«دار الآداب» في سبعة عقود: حكاية دار صنعتها الكتب وورثت رسالتها الأجيال

ثقافة - Foresight

من مجلة أدبية طموحة إلى واحدة من أبرز دور النشر العربية، تروي رنا إدريس فصول تجربة ثقافية امتزج فيها الأدب بالترجمة، والالتزام الفكري بأسئلة الحرية، وظلت فلسطين واللغة العربية في صميم رؤيتها.

بعد سبعة عقود على تأسيس «دار الآداب»، لا تبدو الحكاية مجرد سيرة مؤسسة نشر عريقة، بل جزءاً من تاريخ الثقافة العربية الحديثة وتحولاتها الفكرية والأدبية. فمن مجلة انطلقت في بيروت مطلع خمسينات القرن الماضي، إلى دار نشرت الرواية العربية الحديثة وفتحت نوافذ واسعة على الأدب العالمي، تشكلت تجربة حملت بصمة مؤسسها سهيل إدريس، وامتدت عبر الأجيال لتواصل ابنته رنا إدريس مسيرتها في زمن تغيرت فيه صناعة الكتاب ووسائط القراءة.

وبمناسبة مرور 70 عاماً على انطلاقة الدار، تستعيد رنا إدريس، مديرة «دار الآداب»، في حديث إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، محطات من تاريخ المؤسسة وكواليس العمل فيها، متوقفة عند علاقتها العائلية بالكتاب، والخيارات الفكرية التي وجهت منشوراتها، والتحديات التي فرضتها الحروب والتحولات السياسية، وصولاً إلى محاولات التجديد التي أعادت وصل الدار بأجيال جديدة من القراء.

وتحتفي الدار بهذه المناسبة ضمن فعاليات «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب»، التي تشمل الموسيقى والندوات وتوقيعات الكتب، إلى جانب حوار بين الدكتور بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتناول فيه تجربتها ومسيرة المؤسسة.

من المجلة إلى الدار: البدايات المؤسسة

تعود جذور «دار الآداب» إلى مجلة «الآداب» التي تولى سهيل إدريس إصدارها عام 1953 بتكليف من «دار العلم للملايين»، وكان آنذاك في أواخر العشرينات من عمره. لكن طموحه الثقافي تجاوز حدود إدارة مجلة أدبية، إذ أراد أن يؤسس مشروعاً مستقلاً يتيح له نشر النصوص التي يؤمن بها، وأن يمنح الرواية العربية مكانة أوسع في المشهد الثقافي.

وبعد ثلاث سنوات، قرر شراء المجلة، مستنداً إلى تشجيع والدته وزوجته عايدة مطرجي، اللتين باعتا مصاغهما للمساهمة في إنجاز هذه الخطوة. وفي عام 1956، تأسست «دار الآداب» للنشر، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل الثقافي الذي جمع بين المجلة والكتاب والترجمة.

تقول رنا إدريس إن استمرار الدار لم يكن وليد المصادفة، بل نتيجة إعداد مبكر لأفراد الأسرة كي يشاركوا في العمل. وتضيف، مستعيدة أجواء نشأتها: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

كان الكتاب جزءاً من الحياة اليومية للعائلة، ولم تكن الحدود بين المنزل ومكان العمل واضحة دائماً. فقد وزع سهيل إدريس المسؤوليات بين أفراد أسرته؛ فتولت رنا إدارة دار النشر، وأشرف شقيقها سماح على مجلة «الآداب»، بينما اضطلعت عايدة مطرجي بشؤون الطباعة والمستودعات. أما سهيل إدريس، فبعد انشغاله بالأدب والترجمة، خصص جانباً مهماً من وقته للعمل المعجمي، وأنجز «المنهل» الفرنسي ـ العربي بالتعاون مع جبور عبد النور.

وهكذا لم تكن الدار مؤسسة عائلية بالمعنى الإداري وحده، بل بيئة تشكلت فيها علاقة خاصة بالمعرفة، وتداخلت فيها الممارسة المهنية مع النقاش الفكري والترجمة والقراءة.

مشروع ثقافي يتجاوز النشر

منذ بداياتها، انفتحت «دار الآداب» على تيارات فكرية وأدبية متنوعة، مع اهتمام واضح بالفكر الوجودي واليساري، وبالأعمال التي تطرح أسئلة الحرية والمسؤولية والتحرر الوطني. فنشرت وترجمت أعمالاً لجان بول سارتر وألبير كامو وكولن ولسون، إلى جانب كتب لكارل ماركس، وماو تسي تونغ، وغابرييل غارسيا ماركيز، ومذكرات شخصيات سياسية عربية.

وتستعيد رنا إدريس اهتمام والدها بسارتر، ولا سيما بسبب موقفه المؤيد لاستقلال الجزائر وبيانه المعروف «عارنا في الجزائر». وتوضح أن إصراره على نشر هذه النصوص لم يكن مرتبطاً بفكرة الحرية وحدها، بل بفهم يربطها بالمسؤولية، بعيداً عن تصورها قيمة مطلقة لا تحدها التزامات أخلاقية أو سياسية.

وانعكست هذه الرؤية على توجهات مجلة «الآداب»، التي احتضنت أشكالاً جديدة في الشعر العربي، وواكبت التجارب التي ارتبطت بأسماء مثل نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وأحمد عبد المعطي حجازي. وقد أسهمت المجلة، من خلال انفتاحها على التحولات الشعرية والنقدية، في النقاشات التي رافقت تحديث الأدب العربي في منتصف القرن العشرين.

لكن هذا الانفتاح لم يكن منفصلاً عن رؤية سهيل إدريس القومية. فقد تمسك بمركزية اللغة العربية وبفكرة التضامن العربي، ورأى أن الوحدة تمثل ضرورة في مواجهة التفكك والتدخلات الخارجية. ومن هذا المنطلق، لم يكن مرتاحاً إلى بعض توجهات مجلة «شعر»، خصوصاً ما رآه انفتاحاً على العامية ومواقف سياسية وثقافية لم يطمئن إليها.

وتوضح رنا أن تحفظات والدها لم تكن حكماً على جميع كتّاب المجلة، بل تعبيراً عن اختلاف في الرؤية الثقافية والسياسية. وهو اختلاف يعكس جانباً من الجدل الذي طبع الحياة الأدبية العربية في تلك المرحلة، حين لم تكن أسئلة الشكل الشعري واللغة منفصلة عن تصورات الهوية والنهضة وموقع الثقافة في المشروع العربي.

الرواية العربية في صدارة المشروع

بعد عام 1958، اتجهت الدار بصورة أوضح إلى نشر الرواية العربية، ووسعت اهتمامها بالأصوات الجديدة والأعمال التي كانت تسعى إلى التعبير عن التحولات الاجتماعية والسياسية في المنطقة.

وتشير رنا إدريس إلى نشر أعمال لنجيب محفوظ وحنان الشيخ وغادة السمان، إلى جانب روايات حنا مينة الذي حققت كتبه انتشاراً واسعاً، فضلاً عن أعمال جبرا إبراهيم جبرا وأسماء أخرى أسهمت في تشكيل ملامح الرواية العربية الحديثة.

ولم يقتصر نجاح الدار على القيمة الأدبية لمنشوراتها، بل ارتبط أيضاً بقدرتها على الوصول إلى جمهور واسع. وتستعيد رنا أرقاماً عن حجم الطبعات التي كانت تطبعها لبعض المؤلفين، مشيرة إلى أن كتب حنا مينة كانت تطبع بآلاف النسخ وتتوالى طبعاتها، فيما وصلت طبعات بعض أعمال كولن ولسون إلى عشرة آلاف نسخة.

وتكشف هذه الأرقام عن مرحلة كان فيها الكتاب الفكري والأدبي قادراً على تحقيق حضور جماهيري ملحوظ، وعن دور دور النشر في نقل الأفكار والتيارات الفكرية إلى خارج نطاق النخب الأكاديمية والثقافية المحدودة.

ومع ذلك، لم يكن التزام الدار الفكري ثابتاً بمعزل عن مواقف المؤلفين وتحولاتهم السياسية. فقد قرر سهيل إدريس التوقف عن نشر كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من القضية الفلسطينية، قبل أن تعود الدار لاحقاً إلى إصدار كتبه بعد مراجعة هذا القرار.

ويشير هذا الموقف إلى أن خيارات النشر لدى المؤسس لم تكن تجارية فحسب، بل ارتبطت كذلك بمعايير سياسية وأخلاقية، حتى عندما تعلقت بأسماء أدبية وفكرية كبيرة.

فلسطين والحرب: حين يصبح الكتاب هدفاً

لم يكن تاريخ «دار الآداب» منفصلاً عن الحروب التي شهدها لبنان والمنطقة. فقد تعرضت العائلة لخسائر كبيرة خلال الاعتداءات الإسرائيلية، عندما قصف الطيران الإسرائيلي منزلها عام 1978، ما أدى إلى تدمير مكتبة سهيل إدريس الشخصية، بما احتوته من كتب تحمل إهداءات عدد من أبرز الأدباء والمفكرين، بينهم سيمون دو بوفوار وجان بول سارتر وريجيس دوبريه ونجيب محفوظ ويوسف السباعي. وكان جزء كبير من أرشيف الدار قد فُقد في وقت سابق خلال أحداث عام 1958.

وتستعيد رنا حزن والدها على ضياع مكتبته، مشيرة إلى انتقال الدار لاحقاً إلى منطقة ساقية الجنزير. وفي تلك السنوات، كانت الحياة العائلية والعمل الثقافي متداخلين إلى حد بعيد؛ فالمنزل والدار كانا أحياناً متقابلين، وكانت عايدة مطرجي تواصل الترجمة والعمل بينما ترعى أطفالها، حتى إن انشغالها بالدار كان يطغى أحياناً على تفاصيل الحياة اليومية.

وتروي رنا موقفاً طريفاً حين زار نزار قباني الدار، وطلب منه الانتظار إلى أن تنتهي من إرضاع ابنتها، فرد مازحاً: «وهل أنا في حضانة!».

لكن وراء هذه الذكريات اليومية، كانت هناك تجربة ثقافية تعيش تحت ضغط الحرب. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، ازداد القلق وتراجع الإنتاج، وأصبح الحفاظ على صدور مجلة «الآداب» في بيروت هاجساً أساسياً لدى مؤسسها.

وبناءً على نصائح بعض أصدقائه، وافق سهيل إدريس على إصدار المجلة من بغداد، في محاولة لضمان استمرارها بعيداً عن عنف الأحداث. غير أن التجربة لم تستمر، إذ لم يصدر خارج لبنان سوى عدد واحد، بسبب ما واجهته المجلة من ضغوط رقابية.

وفي هذه الظروف، بدت فلسطين أكثر من موضوع يتكرر في المقالات والكتب؛ لقد كانت قضية مركزية في الوعي السياسي والأخلاقي الذي وجه جانباً مهماً من اختيارات الدار والمجلة. كما أظهرت الحرب هشاشة المؤسسات الثقافية أمام العنف، وأكدت أن استمرار النشر في بعض المراحل قد يصبح بحد ذاته شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية.

رنا إدريس والتجديد: جيل جديد في مؤسسة عريقة

في عام 1986، عادت رنا إدريس من الولايات المتحدة بناءً على طلب والدها، بعدما أمضت خمس سنوات في التحضير للدكتوراه. كان سهيل إدريس يرى أن الدار تحتاج إلى دم جديد، خصوصاً مع استعداد شقيقها سماح للالتحاق بجامعة كولومبيا، وسفر شقيقتها رائدة بعد زواجها.

عادت رنا وهي تحمل أفكاراً جديدة حول النشر، مستفيدة من تجربتها في الولايات المتحدة ومن متابعتها للتحولات الثقافية العالمية. وكان الأدب الياباني من أبرز المجالات التي لفتت انتباهها آنذاك، في ظل الاهتمام المتزايد بالثقافة اليابانية في نيويورك.

وتقول إنها ناقشت والدها في ضرورة فهم التجربة اليابانية، ولا سيما قدرتها على الجمع بين التقاليد والحداثة. واقترحت إصدار سلسلة تضم خمس عشرة رواية يابانية، وهو اقتراح تحول إلى مشروع فعلي؛ فترجم سهيل إدريس رواية «حزن وجمال» لياسوناري كاواباتا، وترجمت عايدة مطرجي رواية «البحار الذي لفظه البحر» ليوكيو ميشيما، ثم توالت إصدارات الأدب الياباني باللغة العربية.

لم يكن هذا التوجه مجرد إضافة جغرافية إلى قائمة الترجمات، بل محاولة لتوسيع أفق القارئ العربي خارج المسارات الأوروبية المعتادة، وفتح نافذة على تجربة أدبية وثقافية مختلفة في رؤيتها للعالم والإنسان والحداثة.

وتكشف هذه الخطوة عن طبيعة العلاقة بين الأجيال داخل الدار: فالمؤسس وضع القواعد الفكرية والمهنية، فيما سعت ابنته إلى تطوير أدوات العمل وتوسيع خيارات النشر، من دون التخلي عن الصلة بالتراث الذي قامت عليه المؤسسة.

من أحلام مستغانمي إلى تحولات سوق القراءة

في استعادتها لتاريخ الدار، تتوقف رنا إدريس عند ظاهرة أحلام مستغانمي، التي حققت روايتها «ذاكرة الجسد» انتشاراً واسعاً في العالم العربي منذ أواخر الثمانينات، وترى أنها شكلت ظاهرة في المبيعات تشبه، من بعض الوجوه، حضور نزار قباني الجماهيري.

وتشير إلى أن ظهور أسماء تحقق هذا المستوى من الانتشار بات أقل وضوحاً في السنوات اللاحقة، مع استحضار النجاح الذي حققته الكاتبة إليف شافاك، خصوصاً من خلال رواية «قواعد العشق الأربعون». لكنها تميز بين نجاح كتاب بعينه وبين ظهور كاتب عربي يتحول إلى ظاهرة واسعة ومستدامة في سوق القراءة.

ويفتح هذا الحديث باباً على التحولات التي أصابت علاقة الجمهور بالكتاب، وعلى التغير في آليات التوزيع والتسويق وصناعة النجومية الأدبية. فنجاح الرواية لم يعد يتوقف على قيمتها الفنية وحدها، بل بات يتأثر أيضاً بوسائل الترويج، وتغير عادات القراءة، واتساع المنافسة بين الكتاب الورقي والمنصات الرقمية.

ومن هنا، فإن تجربة «دار الآداب» لا تقتصر على استعادة ماضٍ مزدهر، بل تطرح أسئلة تتعلق بمستقبل النشر العربي وقدرة دور النشر المستقلة على الحفاظ على حضورها في سوق متغيرة، من دون التفريط في المعايير الأدبية والفكرية التي منحتها مكانتها.

سبعة عقود من الثقافة والذاكرة

تقدم تجربة «دار الآداب» نموذجاً لمؤسسة ثقافية تشكلت عند تقاطع الأدب والسياسة والترجمة، وظلت على امتداد عقود جزءاً من الحراك الفكري العربي. فمن المجلة التي واكبت تجديد الشعر، إلى الدار التي دعمت الرواية العربية وترجمت أعمالاً من ثقافات متعددة، ارتبط تاريخها بأسئلة الحرية والهوية واللغة والالتزام.

كما تكشف شهادات رنا إدريس أن استمرار المؤسسات الثقافية لا يقوم على الإرث وحده، بل يحتاج إلى نقل الخبرة بين الأجيال، وإلى القدرة على التجديد ومواكبة التحولات من دون فقدان الذاكرة المؤسسة. فالمشروع الذي بدأه سهيل إدريس وعايدة مطرجي لم يبق حبيس خيارات لحظته التاريخية، بل اتسع ليشمل تجارب أدبية جديدة، ويستجيب لتغير أذواق القراء واهتماماتهم.

وبعد سبعين عاماً، تظل «دار الآداب» شاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ النشر العربي، وعلى قدرة الكتاب على تجاوز حدود الترف الثقافي ليصبح وسيلة للتفكير والحوار وتشكيل الوعي. وبين ما راكمته الدار من أعمال وذكريات، وما تواجهه صناعة النشر من تحديات جديدة، يبقى السؤال الأساسي هو كيف يمكن للمؤسسات الثقافية العريقة أن تحافظ على دورها، وأن تظل في الوقت نفسه قادرة على اكتشاف أصوات جديدة وفتح آفاق لم تكن مطروقة من قبل.

إنها، في النهاية، حكاية عائلة جعلت من الكتاب جزءاً من حياتها، وحكاية مؤسسة حاولت أن تجعل من الثقافة مساحة للتفاعل مع العالم، لا مجرد مستودع للأعمال المنشورة. وبين ذاكرة سبعة عقود وتطلعات الأجيال الجديدة، تواصل «دار الآداب» اختبار قدرتها على تجديد رسالتها في مشهد عربي لا تزال الثقافة فيه بحاجة إلى مؤسسات تحفظ الذاكرة وتمنح المستقبل فرصته.