجية تهدف إلى تذكير القوى الدولية بأن استقرار أسواق الطاقة يظل مرتبطاً بأمن الخليج، وأن تجاهل المصالح الإيرانية ستكون له تكلفة إقليمية ودولية.
أما على الصعيد الداخلي، فقد حملت مراسم تشييع المرشد السابق علي خامنئي أبعاداً سياسية تتجاوز بعدها الرمزي. فقد سعت السلطات الإيرانية إلى تحويل المناسبة إلى استعراض للوحدة الوطنية واستمرارية مؤسسات الدولة، عبر الحشد الجماهيري الواسع والخطاب التعبوي الذي ركز على مفاهيم الصمود والثأر واستمرار المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي ظل انتقال السلطة، يكتسب هذا البعد أهمية مضاعفة، إذ تسعى القيادة الجديدة إلى ترسيخ الانطباع بأن رحيل خامنئي لم يحدث فراغاً في بنية النظام، وأن مؤسسات الجمهورية الإسلامية ما زالت قادرة على الحفاظ على تماسكها السياسي والأمني.
غير أن المشهد الداخلي لم يخلُ من مؤشرات تستحق التوقف عندها، وعلى رأسها غياب مجتبى خامنئي عن مراسم الصلاة، مقابل الظهور العلني للرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد لأول مرة منذ الحرب. ورغم صعوبة البناء على هذه الوقائع وحدها، فإنها تعكس استمرار حالة إعادة ترتيب موازين القوى داخل النخبة السياسية الإيرانية، في مرحلة يتوقع أن تشهد تنافساً هادئاً على تحديد ملامح القيادة الجديدة وآليات صنع القرار، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالسياسة الخارجية والأمن القومي.
ومن الناحية الاستراتيجية، يبدو أن إيران تحاول إدارة ثلاثة مسارات متوازية في آن واحد. يتمثل الأول في تثبيت الاستقرار الداخلي ومنع أي انطباع بوجود ارتباك في مؤسسات الدولة بعد انتقال القيادة. أما الثاني، فيتمثل في الحفاظ على قدرة الردع الإقليمية عبر الإبقاء على أدوات الضغط العسكرية والبحرية والصاروخية، بما يمنع خصومها من استغلال المرحلة الانتقالية. فيما يتركز المسار الثالث على إبقاء الباب مفتوحاً أمام التفاوض، ولكن وفق قواعد جديدة تعكس توازن القوى الذي تسعى طهران إلى فرضه بعد الحرب.
وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة معضلة استراتيجية تتمثل في كيفية المحافظة على سياسة الضغط القصوى دون دفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة قد تهدد أمن الطاقة العالمي وتفرض أعباءً اقتصادية وسياسية إضافية على واشنطن وحلفائها. لذلك، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد استمرار سياسة "التصعيد تحت سقف التفاوض"، حيث يستخدم كل طرف أدوات الضغط المتاحة لتحسين موقعه التفاوضي دون الوصول إلى نقطة الانفجار.
وفي ضوء هذه المعطيات، لا تبدو المنطقة مقبلة على حرب شاملة بقدر ما تتجه نحو مرحلة جديدة من إدارة الصراع، يكون فيها التفاوض والتصعيد وجهين لاستراتيجية واحدة. فإيران تدرك أن أوراقها التفاوضية تزداد قوة كلما حافظت على قدرتها على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي، فيما تدرك الولايات المتحدة أن أي اتفاق مستدام يتطلب احتواء هذا النفوذ، وليس مجرد ممارسة الضغوط عليه. وبين هذين المنطقين، سيظل مستقبل المفاوضات مرهوناً بقدرة الطرفين على الانتقال من سياسة اختبار الإرادات إلى صياغة تفاهمات جديدة تراعي التوازنات التي أفرزتها الحرب الأخيرة، وتحولات القيادة داخل إيران، والمتغيرات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الخليج والشرق الأوسط.
