من اتساع الحياة إلى ضيق القلب: البنية الجمالية والأبعاد البيئية في ديوان «أبواب» لبسمة شيخو

ثقافة - عمر شهريار

يمثل ديوان «أبواب» للشاعرة السورية بسمة شيخو تجربة شعرية تقوم على التدرج من العالم الخارجي إلى العالم الداخلي، ومن تأمل تفاصيل الحياة إلى استكشاف الذات ومكنوناتها العاطفية. ولا يقتصر هذا التدرج على المضمون، بل يتجسد في البناء الفني للديوان، الذي يتألف من ست وثلاثين قصيدة موزعة بالتساوي على ثلاثة أقسام: «باب كبير: الحياة»، و«باب أوسط: أنا»، و«باب صغير: قلبي». ويكشف هذا التقسيم عن تصور جمالي يجعل من الأبواب بنية رمزية متداخلة، تنتقل عبرها الذات الشاعرة من رحابة الوجود إلى خصوصية التجربة الفردية، قبل أن تستقر عند القلب بوصفه مركزًا للمشاعر والحنين وإمكانات استعادة المعنى.

وصدر الديوان عن دار بتانة للنشر في القاهرة، ويقدم من خلال أقسامه الثلاثة مسارًا تأمليًا تتداخل فيه الطبيعة مع الذات، والجمال مع النقد، والتجربة الشخصية مع الأسئلة الإنسانية والسياسية الأوسع. ومن ثم، فإن قراءة «أبواب» لا تقتصر على تتبع موضوعاته الشعرية، وإنما تمتد إلى تحليل بنيته التشكيلية، وعلاقته بالطبيعة والبيئة، وما ينطوي عليه من نقد للحضارة المعاصرة والحروب، وصولًا إلى استكشاف الحب بوصفه إمكانية لاستعادة التوازن وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والعالم.

هندسة الأبواب وبناء المسار من العام إلى الخاص

تنهض البنية التنظيمية لديوان «أبواب» على تدرج دلالي واضح، يبدأ بالحياة، ويمر بالأنا، وينتهي بالقلب. وتكتسب هذه العناوين أهميتها من العلاقة التي تنشئها فيما بينها؛ فالباب الكبير يفتح على العالم في اتساعه وتنوعه، والباب الأوسط ينقل الرؤية إلى الذات التي تتفاعل مع هذا العالم وتعيد تأويله، بينما يقود الباب الصغير إلى الحيز الأكثر خصوصية، حيث تتجمع المشاعر والتطلعات والاحتياجات العاطفية.

ولا تبدو هذه الحركة مجرد انتقال موضوعي بين ثلاثة أقسام، بل تمثل آلية لتنظيم الرؤية الشعرية نفسها. ففي القسم الأول، تتجه الذات نحو الخارج، مستكشفة مفردات الوجود وعناصره؛ وفي القسم الثاني، تتحول إلى موضوع للتأمل، فتختبر علاقتها بنفسها وبالطبيعة المحيطة بها؛ أما في القسم الأخير، فتتخذ التجربة منحًى وجدانيًا أكثر تركيزًا، يصبح فيه القلب مجالًا لاستعادة الحب والحنين والمعاني التي يفتقدها العالم الخارجي.

ويمكن النظر إلى هذا التدرج بوصفه حركة من الاتساع إلى التركيز، لا من العام إلى الخاص فحسب. فكل دائرة داخل الديوان تحتفظ بصلتها بالدائرة الأكبر، ولا تنفصل عنها بصورة نهائية. فالذات التي تتأمل الحياة في القسم الأول هي نفسها التي تبحث عن موقعها في العالم خلال القسم الثاني، ثم تحاول، عبر الحب، إعادة بناء علاقتها بهذا العالم في القسم الثالث.

ومن هذه الزاوية، يؤدي عنوان «أبواب» وظيفة تتجاوز تسمية العمل إلى الإسهام في تشكيل منطقه الداخلي؛ فكل باب يمثل مستوى من مستويات الرؤية، كما يتيح الانتقال إلى مستوى آخر أكثر قربًا من التجربة الذاتية. وتبدو الذات الشاعرة، في هذا المسار، كعين راصدة تبدأ بتأمل المشهد الواسع، ثم تضيق مجال رؤيتها تدريجيًا، حتى تصل إلى التفاصيل الدقيقة التي تشكل عالمها الداخلي.

الطبيعة والفن التشكيلي في إعادة بناء العالم شعريًا

يتأسس القسم الأول، «باب كبير: الحياة»، على تأمل مفردات العالم وعناصره، إذ تحمل قصائده عناوين مباشرة تشير إلى موضوعاتها، مثل «الضوء» و«الصوت» و«الشمس» و«البحر» و«التراب»، إلى جانب مفاهيم مجردة مثل «الأمل» و«الصمت» و«الحلم». غير أن هذه العناوين لا تؤدي وظيفة وصفية فحسب، بل تمثل نقاط انطلاق لإعادة اكتشاف الأشياء والمفاهيم من خلال وعي الذات الشاعرة وتجربتها الخاصة.

فالشاعرة لا تكتفي بتقديم العناصر الطبيعية في صورها المألوفة، وإنما تعيد تشكيلها عبر الاستعارة والتشخيص وبناء المشاهد الحسية. وتظهر هنا صلة واضحة بين الكتابة الشعرية وتقنيات الفن التشكيلي، إذ تتحول القصيدة إلى مساحة تتفاعل فيها الصورة والكتلة والحركة والفراغ، بما يجعل المعنى ناتجًا عن طريقة تشكيل المشهد، لا عن الفكرة المجردة وحدها.

ويتجلى ذلك في قصيدة «الضوء»، التي تستهلها الشاعرة بقولها:

«بأصابعه يلم ستائر العتمة
يفتح شبابيك الكون
يتمطى
يتثاءب
فيخرج النهار من فمه كالمارد»

يُقدَّم الضوء هنا بوصفه كائنًا فاعلًا يمتلك القدرة على الحركة والتغيير، إذ يجمع العتمة كما تُجمع الستائر، ويفتح نوافذ الكون، ثم يستيقظ ليطلق النهار. وتقوم الصورة على تحويل ظاهرة طبيعية مجردة إلى مشهد حركي متكامل، تتداخل فيه الاستعارة مع التشخيص، وتتتابع أفعاله بطريقة تمنح الصورة إيقاعًا بصريًا واضحًا.

ولا يقتصر هذا النزوع التشكيلي على تصوير العناصر المادية، بل يمتد إلى المفاهيم المجردة، كما في قصيدة «الصمت»:

«الصمت
يفتح أوراقه على الطاولة
بيضاء لم يمسسها سوء
يومئ برأسه
فينهمر فوق رؤوس الكلمات
مطر غزير
يغرق الحكاية»

تتأسس الصورة على مفارقة بين الصمت والكلام، إذ يظهر الصمت أولًا في هيئة أوراق بيضاء قابلة للكتابة، قبل أن يتحول إلى مطر يغمر الكلمات ويغرق الحكاية. وهكذا لا يعود الصمت مجرد غياب للصوت، بل يصبح قوة مؤثرة في اللغة ذاتها، قادرة على تعطيل السرد وإعادة تشكيل العلاقة بين القول وما يتعذر قوله.

وتستمد الصورة بعض ملامحها من التشكيل السريالي، عبر الجمع بين عناصر تنتمي إلى مجالات حسية مختلفة، كالأوراق والمطر والكلمات، ضمن مشهد واحد تتجاوز علاقاته المنطق المألوف، من دون أن يفقد تماسكه الدلالي. وبذلك تتحول التقنيات التشكيلية إلى وسيلة لإنتاج المعنى الشعري، لا إلى مجرد زخرفة لغوية.

الذات الأنثوية والطبيعة وأفق النسوية البيئية

إذا كان القسم الأول يوجه الرؤية نحو العالم الخارجي، فإن القسم الثاني، «باب أوسط: أنا»، يعيد توجيهها نحو الذات، من دون أن يقطع صلتها بالطبيعة. بل تبدو الطبيعة في هذا القسم جزءًا من البنية التي تتشكل عبرها الهوية الفردية؛ إذ تستعين الشاعرة بعناصرها لتصوير حالات الذات وتحولاتها، كما تتبادل معها الصفات والصور، بما يجعل الحدود بين الإنسان ومحيطه الطبيعي أقل صلابة.

وتتعدد صور هذا التداخل في الديوان، ومنها قول الشاعرة:

«أراهن على نفسي وأركض
كحصان متمرس في السباقات»

وقولها:

«بين النجوم
تركت عينيّ
شهابُ مسرع طرف عينا
وأطفأ بريق الأخرى»

وكذلك:

«بعيني طائر
أحدق بشجرة الكينا
المطر بلل شعرها مثلي»

تكشف هذه النماذج عن تعدد أشكال العلاقة بين الذات والطبيعة؛ فتارة تتشبه الذات بحيوان يمتلك القدرة على الحركة والمنافسة، وتارة تتصل بالفضاء الكوني عبر صورة النجوم والشهاب، وتارة تستعير عين الطائر لتعيد النظر إلى شجرة تتشارك معها أثر المطر. ولا تقتصر هذه العلاقة على التشبيه المباشر، بل تتخذ أحيانًا شكل تبادل رمزي، تصبح فيه الطبيعة امتدادًا للذات، وتغدو الذات وسيلة لإعادة إدراك الطبيعة.

ومع ذلك، لا تقدم الشاعرة الطبيعة بوصفها فضاءً حانيًا أو ملاذًا آمنًا على الدوام؛ فهي قد تظهر أيضًا في صور تنطوي على القسوة والتدمير. فالشهاب الذي يطفئ بريق العينين، والمطر الذي يبلل شعر الشجرة وشبيهتها الإنسانية، يضعان العلاقة بين الذات والطبيعة في إطار أكثر تعقيدًا، تتجاور فيه الألفة مع التهديد، والتماهي مع الهشاشة.

ومن شأن هذا التداخل أن يفتح الديوان على أفق تأويلي يتصل بمفهوم النسوية البيئية، الذي يدرس العلاقات بين قضايا المرأة والطبيعة وأنماط الهيمنة التي تطال كليهما، مع مراعاة اختلاف المقاربات داخل هذا التيار. ففي تجربة شيخو، تتيح مركزية الطبيعة قراءة الذات الأنثوية بوصفها جزءًا من شبكة من العلاقات الحية، لا كيانًا منفصلًا عن محيطه.

غير أن هذا البعد يكتسب وضوحه الأكبر عندما ينتقل الديوان من الاحتفاء بعناصر الطبيعة إلى تصوير ما تتعرض له من تشويه بفعل التوسع العمراني وأنماط الحضارة المعاصرة. عندئذ تصبح العلاقة بالطبيعة مدخلًا لنقد الواقع، وتتحول الصورة الشعرية من استكشاف الجمال إلى مساءلة القوى التي تهدد التوازن البيئي والإنساني معًا.

المدينة والحرب بوصفهما مظهرين لاختلال العلاقة بين الإنسان والعالم

يتجلى البعد النقدي في الديوان من خلال صور المدينة الحديثة وما تفرضه من أنماط عمرانية واجتماعية، إلى جانب الإشارات إلى الحروب والسلطة العسكرية. ففي قصيدة «تفاصيل»، تقول الشاعرة:

«سماء منخفضة
وشمس قريبة
بشر برؤوس محنية
يقولون نعم
ويبتسمون.
فوق جسد المدينة
تنتصب الأبنية أشواكاً
وتتمدد الشوارع جروحاً في أرجائها».

تقوم الصورة على بناء مشهد تتعرض فيه العناصر الطبيعية والبشرية لتغيرات تتجاوز حدودها المعتادة. فالسماء تنخفض، والشمس تقترب، والرؤوس تنحني، فيما تتحول الأبنية إلى أشواك والشوارع إلى جروح. وتكشف هذه التحولات عن رؤية نقدية للمدينة، لا بوصفها تجمعًا عمرانيًا فحسب، بل باعتبارها فضاءً يمكن أن تتجسد فيه مظاهر الاغتراب والضغط وتراجع قدرة الإنسان على الحفاظ على استقلاله.

وتكتسب استعارتا الأشواك والجروح دلالة خاصة؛ فالأبنية التي يفترض أن توفر المأوى والتنظيم تتحول إلى مصدر للأذى، والشوارع التي تصل بين الأماكن تبدو كأنها تمزق جسد المدينة. وبهذا التشخيص، تنتقل المدينة من كونها خلفية محايدة للحياة إلى كيان يحمل آثار الاختلال الذي أصاب العلاقة بين الإنسان ومحيطه.

كما أن صورة البشر ذوي الرؤوس المنحنية، الذين يكتفون بالموافقة والابتسام، تضيف بعدًا اجتماعيًا إلى النقد العمراني. فالمشهد لا يتعلق بتشويه الطبيعة وحدها، وإنما يتصل أيضًا بتراجع الفاعلية الفردية، وخضوع الإنسان لضغوط المحيط الذي يعيش فيه. وبذلك تتجاور أزمة المكان مع أزمة الذات، في صورة حضارة تفقد توازنها البيئي والإنساني في آن واحد.

ويتسع هذا النقد ليشمل السلطة العسكرية والحروب، في المقطع الذي تقول فيه الشاعرة:

«أعبئ الضوء في جيبي
وأنثره في الليالي المعتمة
السماء خالية من النجوم
كلها فوق أكتاف الجنرالات».

تقيم الصورة مفارقة بين الضوء بوصفه رمزًا للأمل والإمكان، وبين سماء أُفرغت من نجومها، قبل أن تعيد الشاعرة تفسير هذا الفراغ من خلال صورة الجنرالات الذين استحوذوا على النجوم. وتسمح هذه الاستعارة بقراءة نقدية لعالم تتراكم فيه مظاهر القوة العسكرية على حساب الجمال والحرية والحياة.

ولا تقف دلالة المقطع عند إدانة الحرب باعتبارها عنفًا موجهًا ضد البشر، بل تفتح المجال للتفكير في آثارها الأوسع، بما فيها تدمير البيئات الطبيعية، وإخضاع المجال العام لمنطق القوة، وتقويض شروط الحياة المستقرة. وهكذا يلتقي النقد السياسي بالنقد البيئي في رؤية شعرية تربط بين اختلال علاقة الإنسان بالطبيعة واختلال علاقته بالسلطة والعالم.

ومن المهم، في هذا السياق، النظر إلى البعد البيئي في الديوان بوصفه أفقًا تأويليًا تدعمه الصور والاستعارات، لا بوصفه تصنيفًا نهائيًا للتجربة الشعرية. فقوة هذه الصور تكمن في قدرتها على الجمع بين مستويات متعددة من الدلالة، بحيث يمكن قراءة تشويه الطبيعة باعتباره علامة على أزمة حضارية وأخلاقية تتجاوز حدود البيئة المادية.

القلب والحب وإمكان استعادة العالم

يصل الديوان في قسمه الثالث، «باب صغير: قلبي»، إلى أكثر دوائره خصوصية. فبعد تأمل الحياة في اتساعها، واستكشاف الذات وعلاقتها بالطبيعة والعالم، ينتقل مركز الرؤية إلى القلب بوصفه موطنًا للحب والشوق والحنين، ومجالًا لإعادة إنتاج المعاني التي افتقدتها التجربة الإنسانية.

ولا يبدو القلب في هذا القسم مجرد مساحة للانفعال الفردي، بل يتحول إلى نقطة انطلاق محتملة نحو استعادة العلاقة بالعالم. فالحب، حتى حين يتصل بشخص متخيل أو بحضور لا يتجاوز حدود الخيال، يظل قادرًا على توليد المعنى، وإحياء التطلع، ومقاومة الفراغ الذي تتركه التجارب المؤلمة أو العلاقات الغائبة.

ومن هنا، يمكن فهم الانتقال إلى الباب الأصغر بوصفه حركة لا تنتهي عند الانكفاء على الذات. فعلى الرغم من أن القلب يمثل الحيز الأكثر خصوصية في الديوان، فإن ما يتشكل داخله من مشاعر ورغبات يمتلك قابلية للعودة إلى الخارج، والتأثير في رؤية الذات للحياة. وبهذا المعنى، تتخذ بنية الديوان حركة ارتدادية؛ إذ يعود الخاص إلى العام، ويصبح إصلاح العلاقة بالذات مدخلًا متخيلًا لإعادة بناء العلاقة بالعالم.

وتكتسب قصيدة «انتظار»، التي يختتم بها هذا القسم، أهمية خاصة في هذا السياق. تقول الشاعرة:

«كالغبار فوق العتبة المهجورة
يجثو الحب بهدوء
أمام بيتي
ينتظر خطواتك
ليتطاير».

تجمع الصورة بين السكون والتوقع، وبين الهشاشة وإمكان الحركة. فالحب يظهر كالغبار فوق عتبة مهجورة، في هيئة توحي بالخمود والإهمال، لكنه لا يفقد قدرته على الاستجابة للحضور المنتظر. ويظل مترقبًا خطوات قد توقظ ما استقر عليه، وتعيده إلى الحركة والانتشار.

وتحمل صورة التطاير في نهاية القصيدة دلالة تتجاوز استعادة علاقة عاطفية محتملة؛ إذ يمكن قراءتها باعتبارها تعبيرًا عن رغبة في تحرير المشاعر من حالة الركود، وإعادة فتح المجال أمام إمكانات جديدة للحياة. وإذا كان الديوان قد بدأ من العالم الواسع، ثم انتقل إلى الذات والقلب، فإن هذه النهاية تتيح تصور عودة القلب إلى العالم، محملًا بما يمكن أن يستعيده من براءة وحرية وقدرة على التواصل.

ومع ذلك، لا يقدم النص الحب باعتباره حلًا واقعيًا مضمونًا للأزمات السياسية والبيئية والاجتماعية التي يلمح إليها الديوان. فالأقرب إلى منطقه الشعري أن الحب يمثل أفقًا رمزيًا للمقاومة وإعادة التوازن، أو إمكانية متخيلة لاستعادة الصلة بين الإنسان وذاته ومحيطه، في مواجهة عالم تتزايد فيه مظاهر العنف والاغتراب.

يقدم ديوان «أبواب» لبسمة شيخو تجربة شعرية تتأسس على ترابط البناء الفني وتعدد مستويات الدلالة. فمن خلال أقسامه الثلاثة، ينتقل الديوان من تأمل العالم الخارجي إلى استكشاف الذات، ثم إلى التركيز على القلب بوصفه مركزًا للمشاعر والحنين وإمكانات التجدد. ولا ينفصل هذا المسار البنيوي عن الأدوات الجمالية التي توظفها الشاعرة، وفي مقدمتها الصورة التشكيلية والتشخيص والاستعارة، التي تمنح العناصر الطبيعية والمفاهيم المجردة حضورًا حسيًا متحولًا.

كما تكشف العلاقة المتكررة بين الذات والطبيعة عن إمكانية قراءة الديوان في ضوء بعض أسئلة النسوية البيئية، ولا سيما ما يتصل بتداخل التجربة الأنثوية مع البيئة، ونقد أنماط الحضارة التي تهدد التوازن الطبيعي والإنساني. ويتعزز هذا البعد من خلال صور المدينة المشوهة واستعارات الحرب والسلطة العسكرية، حيث تتجاور أزمات المكان والإنسان ضمن رؤية نقدية للعالم المعاصر.

وفي مقابل هذا المشهد، يمنح القسم الأخير الحب موقعًا يتجاوز حدود التجربة الفردية، ليصبح رمزًا لإمكان استعادة المعنى وتجديد الصلة بالحياة. وبهذا، لا تنتهي رحلة «أبواب» عند أضيق دوائرها، أي القلب، بل تفتح احتمال العودة منه إلى العالم الأوسع. وتكمن إحدى أبرز دلالات الديوان في هذه الحركة بين الداخل والخارج، وبين تشخيص الاختلال والبحث عن إمكان تجاوزه، بما يجعل التجربة الشعرية مساحة للتأمل في علاقة الإنسان بذاته والطبيعة والحياة.