هل تنتقل قيادة العالم من واشنطن إلى بكين؟
لم تعد القمم الأميركية–الصينية مجرد مناسبة لالتقاط الصور وتبادل المجاملات الدبلوماسية، بل أصبحت مرآة للتحولات الأوسع التي يشهدها النظام الدولي. فكل تفصيل في لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، من طريقة الاستقبال إلى ترتيب المشهد داخل البيت الأبيض، يحمل دلالات تتجاوز البروتوكول، ويطرح سؤالاً أكبر: هل يشهد العالم بالفعل انتقالاً تدريجياً في مركز الثقل من واشنطن إلى بكين، أم أن ما نراه لا يزال مجرد مرحلة من إعادة توزيع النفوذ بين قوتين عظميين؟
المشهد الذي رافق زيارة شي إلى واشنطن عكس، في قراءة بعض الصحف الغربية، مفارقة لافتة. فقد بدا الرئيس الصيني في بعض لحظات الزيارة وكأنه الضيف الذي يحظى بمكانة استثنائية، بينما بدا مضيفه الأميركي أكثر استعداداً لإظهار أهمية اللقاء مما اعتاد عليه رؤساء الولايات المتحدة في تعاملهم مع نظرائهم الأجانب.
حتى التفاصيل الرمزية اكتسبت دلالة سياسية. استقبال ترامب وقرينته ميلانيا لشي في قاعدة أندروز الجوية، وفرش السجادة الحمراء، وطريقة إدارة المشهد داخل البيت الأبيض، كلها عناصر دفعت بعض المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت العلاقة بين القوتين قد دخلت مرحلة جديدة لم تعد فيها الولايات المتحدة الطرف الذي يحدد وحده قواعد المشهد.
لكن قراءة التحولات الدولية من خلال البروتوكول وحده ستكون مضللة. فالمغزى الحقيقي للقاء ترامب وشي لا يكمن في السجادة الحمراء أو الصور الرسمية، وإنما في السياق الذي انعقدت فيه القمة، وفي طبيعة التحولات التي سبقتها، والأهم في الفارق بين ما تريده واشنطن من النظام الدولي وما تسعى بكين إلى تحقيقه داخله.
من محاولة تغيير الصين إلى التنافس معها
على مدى عقود، تعاملت الولايات المتحدة مع صعود الصين على أساس أن اندماجها في النظام الدولي، اقتصادياً ومؤسسياً، يمكن أن يدفعها تدريجياً نحو تبني قدر أكبر من القواعد والممارسات التي تميز النظام الليبرالي الغربي.
أما اليوم، فتبدو العلاقة مختلفة تماماً.
لم تعد واشنطن تتعامل مع الصين باعتبارها دولة صاعدة يمكن دمجها في النظام الذي تقوده، وإنما باعتبارها منافساً استراتيجياً يمتلك القدرة على تحدي موقع الولايات المتحدة في عدد متزايد من المجالات.
وفي المقابل، لم تعد بكين تتعامل مع النظام الدولي باعتباره إطاراً ينبغي لها فقط أن تتكيف معه. فقد أصبحت تمتلك أدوات اقتصادية ودبلوماسية ومؤسساتية تسمح لها بالمشاركة في إعادة تشكيل بعض قواعده ومؤسساته.
ومن هنا يمكن فهم حديث شي عن إمكانية تجنب ما يعرف بـ«فخ ثوسيديدس»، وهو المفهوم الذي يشير إلى خطر الصدام عندما تصعد قوة جديدة في مواجهة قوة مهيمنة قائمة. فمجرد استخدام هذا المفهوم في الخطاب الصيني يعكس إدراكاً لطبيعة المنافسة القائمة بين البلدين، حتى مع حرص بكين وواشنطن على إبقاء الصراع ضمن حدود يمكن التحكم فيها.
القضية، إذن، ليست فقط من يمتلك القوة الأكبر، وإنما ما إذا كان انتقال القوة بين الدولتين يمكن أن يتم من دون أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة.
الصين لا تصعد وحدها
أحد أهم المؤشرات على تغير موقع الصين في النظام الدولي يتمثل في اتساع نشاطها الدبلوماسي خارج العلاقة الثنائية مع واشنطن.
فشي جين بينغ لا يحصر حركته الخارجية في اللقاءات مع الرئيس الأميركي. فالحضور الصيني يمتد إلى منظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة بريكس، والعلاقات مع دول الجنوب العالمي، ومشروعات البنية التحتية والاستثمار والتجارة، فضلاً عن شبكة متزايدة من العلاقات الثنائية.
وتكتسب هذه الحركة أهميتها من أنها تقدم تصوراً صينياً مختلفاً عن النفوذ العالمي. فالقوة لا تُقاس فقط بعدد القواعد العسكرية أو التحالفات الأمنية، وإنما أيضاً بحجم العلاقات الاقتصادية، وقدرة الدولة على توفير التمويل والاستثمار، والمشاركة في المؤسسات الدولية، وفتح أسواقها أمام الآخرين، وبناء شبكات سياسية واقتصادية طويلة المدى.
ومن خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» و«بريكس»، تسعى الصين إلى توسيع المجال الذي تتحرك فيه خارج الإطار الغربي التقليدي.
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن بكين تستعد لوراثة الدور الأميركي بصورة كاملة.
وهنا تكمن إحدى أهم المفارقات في المشهد الحالي.
الصين تريد تغيير النظام.. لا تحمل كل أعبائه
تملك الصين اليوم نفوذاً اقتصادياً وسياسياً أكبر بكثير مما كانت عليه قبل عقدين أو ثلاثة عقود، لكنها لا تمتلك بالضرورة جميع المقومات التي جعلت الولايات المتحدة القوة المهيمنة على النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فالقيادة العالمية الأميركية لم تقم على القوة الاقتصادية والعسكرية فقط، وإنما على شبكة واسعة من التحالفات، والمؤسسات الدولية، والضمانات الأمنية، والمساعدات الخارجية، والقواعد العسكرية، والقدرة على التدخل في الأزمات الإقليمية، فضلاً عن الدور المركزي للدولار والمؤسسات المالية الدولية التي ترتبط بالنظام الذي تقوده واشنطن.
الصين توسع نفوذها، لكنها لم تظهر حتى الآن استعداداً لتحمل كل هذه الأعباء بالطريقة نفسها.
بل إن السؤال الأكثر دقة ربما لا يكون: «هل تريد الصين أن تحل محل الولايات المتحدة؟»، وإنما: «إلى أي مدى تريد الصين أن تعيد توزيع النفوذ العالمي بحيث لا تبقى الولايات المتحدة في مركزه؟»
وهذا فرق جوهري.
فقد لا تحتاج بكين إلى بناء نسخة صينية من النظام الأميركي حتى تصبح أكثر نفوذاً. وقد يكون هدفها، بدلاً من ذلك، بناء نظام أكثر تعددية، تكون فيه الولايات المتحدة قوة كبرى من بين قوى كبرى، وليس القوة التي تدور حولها بقية المنظومة.
سياسة «أمريكا أولاً» والفراغات الدولية
في المقابل، تطرح سياسة «أمريكا أولاً» التي يتبناها ترامب سؤالاً مختلفاً حول طبيعة الدور الأميركي في العالم.
فتركيز الإدارة الأميركية على المصالح المباشرة، والصفقات الثنائية، وتقاسم أعباء التحالفات، والتشكيك في بعض الالتزامات الخارجية التقليدية، يمكن أن يغير الطريقة التي تنظر بها الدول الأخرى إلى الضمانات التي كانت تقدمها واشنطن.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الولايات المتحدة تنسحب من العالم، لكنها تعيد تعريف شروط حضورها فيه.
وهنا تجد الصين مساحة للتحرك.
فالقوة الدولية لا تعتمد فقط على ما تفعله الدولة، وإنما أيضاً على ما يعتقد الآخرون أنها مستعدة لفعله. فإذا بدأت دول حليفة أو شريكة للولايات المتحدة في التشكيك في استمرارية الضمانات الأميركية، فإنها ستبدأ، بصورة طبيعية، في تنويع علاقاتها وشراكاتها.
وهذا لا يعني انتقالها تلقائياً إلى المعسكر الصيني، بل يعني أن العالم قد يصبح أقل اعتماداً على مركز واحد وأكثر تعددية في علاقاته وتحالفاته.
من «الذئب المحارب» إلى الدبلوماسية الأكثر براغماتية
كما تغيرت طريقة الصين في إدارة علاقاتها الخارجية.
فالدبلوماسية الصينية عانت خلال مراحل سابقة من صورة «الذئب المحارب»، التي ارتبطت بخطاب قومي حاد وردود أكثر صدامية تجاه الانتقادات الغربية.
لكن توسيع النفوذ العالمي يحتاج إلى أدوات مختلفة.
فالدولة التي تريد أن تصبح شريكاً مقبولاً لدى أكبر عدد ممكن من الدول لا تستطيع الاعتماد على القوة الاقتصادية وحدها، كما لا يمكنها أن تجعل خطابها الخارجي قائماً دائماً على المواجهة.
ولهذا تبدو الدبلوماسية الصينية أكثر اهتماماً ببناء العلاقات وتوسيع الشراكات وإظهار قدرتها على التواصل مع أطراف مختلفة، خصوصاً في الجنوب العالمي.
وقد تستفيد بكين من أي تراجع في الثقة بالولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع ببساطة أن تفترض أن الدول الأخرى ستنتقل تلقائياً إلى المعسكر الصيني. فمعظم هذه الدول تتحرك وفق حسابات مصالحها الخاصة، وتسعى إلى الاحتفاظ بهامش مناورة بين القوى الكبرى.
عالم ما بعد الهيمنة الأحادية
إذا كانت الولايات المتحدة تتراجع نسبياً، والصين تصعد، فإن النتيجة لا تعني بالضرورة أن بكين ستجلس في المقعد الأميركي نفسه.
الأرجح أن المسألة أكثر تعقيداً.
فالعالم قد يتجه نحو نظام تتوزع فيه القوة بين عدة مراكز: الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي والهند وقوى إقليمية أخرى. وفي مثل هذا النظام، تصبح قدرة أي قوة منفردة على فرض قواعدها أقل مما كانت عليه خلال اللحظة الأحادية القطبية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي.
لكن الانتقال من نظام إلى آخر يحمل مخاطر كبيرة.
فالفترات الانتقالية في النظام الدولي تكون عادة أكثر عرضة لسوء الحسابات، وتضارب المصالح، والصراعات الإقليمية، ومحاولات اختبار حدود القوة. وعندما تتراجع قدرة قوة كبرى على فرض الاستقرار من دون أن تكون هناك قوة أخرى مستعدة لتحمل الدور نفسه، يمكن أن تتسع مساحات الفراغ وعدم اليقين.
وهنا ربما تكمن أهمية العلاقة بين ترامب وشي أكثر من أي صورة أو تصريح صدر خلال القمة.
فالطرفان لا يتفاوضان فقط على التجارة أو التكنولوجيا أو الملفات الثنائية. إنهما يتحركان داخل نظام دولي يتغير تدريجياً، ويحاول كل منهما تحديد موقعه في هذا النظام.
هل يصبح العالم «عالم شي»؟
قد يكون من المبالغة القول إن العالم أصبح بالفعل «عالم شي»، كما ذهب أحد الخبراء الذين استشهدت بهم الصحافة الغربية. لكن من الصعب أيضاً تجاهل حقيقة أن الصين أصبحت لاعباً لا يمكن تجاوز دوره في أي نقاش جدي حول مستقبل النظام الدولي.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الصين ستصبح «أمريكا جديدة»، وإنما ما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل قادرة على الاحتفاظ بالدور الذي مارسته طوال العقود الماضية، في وقت تتوسع فيه بكين في الاقتصاد والتجارة والدبلوماسية والمؤسسات متعددة الأطراف.
وهنا تصبح زيارة شي إلى واشنطن أكثر من مجرد لقاء بين رئيسين.
إنها لحظة تكشف عن مرحلة انتقالية في النظام الدولي: الولايات المتحدة لا تزال تمتلك عناصر قوة استثنائية، والصين تواصل توسيع نفوذها، لكن الفجوة بين الطرفين لم تعد كما كانت، والعالم من حولهما لم يعد مستعداً بالضرورة للانتظار حتى تحسم واشنطن وبكين شكل العلاقة بينهما.
ربما لا يكون العالم في طريقه إلى «عصر صيني» بقدر ما يتجه إلى عصر تصبح فيه الهيمنة الأحادية أكثر صعوبة، وتصبح المنافسة بين القوى الكبرى أكثر تعقيداً، وتصبح الدول المتوسطة والصغيرة أكثر قدرة على المناورة بين مراكز القوة.
وهذا هو التحول الأهم: المسألة لم تعد من سيرث الولايات المتحدة، بل ما إذا كان العالم نفسه يتجه إلى نظام لا يسمح لأي قوة بأن تكون وريثاً منفرداً لها.
