كيف أعادت إسرائيل صياغة قواعد الصراع مع «حزب الله»؟

تقدير موقف - Foresight

لم تكن الحرب الأخيرة بين إسرائيل و«حزب الله» مجرد جولة جديدة في صراع طويل على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية، ولا مجرد مواجهة اختلفت فيها كثافة النيران أو نوعية الأسلحة المستخدمة. الأهم أنها كشفت عن تحول أعمق يتعلق بـالقواعد التي تُدار من خلالها الحرب نفسها.

فالجبهة التي ظلت، منذ حرب يوليو/تموز 2006، محكومة إلى حد كبير بمنظومة غير مكتوبة من الردع المتبادل، والردود المحسوبة، والحرص على عدم تجاوز عتبة الحرب الشاملة، تبدو اليوم أمام نموذج مختلف. لم يعد السؤال المركزي هو: ماذا سيفعل الطرف الآخر إذا هاجمناه؟ بل أصبح بصورة متزايدة: هل يمكن منع الطرف الآخر من امتلاك القدرة على الهجوم أصلاً؟

وهنا تكمن أهمية التحول.

فإذا كانت معادلة ما بعد 2006 قد قامت على ردع العقاب؛ أي جعل تكلفة الحرب مرتفعة بما يكفي لمنع اندلاعها، فإن المعادلة الجديدة تميل إلى ردع الحرمان؛ أي تدمير أو تعطيل القدرات التي يمكن أن تنتج التهديد قبل استخدامها.

وبذلك لا تكون إسرائيل قد غيّرت قواعد الاشتباك فحسب، وإنما تحاول تغيير منطق الصراع ذاته: من صراع تحكمه حدود متبادلة للقوة إلى صراع يحاول فيه الطرف الأكثر تفوقاً معلوماتياً وتكنولوجياً فرض إيقاع المواجهة على الطرف الآخر.

أولاً: قواعد 2006 لم تكن سلاماً... بل نظاماً لإدارة الحرب

لفهم التحول الراهن، يجب أولاً التوقف أمام طبيعة النظام الذي نشأ بعد حرب 2006.

فالتفاهمات غير المعلنة لم تكن اتفاق سلام، ولم تنهِ الصراع بين إسرائيل و«حزب الله». لكنها أسست لنوع من التوازن الردعي غير المتكافئ.

كان الطرفان يدركان أن الحرب الشاملة ستكون مكلفة، وإن اختلفت طبيعة التكلفة بالنسبة إلى كل منهما.

امتلكت إسرائيل تفوقاً هائلاً في القوة الجوية والاستخباراتية والتكنولوجيا، بينما امتلك «حزب الله» قدرة صاروخية ومنظومة انتشار تسمح له بإلحاق أضرار بالعمق الإسرائيلي. ولذلك نشأت معادلات من قبيل «بيروت مقابل تل أبيب» و«الضاحية مقابل حيفا».

هذه المعادلات لم تكن تعني أن الطرفين متساويان في القوة. بل كانت تعني شيئاً أكثر تعقيداً: أن التفوق العسكري لا يساوي بالضرورة القدرة على تحقيق نصر سياسي منخفض التكلفة.

وهذه نقطة جوهرية.

فالردع لا يحتاج إلى التكافؤ في القوة؛ بل يحتاج إلى قدرة الطرف الأضعف على جعل استخدام القوة من جانب الطرف الأقوى ذا تكلفة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية لا يرغب الأخير في تحملها.

ولهذا استطاعت جبهة الجنوب اللبناني أن تعيش سنوات طويلة في حالة يمكن وصفها بأنها «لا حرب ولا سلام»: صراع مستمر، لكن ضمن سقف محدد.

وكانت اليونيفيل وقنوات الارتباط والوساطات الدولية، ولا سيما الأميركية، جزءاً من البنية التي ساعدت على إبقاء هذا السقف قائماً.

لكن هذا النظام كان يقوم على افتراض أساسي: أن الطرفين يريدان تجنب الحرب الشاملة أكثر مما يريدان تغيير قواعد اللعبة بالقوة.

وهذا الافتراض هو الذي بدأ ينهار.

ثانياً: 7 أكتوبر لم يكن حدثاً إسرائيلياً ـ فلسطينياً فقط

من أهم التحولات التي أفرزتها الحرب الإقليمية التي أعقبت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 أنها ألغت عملياً الفصل النسبي بين الجبهات.

فالجبهة اللبنانية لم تعد تعمل وفق منطق الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية وحدها، وإنما أصبحت جزءاً من بيئة صراع إقليمي أوسع.

وهذا التحول يفسر جانباً من انهيار قواعد 2006.

فالردع الذي يمكن أن يعمل في صراع ثنائي يصبح أكثر هشاشة عندما يتحول الصراع إلى شبكة من الجبهات المتداخلة، حيث يمكن أن تؤدي عملية في غزة إلى رد في لبنان، أو ضربة في لبنان إلى رسالة موجهة إلى إيران، أو عملية إسرائيلية في سوريا إلى إعادة حسابات على الجبهة اللبنانية.

بعبارة أخرى، لم تعد الحدود الجغرافية هي الحدود الفعلية للصراع.

وأصبحت إسرائيل تنظر إلى القدرات العسكرية لـ«حزب الله» ليس باعتبارها قوة دفاعية محلية فحسب، وإنما باعتبارها جزءاً من منظومة إقليمية يمكن تفعيلها في توقيت تختاره طهران أو حلفاؤها.

ومن هنا يصبح منع تراكم القدرة أكثر أهمية من انتظار استخدامها.

وهذا تحديداً هو الانتقال من الردع بالعقاب إلى الردع بالحرمان.

ثالثاً: الثورة الحقيقية ليست في الصاروخ... بل في المعلومة

أحد أهم الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من التقرير هو أن التحول العسكري الأعمق لا يتعلق فقط بزيادة استخدام المسيّرات أو الضربات الدقيقة، وإنما بانتقال مركز الثقل من القوة النارية إلى المعرفة العملياتية.

في الحروب التقليدية، يكون امتلاك القوة النارية عاملاً حاسماً.

أما في نمط الحرب الذي تصفه المرحلة الجديدة، فإن السؤال السابق على استخدام القوة يصبح:

من يرى أولاً؟ ومن يحدد الهدف أولاً؟ ومن يستطيع اتخاذ القرار وتنفيذ الضربة قبل أن يختفي الهدف أو يتحول إلى تهديد؟

وهنا تتحول الاستخبارات إلى سلاح بحد ذاته.

فالطائرة المسيّرة لا تكسب الحرب بمفردها، والصاروخ الدقيق لا يحقق تأثيره من دون معلومات عن الهدف، والقوة الجوية لا تصبح أداة للسيطرة إلا عندما ترتبط بمنظومة استطلاع واستخبارات واتصال وقرار قادرة على تحويل المعلومات إلى فعل سريع.

لذلك فإن ما يمكن تسميته «توازن المعلومات» قد يكون أكثر دقة من الحديث عن مجرد اختلال في ميزان القوة.

فمن يمتلك قدرة أكبر على الرؤية والتحديد والاستهداف يستطيع أن يفرض إيقاع الحرب حتى لو لم يحتل الأرض.

وهنا تحديداً تظهر أهمية مفهوم «السيطرة بالنار» الذي يرد في التقرير.

رابعاً: إسرائيل تحاول نقل المعركة من الرد على التهديد إلى صناعة بيئة بلا تهديد

القاعدة الجديدة الأكثر أهمية هي الضربة الاستباقية.

في نموذج الردع التقليدي، تنتظر الدولة ظهور التهديد ثم ترد عليه.

أما في نموذج الردع بالحرمان، فإن مجرد امتلاك الخصم قدرة مستقبلية على إحداث الضرر يمكن أن يصبح سبباً لاستهدافها.

وهذا يغير المعادلة جذرياً.

فالصراع لم يعد يدور فقط حول ما فعله «حزب الله»، وإنما حول ما يمكن أن يفعله مستقبلاً.

وبالتالي تصبح عملية إعادة بناء القدرات العسكرية في حد ذاتها هدفاً.

وهنا تنشأ معضلة سياسية خطيرة: كلما نجحت إسرائيل في تعطيل قدرة «حزب الله» على إعادة بناء قوته، أصبحت أكثر ميلاً إلى توسيع مفهوم التهديد ليشمل ليس فقط السلاح الموجود، وإنما البنية التي يمكن أن تنتج السلاح مستقبلاً.

وهذا يخلق منطقاً للحرب المفتوحة زمنياً.

فطالما أن التهديد المحتمل مبرر للضربة، وطالما أن إعادة بناء القدرة يمكن اعتبارها تهديداً، فإن وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة نهاية العمليات.

وهذا يفسر التحول الذي أشار إليه التقرير في مفهوم وقف إطلاق النار نفسه: من كونه توقفاً فعلياً للأعمال العسكرية إلى كونه إطاراً سياسياً قد يستمر في ظله قدر من النشاط العسكري.

خامساً: المشكلة في المعادلة الجديدة أنها قد تنتج حرباً بلا نهاية

هنا تظهر المفارقة الكبرى.

قد تبدو استراتيجية الضربات الاستباقية أكثر كفاءة من خوض حرب شاملة؛ فهي تسمح لإسرائيل بتدمير أهداف محددة، وتقليص قدرات الخصم، وتجنب الاحتلال البري طويل الأمد.

لكن نجاحها التكتيكي قد يحمل في داخله مشكلة استراتيجية.

فإذا كان الهدف هو منع الخصم من إعادة بناء قدرته العسكرية، فإن ذلك يتطلب استمرار المراقبة والاستهداف لفترة طويلة.

أي أن النجاح في منع الحرب الشاملة قد يتحول إلى نظام دائم من الحرب المحدودة.

وهذا يخلق نموذجاً جديداً يمكن وصفه بـ**«الحرب المستمرة منخفضة العتبة»**.

لا توجد حرب شاملة بالمعنى التقليدي، ولا يوجد سلام حقيقي، وإنما سلسلة متواصلة من الضربات والردود والاغتيالات والاستطلاع والعمليات السرية.

وهنا يصبح السؤال السياسي أكثر أهمية من السؤال العسكري:

إلى متى تستطيع إسرائيل الحفاظ على هذه المعادلة من دون أن تنتج هي نفسها الدافع إلى تصعيد أكبر؟

سادساً: تراجع الردع لا يعني بالضرورة انهيار «حزب الله»

من السهل تفسير التحول الحالي باعتباره انتقالاً من قوة «حزب الله» إلى ضعفها.

لكن هذا الاستنتاج سيكون متسرعاً.

فالتقرير نفسه يصف تحولاً في مفهوم الردع لدى الحزب، من الردع الفوري إلى الردع الاستنزافي المؤجل.

وهذا يعني أن الحزب، في ظل اختلال ميزان القوة المباشر، قد لا يكون قادراً أو راغباً في الرد بالطريقة التي اعتادها بعد 2006.

لكنه يستطيع محاولة تغيير طبيعة المعركة نفسها.

فبدلاً من منع إسرائيل من الضربة، قد يصبح الهدف هو رفع كلفة استمرار الضربات.

وهنا ننتقل من سؤال «هل يستطيع الحزب منع إسرائيل من العمل؟» إلى سؤال مختلف:

هل يستطيع جعل حرية العمل الإسرائيلية مكلفة بما يكفي لتصبح غير مستدامة سياسياً؟

وهذا هو جوهر الردع الاستنزافي.

فالقوة الأضعف لا تحاول بالضرورة منع كل ضربة، وإنما تراهن على الزمن.

سابعاً: أخطر تحول سياسي هو انتقال مركز القرار من «قواعد متبادلة» إلى «قواعد يفرضها طرف واحد»

في مرحلة ما بعد 2006، كانت قواعد الاشتباك نتاجاً ضمنياً لتفاعل الطرفين.

أما في المرحلة الجديدة، فإن إسرائيل تحاول أن تجعل قواعد الاشتباك قراراً من طرف واحد.

وهذا فرق سياسي بالغ الأهمية.

فالقواعد التي يفرضها طرف واحد لا تكون مستقرة بالضرورة؛ لأنها لا تستمد شرعيتها من قبول الطرف الآخر، وإنما من القدرة على فرضها.

وبالتالي فإن استمرارها يتطلب استمرار التفوق الذي أنتجها.

وهنا تكمن نقطة ضعفها الأساسية.

إذا تغير ميزان القوة، أو استطاع «حزب الله» إعادة بناء قدراته، أو تدخلت عوامل إقليمية جديدة، فقد تصبح القواعد الإسرائيلية المفروضة موضع اختبار.

ومن ثم فإن الهيمنة العملياتية ليست بالضرورة هيمنة استراتيجية.

قد تستطيع إسرائيل تحديد متى تضرب وأين تضرب، لكنها لا تستطيع بالضرورة تحديد كيف سيتصرف الخصم بعد الضربة، ولا كيف ستتطور البيئة السياسية والاجتماعية التي تنتج الصراع.

ثامناً: ماذا حدث لمعادلة «بيروت مقابل تل أبيب»؟

يمكن النظر إلى انهيار هذه المعادلة باعتباره أحد أهم المؤشرات على انتهاء مرحلة كاملة من الصراع.

المعادلة القديمة كانت تقوم على فكرة بسيطة: إذا دُمرت بيروت، فإن العمق الإسرائيلي ليس محصناً من الرد.

لكن عندما تصبح إسرائيل قادرة على تنفيذ عمليات دقيقة ومتكررة ضد بنية عسكرية محددة من دون الانتقال فوراً إلى حرب شاملة، فإن قيمة التهديد بالرد الواسع تتراجع.

وهنا يصبح الردع أمام أزمة جوهرية:

إذا لم يعد الخصم يخشى استخدام قوته لأن الحرب الشاملة لم تعد هي النتيجة الحتمية، فإن التهديد بالردع يفقد جزءاً من فعاليته.

لكن ذلك لا يعني أن الردع اختفى.

بل ربما تغير مكانه.

فبدلاً من أن يكون الردع قائماً على منع الضربة الأولى، أصبح قائماً على منع الطرف الآخر من تحويل التفوق التكتيكي إلى انتصار استراتيجي دائم.

تاسعاً: لبنان أمام معضلة الدولة التي تُدار الحرب على أرضها

هناك بعد سياسي يغيب نسبياً عن القراءة العسكرية لقواعد الاشتباك، وهو موقع الدولة اللبنانية.

فكلما تحولت الحدود اللبنانية إلى ساحة عمليات مفتوحة، أصبح السؤال ليس فقط عن قدرات إسرائيل و«حزب الله»، بل عن من يملك قرار الحرب والسلام داخل لبنان.

والأهم أن استمرار الضربات الإسرائيلية بذريعة منع إعادة بناء القدرات العسكرية يضع الدولة اللبنانية أمام معضلة شديدة التعقيد:

إذا لم تستطع منع استخدام أراضيها عسكرياً، تصبح سيادتها موضع تساؤل.

وإذا حاولت فرض احتكار الدولة للسلاح بالقوة، فإنها تدخل في صراع داخلي شديد الحساسية.

وإذا قبلت بالأمر الواقع، فإنها تصبح أمام بيئة يكون فيها وقف إطلاق النار غير كافٍ لاستعادة سيادتها الكاملة.

وهكذا فإن إعادة رسم قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله» ليست قضية عسكرية فقط، بل تمس مفهوم الدولة اللبنانية نفسه.

عاشراً: من «وقف الحرب» إلى «إدارة الصراع»

ربما يكون هذا هو التحول السياسي الأعمق.

بعد 2006، كان الهدف الضمني هو منع تكرار الحرب.

أما الآن، فإن النموذج الذي يتشكل يبدو أقرب إلى إدارة الصراع بدلاً من إنهائه.

وهذا فرق كبير.

إدارة الصراع تعني قبول استمرار التوتر، ولكن ضمن مستويات يمكن التحكم فيها.

وهي تقوم على فكرة أن الحرب الشاملة ليست مرغوبة، لكن السلام الكامل غير متاح.

لذلك تصبح الضربات المحدودة، والاغتيالات، والاستطلاع، والردود الموضعية، والوساطات، والتهديدات، أدوات لإدارة مستوى العنف.

والتقرير يصف بوضوح هذا التحول من الردود الاستراتيجية الواسعة إلى ردود موضعية وتكتيكية محدودة واحتواء سريع للتصعيد.

لكن هذا النموذج يحمل خطراً دائماً:

كل عملية تهدف إلى احتواء التصعيد يمكن أن تصبح، في ظروف معينة، سبباً للتصعيد.

فالاغتيال قد يستدعي رداً، والرد يستدعي ضربة مضادة، والضربة المضادة قد تخلق ضغوطاً داخلية للرد، وهكذا يمكن أن تتحول «إدارة التصعيد» إلى سلسلة من التصعيدات الصغيرة التي تنتهي بتجاوز العتبة التي أراد الجميع تجنبها.

الخلاصة: إسرائيل ربحت المبادرة... لكن السؤال هو من يربح الزمن؟

التحول الذي طرأ على الجبهة اللبنانية ـ الإسرائيلية يمكن اختصاره في انتقال من توازن الردع إلى عدم توازن المبادرة.

في مرحلة ما بعد 2006، كان الطرفان محكومين إلى حد كبير بالخوف من تكلفة الحرب.

أما في المرحلة الجديدة، فتبدو إسرائيل أكثر قدرة على تحديد توقيت الضربة، ومكانها، وأهدافها، والاستفادة من التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي لفرض إيقاع العمليات.

لكن ذلك لا يعني أن إسرائيل حسمت الصراع استراتيجياً.

فالمبادرة العسكرية ليست هي النصر السياسي، والتفوق التكنولوجي لا يلغي قدرة الخصم على التكيف، والقدرة على تدمير القدرات القائمة لا تضمن منع إعادة إنتاج الصراع.

بل إن المفارقة الأساسية تتمثل في أن استراتيجية منع التهديد قد تحتاج إلى حرب مستمرة كي تنجح.

وهنا يصبح السؤال المركزي للمرحلة المقبلة ليس:

من الأقوى عسكرياً؟

فالإجابة عن ذلك تبدو أكثر وضوحاً.

السؤال الأهم هو:

هل تستطيع إسرائيل تحويل تفوقها العسكري والاستخباراتي إلى نظام ردع مستقر، أم أن اعتمادها على الضربات الاستباقية سيقود إلى دورة دائمة من إعادة بناء القدرات ثم تدميرها؟

إذا نجحت إسرائيل في فرض هذه المعادلة لفترة طويلة، فإن المنطقة قد تكون أمام نموذج جديد من الصراع: لا حرب شاملة، ولا سلام، بل هيمنة نارية إسرائيلية يقابلها ردع استنزافي لبناني.

أما إذا تمكن «حزب الله» من إعادة بناء قدرته على تهديد العمق الإسرائيلي أو تطوير وسائل تقلص التفوق الاستخباراتي الإسرائيلي، فقد تبدأ قواعد اللعبة الجديدة نفسها في التآكل.

وبذلك فإن الجبهة اللبنانية لا تدخل فقط مرحلة جديدة من الصراع؛ بل تدخل اختباراً لنظرية كاملة في إدارة الحروب الحديثة:

هل يمكن تحقيق الأمن عبر منع الخصم من امتلاك القدرة على الحرب، أم أن السعي المستمر إلى حرمانه من هذه القدرة يعيد إنتاج الحرب بصورة دائمة؟

هذه هي المفارقة التي ستحدد مستقبل قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»:
إسرائيل