النووي الإيراني بين التصعيد والتفاوض: أوراق القوة في مواجهة الغرب

تحليلات - Foresight

لا تبدو الخطوة الإيرانية الأخيرة بفتح محادثات مع فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة منفصلة عن مسار التصعيد المتسارع في برنامجها النووي. فطهران، التي تواجه ضغوطًا متزايدة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية والدول الغربية بسبب مستوى تخصيب اليورانيوم وضعف التعاون مع مفتشي الوكالة، تختار في الوقت نفسه رفع مستوى قدراتها النووية والإعلان عن تشغيل أجهزة طرد مركزي جديدة. وبينما قد يبدو الجمع بين التفاوض والتصعيد متناقضًا، فإنه يعكس في الواقع استراتيجية تقوم على تحسين شروط التفاوض من خلال زيادة أوراق الضغط قبل الجلوس إلى الطاولة.

وتأتي المحادثات المرتقبة مع الدول الأوروبية الثلاث في سياق شديد الحساسية؛ فهذه الدول كانت وراء القرار الذي اعتمده مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي طالب إيران بتحسين تعاونها مع الوكالة وتقديم صورة أكثر شمولًا عن أنشطتها النووية. ولذلك فإن انتقال طهران سريعًا من مواجهة القرار إلى الإعلان عن محادثات مع الأطراف نفسها لا يعني بالضرورة حدوث تحول في موقفها، بقدر ما يشير إلى محاولة إبقاء القناة الدبلوماسية مفتوحة، بالتوازي مع تعزيز قدرتها على المناورة.

التصعيد كأداة تفاوض

المعضلة الأساسية في الملف النووي الإيراني لا تتعلق بمجرد امتلاك إيران برنامجًا نوويًا، وإنما بمستوى قدراتها ومدى شفافية أنشطتها وإمكانية التحقق من طبيعتها السلمية. فالتخصيب بنسبة 60 في المائة يمثل مستوى مرتفعًا للغاية مقارنة بالسقف الذي حدده الاتفاق النووي لعام 2015، والذي وضع حدًا للتخصيب عند 3.67 في المائة.

ومن الناحية السياسية، فإن الانتقال التدريجي من مستويات التخصيب المنخفضة إلى مستويات أعلى لم يكن مجرد تطور تقني، بل أصبح جزءًا من عملية أوسع لإعادة بناء النفوذ الإيراني في مواجهة العقوبات والضغوط الغربية. فمنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، أخذت إيران تتراجع تدريجيًا عن القيود التي قبلت بها بموجب الاتفاق، بينما عجزت الجهود الدبلوماسية اللاحقة عن إعادة الاتفاق إلى مساره السابق.

وهنا تبرز أهمية أجهزة الطرد المركزي الجديدة. فالقيمة السياسية لهذه الأجهزة لا تكمن فقط في عددها أو في قدرتها التقنية، وإنما في الرسالة التي تحملها: قدرة إيران على توسيع بنيتها التحتية النووية يمكن أن تجعل أي تفاوض مستقبلي أكثر تعقيدًا، لأنها تضيف واقعًا جديدًا يتعين على الأطراف الأخرى التعامل معه.

وبعبارة أخرى، فإن طهران لا تدخل المفاوضات من النقطة التي انتهت عندها المفاوضات السابقة، وإنما تحاول الدخول إليها وهي تمتلك أوراقًا أقوى.

من الاتفاق النووي إلى معادلة جديدة

كان الاتفاق النووي الذي أُبرم عام 2015، المعروف رسميًا باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة»، يقوم على معادلة واضحة: قيود على البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية. غير أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 أضعف الأساس الذي قامت عليه هذه المعادلة، ثم جاءت الخطوات الإيرانية اللاحقة لتغيّر طبيعة المشكلة.

فلم يعد السؤال المطروح اليوم هو كيفية إعادة إيران إلى الالتزام الكامل بالاتفاق القديم فحسب، بل أصبح متعلقًا أيضًا بما إذا كانت العودة إلى صيغة 2015 لا تزال ممكنة أصلًا، في ظل التطورات التي شهدها البرنامج النووي الإيراني خلال السنوات اللاحقة.

وهذا التحول مهم؛ لأن كل زيادة في مستوى التخصيب أو عدد أجهزة الطرد المركزي أو حجم مخزون اليورانيوم تخلق واقعًا تقنيًا جديدًا. وبالتالي، فإن العودة إلى الوضع السابق تتطلب ليس فقط قرارًا سياسيًا، وإنما ترتيبات تقنية ورقابية معقدة.

عقدة الثقة والرقابة

يبقى ملف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية أحد أكثر عناصر الأزمة حساسية. فالغرب لا ينظر إلى مستوى التخصيب بمعزل عن مسألة قدرة الوكالة على التحقق من طبيعة الأنشطة الإيرانية ومواقعها.

ولهذا فإن الخلاف لا يتعلق فقط بما تفعله إيران في المنشآت المعروفة مثل نطنز وفوردو، وإنما أيضًا بمدى قدرة آليات الرقابة الدولية على تقديم إجابات واضحة بشأن الأنشطة والمواد والمواقع التي تثير تساؤلات لدى الوكالة.

ومن هنا يمكن فهم سبب تركيز الدول الأوروبية الثلاث على تحسين التعاون مع الوكالة. فبالنسبة إليها، لا تكفي التصريحات الإيرانية التي تؤكد سلمية البرنامج النووي، بل تحتاج إلى آليات تحقق تسمح بتحويل هذه التصريحات إلى واقع يمكن قياسه ومراقبته.

في المقابل، ترى طهران أن الضغوط الغربية لا تستهدف فقط ضمان الطابع السلمي لبرنامجها، وإنما تسعى إلى فرض قيود أوسع على قدراتها النووية. ولذلك تبدو مستعدة لتقديم تنازلات محدودة في بعض الملفات، لكنها لا تبدو مستعدة للتخلي بسهولة عن البنية التحتية التي راكمتها خلال السنوات الماضية.

لماذا التفاوض مع الأوروبيين؟

لا يعني اختيار فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة طرفًا في المحادثات أن الدول الأوروبية الثلاث تمتلك وحدها القدرة على حل الأزمة. فالولايات المتحدة تظل الطرف الأكثر تأثيرًا في منظومة العقوبات، كما أن أي اتفاق مستدام يحتاج إلى معالجة العلاقة بين واشنطن وطهران.

لكن الأوروبيين يمتلكون في المقابل دورًا مهمًا باعتبارهم أطرافًا في الاتفاق النووي الأصلي، ويمثلون قناة دبلوماسية يمكن من خلالها اختبار إمكانية التوصل إلى صيغة تفاوضية جديدة.

وبالنسبة لإيران، توفر هذه القناة فرصة لتجنب الانتقال السريع من الضغوط السياسية إلى إجراءات أكثر صرامة. أما بالنسبة للأوروبيين، فإن الحوار يتيح إبقاء الملف داخل الإطار الدبلوماسي، بدل انتقاله إلى مرحلة يصعب فيها التحكم في مسارات التصعيد.

ومن ثم، فإن مجرد انعقاد المحادثات لا ينبغي تفسيره باعتباره مؤشرًا تلقائيًا على قرب التوصل إلى اتفاق. الأهم هو ما إذا كانت هذه المحادثات ستنتج تفاهمات قابلة للتحقق بشأن التخصيب والرقابة والمخزون النووي ومستقبل أجهزة الطرد المركزي.

معادلة "التصعيد المحسوب"

تبدو الاستراتيجية الإيرانية أقرب إلى ما يمكن وصفه بـ«التصعيد المحسوب»: رفع مستوى القدرة النووية بما يكفي لإظهار أن تجاهل المطالب الإيرانية له تكلفة، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا لمنع تحول الأزمة إلى مواجهة مباشرة.

وتسمح هذه الاستراتيجية لطهران بالتحرك على مسارين متوازيين. المسار الأول تقني، يتمثل في تطوير قدراتها النووية وزيادة مخزونها من اليورانيوم المخصب. والمسار الثاني دبلوماسي، يتمثل في التواصل مع الأطراف الأوروبية وإبقاء إمكانية التفاوض قائمة.

لكن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد على قدرة إيران على إبقاء التصعيد تحت مستوى يدفع القوى الغربية إلى اعتبار أن المسار الدبلوماسي لم يعد كافيًا. فكلما ارتفع مستوى التخصيب وتراجعت الشفافية، تقلصت المساحة المتاحة للدبلوماسية، وزادت احتمالات الانتقال إلى خيارات أكثر صرامة.

ما بعد الاتفاق القديم

المشكلة الأعمق أن البيئة التي أنتجت اتفاق 2015 لم تعد موجودة. فقد تغيرت القدرات الإيرانية، وتغيرت الحسابات الأمريكية، وتراجعت الثقة المتبادلة، وأصبح الملف النووي مرتبطًا بصورة أكبر بالتوازنات الأمنية الإقليمية.

لذلك، فإن أي تفاوض جديد لن يكون مجرد محاولة لإحياء الاتفاق القديم كما كان، وإنما سيكون تفاوضًا على معادلة جديدة. وستكون القضية الأساسية هي تحديد الحدود التي يمكن لإيران الاحتفاظ عندها ببرنامج نووي متقدم، مقابل القيود والضمانات التي يمكن أن يقبل بها المجتمع الدولي.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية المحادثات الأوروبية المرتقبة. فإذا تمكنت من تحويل التصعيد إلى مدخل لتفاوض جاد، فقد تصبح أداة لخفض التوتر. أما إذا تحولت إلى مجرد وسيلة لكسب الوقت بينما يستمر البرنامج النووي في التوسع، فإنها قد تزيد أزمة الثقة بدلًا من حلها.

في النهاية، لا تكمن خطورة التطورات الحالية في وصول إيران إلى مستوى تخصيب معين فحسب، وإنما في تزامن ثلاثة مسارات: توسيع القدرة التقنية، وتراجع مستوى الثقة والرقابة، واستمرار غياب اتفاق سياسي مستقر. وهذه العناصر مجتمعة هي التي تجعل الملف النووي الإيراني واحدًا من أكثر ملفات الأمن الدولي قابلية للتصعيد.

وبذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت إيران مستعدة للتفاوض؛ فهي تقول إنها مستعدة لذلك. السؤال الأكثر أهمية هو: هل يمكن تحويل التفاوض إلى آلية توقف مسار التصعيد، أم سيظل التصعيد نفسه هو الأداة التي تستخدمها طهران لتحسين شروط التفاوض؟