اتفاق أمريكي-إيراني قد يعرّض حرية الملاحة العالمية للخطر
في السابع عشر من يونيو، وقّعت إيران والولايات المتحدة مذكرة تفاهم تهدف إلى تمهيد الطريق لإنهاء الحرب التي اندلعت بينهما في الثامن والعشرين من فبراير من العام الجاري، إثر موجة من الضربات الأمريكية والإسرائيلية استهدفت مواقع داخل إيران.
ورغم أن هذا الاتفاق يبدو اليوم هشاً إلى حد كبير، فإن الصياغة الواردة في إحدى فقراته الأساسية، ضمن ما يُعرف بـ«مذكرة إسلام آباد»، تشير إلى احتمال أن توافق الولايات المتحدة على منح إيران حق فرض قيود دائمة على حرية الملاحة في مضيق هرمز كجزء من معاهدة السلام النهائية.
وإذا تحقق ذلك، فإن تداعياته لن تقتصر على منطقة الخليج، بل ستمتد إلى آثار اقتصادية وسياسية وقانونية قد تطاول النظام البحري العالمي بأكمله.
مضيق هرمز في ضوء القانون الدولي
يربط مضيق هرمز بين الخليج العربي وخليج عُمان، وهو الممر البحري الوحيد الذي تعبره جميع السفن القادمة من وإلى دول الخليج، بما يشمل السواحل الكاملة لكل من البحرين والعراق والكويت وقطر، فضلاً عن العديد من الموانئ الإيرانية والسعودية والإماراتية، في طريقها إلى الأسواق العالمية.
ويبلغ عرض المضيق في أضيق نقاطه نحو 21 ميلاً بحرياً، ويفصل بين الأراضي الإيرانية شمالاً وشبه جزيرة مسندم العُمانية جنوباً.
وبحكم استخدامه ممراً للملاحة الدولية، يخضع المضيق لنظام قانوني يُعرف باسم «حق المرور البريء غير القابل للتعليق»، وهو مبدأ يقضي بعدم جواز قيام إيران أو سلطنة عُمان بإعاقة مرور أي سفينة تعبر المضيق في طريقها من أو إلى موانئ دول الخليج الأخرى، ما دام هذا المرور يتم بصورة سلمية، ومتواصلة، وسريعة.
ويختلف هذا النظام عن حق المرور البريء المطبق في المياه الإقليمية للدول الساحلية، إذ لا يجوز تعليق حق المرور في المضائق الدولية تحت أي ظرف، وفقاً لأحكام القانون الدولي.
ويستند هذا النظام القانوني في مضيق هرمز إلى قواعد القانون الدولي العرفي، التي اعترفت بها محكمة العدل الدولية لأول مرة في حكمها الصادر عام 1949 في قضية «مضيق كورفو»، وذلك نظراً إلى أن إيران ليست طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS).
وبوصفهما دولتين ساحليتين، تتمتع إيران وسلطنة عُمان بحق سنّ تشريعات تتعلق بسلامة الملاحة، وتنظيم حركة السفن، وحماية البيئة البحرية داخل المضيق. غير أن هذه القوانين يجب ألا تؤدي عملياً إلى منع أو تعطيل حق المرور البريء عبر المضيق.
التغييرات المحتملة بموجب «مذكرة إسلام آباد»
تتضمن مذكرة إسلام آباد بنوداً محددة تتعلق بالملاحة في مضيق هرمز، إذ تنص الفقرة الخامسة منها على ما يلي:
«عقب توقيع مذكرة التفاهم هذه، ستبذل جمهورية إيران الإسلامية قصارى جهدها لتأمين مرور السفن التجارية بين الخليج العربي وخليج عُمان وبالعكس، من دون فرض أي رسوم، وذلك لمدة ستين يوماً فقط.»
وتفتح هذه الصياغة، التي توصف بأنها غامضة إلى حد ما، الباب أمام تفسير مفاده أن إيران قد تصبح قادرة على فرض رسوم عبور على السفن بعد انقضاء مهلة الستين يوماً، وهي الفترة التي يُفترض، وفقاً للفقرة الثالثة من المذكرة، أن تكون قد شهدت التوصل إلى اتفاق سلام نهائي.
ولو فُرضت مثل هذه الرسوم، فإن ذلك سيجعل حق المرور البريء مشروطاً، وهو ما يتعارض مباشرة مع النظام القانوني الذي يحكم المضيق، والقائم على عدم جواز تعليق أو تقييد هذا الحق.
كما تنص الفقرة نفسها على أن إيران وسلطنة عُمان ستجريان حواراً:
«لتحديد آليات الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بالتشاور مع بقية الدول المطلة على الخليج، وبما يتوافق مع القانون الدولي الساري والحقوق السيادية للدول الساحلية.»
ورغم أن النص يؤكد أن إدارة المضيق ستتم «وفقاً للقانون الدولي المعمول به»، فإن ثمة أسباباً تدعو إلى الحذر.
فعلى سبيل المثال، تشترط كل من سلطنة عُمان، في إعلانها المرافق لتصديقها على اتفاقية قانون البحار عام 1989، وإيران بموجب تشريعاتها الداخلية، الحصول على إذن مسبق لعبور السفن الحربية مياهها الإقليمية.
وإذا قررت الدولتان إدارة المضيق وفق تفسيرهما الخاص للقانون الدولي، فقد يؤدي ذلك إلى تقييد كبير لحق السفن الحربية في المرور البريء، رغم أن الولايات المتحدة أكدت مراراً أنه لا يوجد أي أساس قانوني في القانون الدولي الحالي يجيز فرض مثل هذه القيود.
هل يمثل الاتفاق تحولاً في السياسة القانونية الأمريكية؟
لا تقتصر أهمية توقيع الولايات المتحدة على مذكرة إسلام آباد على مضمون الوثيقة نفسها، بل تكمن أيضاً في الرسائل التي قد تعكسها بشأن توجهات السياسة الخارجية الأمريكية. فالتوقيع على هذه المذكرة قد يُفسَّر بوصفه مؤشراً إلى تحول في النهج القانوني والسياسي الذي تبنته واشنطن لعقود فيما يتعلق بحرية الملاحة.
فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ليست طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فإنها ظلت لعقود من أبرز المدافعين عن مبدأ حرية الملاحة في البحار والمضائق الدولية.
وفي مضيق هرمز وحده، سجلت واشنطن ما لا يقل عن 12 احتجاجاً دبلوماسياً وتحركاً عملياتياً بين عامي 1983 و2011، رداً على المحاولات الإيرانية لتقييد حرية الملاحة في المضيق.
ولم يكن هذا الالتزام وليد السنوات الأخيرة، بل يمتد إلى تاريخ طويل من السياسة الأمريكية. فقد دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، جزئياً، دفاعاً عن حقوق سفنها التجارية في أعالي البحار. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، واظبت البحرية الأمريكية على تنفيذ عمليات تهدف إلى تأكيد مبدأ حرية الملاحة وحق المرور البريء في مواجهة المطالبات البحرية التي رأت أنها تتجاوز ما يسمح به القانون الدولي، سواء في القطب الشمالي خلال ستينيات القرن الماضي، أو في بحر الصين الجنوبي خلال العقود الأخيرة.
وخلال المفاوضات التي أفضت إلى اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تعاونت الولايات المتحدة بصورة وثيقة مع فرنسا واليابان والاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة لضمان أن تتضمن الاتفاقية نصوصاً تحمي حرية الملاحة، سواء في أعالي البحار أو في المياه الإقليمية أو في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية.
ومنذ عام 1979، تنفذ واشنطن برنامج «حرية الملاحة» (Freedom of Navigation Program)، الذي يهدف إلى حماية هذا المبدأ على مستوى العالم، من خلال مواجهة ما تصفه بـ«المطالبات البحرية المفرطة» التي تتبناها بعض الدول، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة، وذلك عبر الاحتجاجات الدبلوماسية، والمشاورات الرسمية، والعمليات البحرية التي تنفذها القوات الأمريكية لإثبات حقوقها القانونية.
كما توثق وزارة الخارجية الأمريكية جميع هذه التحركات في سجلها السنوي الخاص بممارسات الولايات المتحدة في القانون الدولي.
وفي ضوء هذا التاريخ، فإن الصياغة الواردة في الفقرة الخامسة من مذكرة إسلام آباد توحي بإمكانية حدوث تراجع ملموس في التزام واشنطن التقليدي بحرية الملاحة.
فإذا وافقت الولايات المتحدة، ضمن اتفاق سلام نهائي، على منح إيران – وربما سلطنة عُمان – صلاحية فرض قيود على الملاحة في مضيق هرمز، كفرض رسوم عبور مثلاً، فإنها ستكون عملياً قد أقرت بإمكانية تعديل حق المرور البريء في المضائق الدولية، وبالتالي تعديل قواعد القانون الدولي، نتيجة لجوء دولة ساحلية إلى استخدام القوة العسكرية.
تداعيات تتجاوز الخليج إلى النظام البحري العالمي
إن أي تنازل من هذا النوع لا يحمل بشائر إيجابية بالنسبة لمستقبل حرية الملاحة العالمية.
فخلال العقود الماضية، كانت الولايات المتحدة أقوى المدافعين عن هذا المبدأ، ليس فقط بفضل قدراتها العسكرية، وإنما أيضاً بفضل إرادتها السياسية في مواجهة أي محاولات للمساس به.
غير أن الصياغة الحالية لمذكرة إسلام آباد بدأت بالفعل في إضعاف مصداقية هذا الدور.
فإذا أتاح الاتفاق النهائي لإيران تقييد حق المرور البريء في مضيق هرمز، فقد يشجع ذلك دولاً أخرى على تبني سياسات مماثلة في الممرات البحرية التي تعتبرها ضمن نطاق نفوذها.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك الصين، التي تسعى إلى فرض سيطرة أوسع على بحر الصين الجنوبي، وروسيا، التي تطالب بحقوق موسعة في المضائق الواقعة على طول طريق البحر الشمالي في القطب الشمالي.
وفي هذه الحالة، ستبعث واشنطن برسالة مفادها أن قواعد القانون الدولي يمكن إعادة صياغتها عبر استخدام القوة العسكرية، وأن الإدارة الأمريكية الحالية قد تقبل بذلك حفاظاً على ماء الوجه وإنجاز اتفاق سياسي.
انعكاسات مباشرة على التجارة العالمية
لا تتوقف خطورة هذه التطورات عند الجوانب القانونية أو السياسية، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره، فحرية الملاحة تمثل أحد الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها النظام الاقتصادي الدولي، إذ يُنقل أكثر من 80 في المائة من حجم التجارة العالمية عبر البحار.
وقد كشفت الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز خلال الأشهر الأخيرة، وما رافقها من ارتفاعات حادة في أسعار النفط، عن حجم التداعيات التي يمكن أن تنجم عن أي قيود على حركة الملاحة في هذا الممر الحيوي.
ولا يقتصر الأمر على مضيق هرمز؛ إذ إن تكرار مثل هذه السيناريوهات في مضائق استراتيجية أخرى، مثل مضيق ملقا، الذي يمثل الشريان الرئيسي للتجارة البحرية بين المحيطين الهندي والهادئ، قد يؤدي إلى اضطرابات أوسع في سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع أسعار السلع المستوردة، بما في ذلك المواد الخام الحيوية، فضلاً عن زيادة معدلات التقلب وعدم الاستقرار في الاقتصاد العالمي.
أوروبا... مرشحة لملء الفراغ؟
إذا كان الالتزام الأمريكي بحرية الملاحة يشهد بالفعل تراجعاً، فإن ذلك يضع الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء أمام مسؤولية أكبر باعتبارهم المرشحين الأبرز للدفاع عن هذا المبدأ. فعلى الرغم من الإجراءات الصارمة التي اتخذها الاتحاد الأوروبي في مواجهة ما يُعرف بـ«الأسطول الروسي الموازي»، فإن جميع تلك الإجراءات نُفذت ضمن إطار القانون الدولي، مع الحرص على ضمان سلامة الملاحة في المياه الأوروبية. ومن هذا المنطلق، قد يكون الاتحاد الأوروبي مطالباً بتوسيع دوره في حماية حرية الملاحة العالمية، سواء عبر تعزيز حضوره الدبلوماسي أو من خلال تطوير قدراته البحرية في المناطق الاستراتيجية.
أوروبا بين الدفاع عن القانون الدولي وتوسيع دورها البحري
في حال تراجع الدور الأمريكي التقليدي في حماية حرية الملاحة، فإن الاتحاد الأوروبي قد يجد نفسه مضطراً إلى الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في الحفاظ على النظام البحري الدولي. وفي هذا السياق، يرى الكاتب أن بإمكان الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء تبني مواقف أكثر وضوحاً وحزماً في مواجهة المطالبات البحرية التي تتجاوز ما يقره القانون الدولي، وذلك من خلال إدانة هذه الممارسات بصورة أكثر انتظاماً وفاعلية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تحول دون نشوء قواعد عرفية بديلة في القانون الدولي، قد تنشأ نتيجة القبول الضمني أو الصمت الدولي إزاء الممارسات التي تنتهك مبدأ حرية الملاحة. كما يقترح الكاتب أن يدرس الاتحاد الأوروبي إنشاء سجل أوروبي لممارسات القانون الدولي، على غرار السجل الذي تصدره وزارة الخارجية الأمريكية، على أن تتولى إعداده دائرة الأمن البحري في جهاز العمل الخارجي الأوروبي. ومن شأن هذا السجل أن يجمع المواقف القانونية والمساهمات الصادرة عن الدول الأعضاء في وثيقة موحدة، بما يعزز احترام القانون الدولي ويرفع من قدرة أوروبا على التأثير في تطوير قواعده والدفاع عن النظام القانوني الليبرالي في البحار.
نحو حضور بحري أوروبي أكثر فاعلية
ولا تقتصر المقترحات على الجانب القانوني، بل تمتد إلى تعزيز الحضور العسكري والبحري الأوروبي في الممرات الاستراتيجية. إذ يمكن للدول الأوروبية دراسة توسيع نطاق عملياتها البحرية الحالية، أو إطلاق عمليات جديدة، بهدف حماية حرية الملاحة في المناطق البحرية ذات الأهمية الحيوية للمصالح الأوروبية، سواء في الشرق الأوسط أو في مناطق أخرى من العالم. ويضرب الكاتب مثالاً بعملية القوة البحرية الأوروبية (EUNAVFOR) "أسبيدس" (ASPIDES)، التي أُطلقت لحماية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن والمياه المجاورة لمضيق هرمز، معتبراً أنها يمكن أن تمثل نموذجاً قابلاً للتطوير.
كما يقترح توسيع ولاية عملية "أتلانتا" (ATALANTA)، التي تركز حالياً على مكافحة الأنشطة غير المشروعة وتعزيز التنسيق الأمني في غرب المحيط الهندي وخليج عدن، بحيث تشمل مهام أوسع لحماية حرية الملاحة، إلى جانب إنشاء عمليات بحرية مماثلة في المناطق التي تستدعي ذلك.
ويرى الكاتب أن اتخاذ مثل هذه الخطوات سيبعث برسالة واضحة مفادها أن الاتحاد الأوروبي لا يكتفي بالدفاع النظري عن حرية الملاحة، بل يمتلك أيضاً الإرادة السياسية والاستعداد العملي لحماية هذا المبدأ على أرض الواقع، ولو في بعض المناطق الحيوية من العالم.
الخلاصة
تذهب الدراسة إلى أن القضية المطروحة لا تتعلق بمضيق هرمز وحده، بل تمس أحد المبادئ المؤسسة للنظام الدولي المعاصر، وهو حرية الملاحة البحرية.
فاللغة المستخدمة في مذكرة إسلام آباد، رغم أنها لا تنص صراحة على تعديل الوضع القانوني للمضيق، تفتح الباب أمام احتمال قبول الولايات المتحدة بقيود دائمة على المرور البحري، وهو ما قد يشكل سابقة قانونية وسياسية ذات تداعيات تتجاوز منطقة الخليج.
ومن شأن أي تغيير في هذا الاتجاه أن يضعف أحد أهم الأسس التي استند إليها النظام البحري الدولي منذ عقود، ويشجع قوى أخرى على السعي إلى إعادة تفسير قواعد القانون الدولي بما يخدم مصالحها الجيوسياسية.
كما يحذر الكاتب من أن تراجع الالتزام الأمريكي بحرية الملاحة قد يؤدي إلى إعادة توزيع أدوار القوى الكبرى في إدارة الأمن البحري العالمي، مع تصاعد احتمالات لعب الاتحاد الأوروبي دوراً أكثر مركزية في حماية الممرات البحرية الدولية وصون قواعد القانون الدولي.
وفي نهاية المطاف، يؤكد المقال أن مستقبل حرية الملاحة لن يتحدد فقط بما ستنتهي إليه المفاوضات الأمريكية–الإيرانية، وإنما أيضاً بمدى استعداد المجتمع الدولي للدفاع عن المبادئ القانونية التي قامت عليها حركة التجارة العالمية لعقود. فإذا أصبح من الممكن تعديل هذه المبادئ تحت ضغط القوة العسكرية أو كجزء من تسويات سياسية، فإن العالم قد يكون مقبلاً على مرحلة جديدة تتراجع فيها قوة القانون لصالح قانون القوة، بما يحمله ذلك من تداعيات بعيدة المدى على الأمن الدولي واستقرار الاقتصاد العالمي.
