بث تجريبي

كيف تعكس إعلانات كأس العالم التحول في موازين التصنيع العالمي

دراسات وأبحاث - يانج شي
يانج شي
باحث في مؤسسة أنباوند ، وهي مركز أبحاث مستقل.

منذ انطلاق النسخة الحالية من بطولة كأس العالم، برز تحول لافت على لوحات الإعلانات المحيطة بالملاعب. فمن السهل ملاحظة التراجع الواضح في حضور العلامات التجارية اليابانية المصنعة مقارنة بما كان عليه الحال في العقود الماضية.

فخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وحتى مطلع الألفية الجديدة، كانت الشركات اليابانية من أكثر الجهات حضوراً ورعايةً للأحداث الرياضية العالمية الكبرى، مثل كأس العالم، والألعاب الأولمبية، وسباقات الفورمولا 1. فقد ارتبطت أسماء مثل سوني، وتوشيبا، وباناسونيك، وكانون، وفوجي فيلم، وJVC في أذهان المستهلكين حول العالم بأجهزة التلفزيون، والكاميرات، وأجهزة تسجيل الفيديو، والأفلام الفوتوغرافية، والأجهزة المنزلية، والمعدات المكتبية.

في ذلك الوقت، كانت الصناعة اليابانية تمتلك ميزتين أساسيتين؛ الأولى تمثل ريادتها في التقنيات الجوهرية، والثانية هي هيمنتها على أسواق المستهلك النهائي. والأهم من ذلك أنها كانت جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية لملايين الأسر حول العالم، الأمر الذي جعل حدثاً عالمياً بحجم كأس العالم منصة مثالية لاستعراض قوة العلامات التجارية اليابانية في مجالات الإلكترونيات الاستهلاكية والأجهزة المنزلية.

أما اليوم، فإن مجرد نظرة إلى اللوحات الإعلانية المحيطة بالملاعب تكشف أن مركز الثقل قد انتقل بصورة واضحة إلى شركات الخدمات والعلامات التجارية القادمة من الصين وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، إلى جانب الحضور المتزايد لرؤوس الأموال الخليجية. وبينما لا تزال الصناعة اليابانية قائمة ومؤثرة، فإنها لم تعد تحتل الصفوف الأولى في المشهد الإعلاني العالمي.

ويرى كونغ تشان، مؤسس مؤسسة ANBOUND، أن الصناعة العالمية تمر حالياً بمرحلة انتقالية في موازين القوة، وأن الانخفاض الملحوظ في حضور الشركات اليابانية على إعلانات كأس العالم يمثل مؤشراً واضحاً على هذا التحول.

فقد ولّى الزمن الذي كانت فيه الشركات اليابانية تهيمن بصورة شبه كاملة على اللوحات الإعلانية في البطولة. وباعتبار كأس العالم أحد أبرز المنصات العالمية لاستعراض القوة الاقتصادية والتجارية، فإن ما يعكسه لا يقتصر على الحملات التسويقية، بل يكشف أيضاً عن تحولات أعمق في بنية الاقتصاد العالمي.

فالشركات المستعدة لدفع مبالغ طائلة للحصول على حضور عالمي، أو الساعية إلى توسيع نفوذها الدولي عبر البطولة، أو تلك التي غيّرت استراتيجياتها بعيداً عن التسويق الجماهيري التقليدي، جميعها تعكس تغيرات أوسع في الهياكل الصناعية، والاستراتيجيات المؤسسية، ومستويات التنافسية الوطنية.

وبذلك، فإن لوحات الإعلانات، رغم مظهرها التجاري البحت، أصبحت مرآة دقيقة للتحولات التي تشهدها موازين القوة داخل قطاع التصنيع العالمي.

تحول يتجاوز الإعلانات... إعادة رسم خريطة القوة الصناعية

لا يُعد هذا التحول ظاهرة معزولة، بل يعكس اتجاهاً عالمياً متصاعداً. فوفقاً لبيانات مؤسسة fDi Intelligence، كانت رعاية بطولات كأس العالم قبل عام 2006 خاضعة بصورة شبه كاملة للشركات الأمريكية واليابانية وشركات أوروبا الغربية. إلا أن المشهد بدأ يتغير تدريجياً منذ ذلك الحين، مع انتقال واضح لمركز الثقل نحو آسيا.

ففي كأس العالم 2022 الذي استضافته قطر، تجاوز عدد الرعاة الآسيويين للمرة الأولى عدد الشركات الأوروبية والأمريكية المشاركة في الرعاية. كما بلغت مساهمة الشركات الصينية في الرعاية مستوى مماثلاً تقريباً لنظيرتها الأمريكية خلال بطولتين متتاليتين، في حين كان الغياب الياباني لافتاً للنظر.

أما في بطولة كأس العالم 2026، فتضم قائمة الشركاء الرئيسيين للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) شركات مثل هيونداي-كيا، ولينوفو، وكوكاكولا، وفيزا، وأديداس، إلى جانب شركات خليجية بارزة مثل الخطوط الجوية القطرية وأرامكو السعودية.

ويشير صعود الشركات الخليجية إلى أن الرعاية الرياضية لم تعد مجرد أداة للتسويق التجاري، بل أصبحت وسيلة لإعادة تشكيل الصورة الوطنية وتعزيز النفوذ السياسي والاقتصادي للدول.

فمن خلال استثمار حدث عالمي بحجم كأس العالم، تعمل دول الخليج على دمج ثروتها النفطية، وشبكاتها الجوية، وقطاعها السياحي، وعلاماتها الوطنية ضمن استراتيجية واحدة، تهدف إلى الانتقال من مجرد مصدر للطاقة إلى لاعب رئيسي في الاقتصاد والثقافة العالميين.

ويعكس هذا التحول حقيقة أوسع، تتمثل في أن ممثلي الصناعة العالمية، وكذلك مراكز القوة الرأسمالية، يشهدون إعادة تشكيل مستمرة. فبعدما كانت الشركات اليابانية تمثل الواجهة الصناعية لآسيا، أصبحت الإلكترونيات الصينية، وصناعة السيارات الكورية الجنوبية، ورؤوس الأموال القادمة من الأسواق الناشئة تحتل مساحة أكبر بكثير في المشهد الاقتصادي العالمي.

الصناعة اليابانية... لم تتراجع، لكنها غيّرت موقعها في سلسلة القيمة

من المهم الإشارة إلى أن تراجع الحضور الإعلاني للشركات اليابانية لا يعني انهيار الصناعة اليابانية أو فقدانها لقدرتها التنافسية، بل يعكس تحولاً جوهرياً في مركز ثقلها داخل الاقتصاد العالمي.

ففي الماضي، ارتكزت القوة الصناعية لليابان على المنتجات الموجهة مباشرة إلى المستهلك النهائي. وكانت أجهزة التلفزيون والكاميرات ومعدات التسجيل الصوتي والمرئي والأجهزة المنزلية والسيارات تمثل واجهة الصناعة اليابانية أمام العالم، الأمر الذي جعل الاستثمار في الدعاية العالمية، وعلى رأسها كأس العالم، ضرورة تسويقية للحفاظ على الحصة السوقية وتعزيز الصورة الذهنية للعلامات التجارية.

أما اليوم، فقد أعادت الشركات اليابانية تموضعها داخل حلقات أكثر عمقاً وربحية في سلسلة القيمة الصناعية، مركزةً نشاطها على الصناعات الوسيطة والعليا، مثل معدات تصنيع أشباه الموصلات، والمواد فائقة الدقة، والروبوتات الصناعية، وآلات التشغيل المتقدمة، وأجهزة الاستشعار، ومكونات السيارات، وأشباه الموصلات الخاصة بالطاقة.

وتظل شركات مثل Tokyo Electron وShin-Etsu Chemical وMurata Manufacturing وKeyence وFanuc وYaskawa Electric من الأعمدة الأساسية لسلاسل الإمداد الصناعية العالمية، إذ تعتمد عليها كبرى شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية والسيارات والمعدات الصناعية في مختلف أنحاء العالم.

لكن لأن عملاء هذه الشركات هم المؤسسات الصناعية وليس المستهلكين، فإنها لم تعد بحاجة إلى المنافسة على مساحات الإعلان الجماهيري أو إلى الظهور المكثف في بطولات عالمية مثل كأس العالم.

وبعبارة أخرى، انتقلت الصناعة اليابانية من نموذج "البيع للمستهلك العالمي" إلى نموذج "البيع لسلسلة الصناعة العالمية"؛ أي من صناعة تتصدر واجهة السوق إلى صناعة تعمل في الكواليس، لكنها لا تزال تؤدي دوراً محورياً في تشغيل الاقتصاد العالمي.

قوة تكنولوجية لا تزال عصية على المنافسة

يحمل هذا التحول وجهاً إيجابياً بالنسبة لليابان، إذ ما زالت تحتفظ بحواجز دخول مرتفعة في عدد كبير من القطاعات التكنولوجية المتقدمة. فعلى سبيل المثال، لا تزال الشركات اليابانية تحتفظ بمكانة يصعب الاستغناء عنها في مجالات عديدة مرتبطة بصناعة أشباه الموصلات، من بينها المواد الحساسة للضوء (Photoresists)، ورقائق السيليكون، وأجهزة الفحص والاختبار، وتقنيات الحفر والترسيب، إضافة إلى المكونات الصناعية عالية الدقة. كما أن الطفرة العالمية التي يقودها الذكاء الاصطناعي فتحت أمام هذه الشركات آفاقاً جديدة للنمو.

وتتوقع مؤسسة SEMI أن ترتفع مبيعات معدات تصنيع أشباه الموصلات عالمياً من 133 مليار دولار في عام 2025 إلى 145 مليار دولار في عام 2026، قبل أن تصل إلى 156 مليار دولار في عام 2027، مدفوعة بالطلب المتزايد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والرقائق المنطقية المتقدمة، وشرائح الذاكرة، وتقنيات التغليف المتقدم، والخوادم المخصصة للذكاء الاصطناعي.

وتظل كل من تايوان وكوريا الجنوبية والصين القارية أكبر الأسواق العالمية للاستثمار في هذه المعدات.

ويشير ذلك إلى أن محرك النمو الجديد للصناعة العالمية لم يعد يتمثل في أجهزة التلفزيون أو الثلاجات أو الإلكترونيات المنزلية التقليدية، بل أصبح يعتمد على الرقائق الإلكترونية، والقدرات الحاسوبية، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، والمعدات الصناعية فائقة التطور، وهي المجالات التي لا تزال اليابان تمتلك فيها نفوذاً كبيراً.

معضلة الصناعة اليابانية... قوة تقنية في الظل

لكن هذا التحول يخفي في الوقت نفسه مشكلة استراتيجية متنامية. فكلما ابتعدت الصناعة عن المستهلك النهائي، حافظت على تفوقها التقني، لكنها تخسر تدريجياً حضورها في الوعي الجماهيري.

ففي الماضي، لم تكن العلامات التجارية اليابانية مجرد شركات صناعية، بل كانت تمثل نمط حياة متكاملاً. فاسم سوني ارتبط بأجهزة التلفزيون، وكانون بالتصوير الفوتوغرافي، وJVC بتقنيات التسجيل المرئي، وباناسونيك بالأجهزة المنزلية، وتوشيبا بالمعدات المكتبية.

أما اليوم، فإن شريحة واسعة من المستهلكين الشباب حول العالم أصبحت أكثر ارتباطاً بعلامات مثل Apple وSamsung وBYD وXiaomi وHisense وTCL وHyundai وKia، بينما تراجع الحضور الذهني للعلامات اليابانية بصورة ملحوظة.

ورغم أن الشركات اليابانية لا تزال تضيف قيمة هائلة داخل أعماق سلاسل الإمداد العالمية، فإن قدرتها على فرض حضورها في الأسواق الاستهلاكية لم تعد كما كانت.

وهنا تكمن إحدى أبرز الإشكاليات بالنسبة لأي قوة صناعية كبرى؛ فالمنافسة العالمية لم تعد تقتصر على جودة المكونات أو التفوق الهندسي، بل أصبحت تشمل أيضاً العلامة التجارية، وشبكات التوزيع، والنظم البيئية الرقمية، وقدرة الشركات على ترسيخ حضورها في أذهان المستهلكين.

فأن تكون مورداً لا يمكن الاستغناء عنه يمثل ميزة استراتيجية مهمة، لكنه لا يكفي للحفاظ على صورة الدولة باعتبارها قوة صناعية عالمية، إذا لم يقترن بقدرة مستمرة على إنتاج علامات تجارية عالمية موجهة للمستهلك النهائي.

اليابان تعترف بالحاجة إلى نموذج تصديري جديد

وفي هذا السياق، أقرت وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية في الكتاب الأبيض للتجارة والاقتصاد الدولي لعام 2025 بأن حجم الصادرات اليابانية من السلع يشهد تراجعاً، وأن البلاد بحاجة إلى تطوير منتجات تصديرية جديدة، وخلق شركات تصدير أكثر قدرة على المنافسة، وفتح أسواق خارجية جديدة، مع زيادة القيمة المضافة التي توفرها الخدمات والاقتصاد الرقمي.

ويعكس هذا الاعتراف إدراكاً رسمياً بأن النموذج التقليدي للصادرات اليابانية لم يعد كافياً لمواجهة التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي.

ولا ترتبط أزمة الصناعة اليابانية فقط بارتفاع تكاليف الإنتاج، أو الشيخوخة السكانية، أو تحفظ الإدارات التنفيذية، وإنما أيضاً بإعادة رسم دورة حياة المنتجات بفعل الطفرات التكنولوجية المتلاحقة.

ففي الوقت الذي برعت فيه الشركات اليابانية لعقود في تطوير الأجهزة والمعدات الصلبة (Hardware)، جاءت استجابتها بطيئة نسبياً تجاه التحولات الكبرى التي أحدثتها الهواتف الذكية، واقتصاد المنصات الرقمية، والمركبات المعرفة بالبرمجيات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والخدمات الرقمية.

يتبع في الجزء الثالث... حيث ينتقل المقال إلى تحليل صعود الصناعة الصينية، واستراتيجية العلامات التجارية العالمية، والمقارنة مع النموذج الكوري الجنوبي، وصولاً إلى الاستنتاجات الاستراتيجية النهائية.