من ساحة الحرب إلى شراكات الأمن الإقليمي: كيف تعيد أوكرانيا تموضعها في الخليج؟
تشير التحركات الأوكرانية الأخيرة في منطقة الخليج إلى أن أوكرانيا لم تعد تنظر إلى نفسها بوصفها دولة منشغلة حصريًا بالحرب مع روسيا، بل كفاعل أمني ناشئ قادر على توظيف خبراته العسكرية والتكنولوجية في بناء شراكات خارجية جديدة. فالحرب التي فرضت على كييف منذ عام 2022 لم تنتج فقط تحديات وجودية، بل أفرزت أيضًا قدرات دفاعية وعسكرية تسعى القيادة الأوكرانية إلى تحويلها إلى أدوات نفوذ سياسي واقتصادي في مناطق استراتيجية، وفي مقدمتها الخليج العربي.
ويبدو أن القيادة الأوكرانية، بقيادة الرئيس فولوديمير زيلينسكي، قرأت التحولات الأمنية في المنطقة بوصفها فرصة لإعادة التموضع دوليًا. فالتهديدات المرتبطة بالطائرات المسيّرة والصواريخ، خصوصًا في ظل التوترات مع إيران، خلقت طلبًا متزايدًا على الخبرات الدفاعية المرتبطة بالحرب غير التقليدية، وهو المجال الذي راكمت فيه أوكرانيا خبرة عملية واسعة خلال السنوات الماضية.
لقد أصبحت أوكرانيا، بحكم تعرضها المكثف لهجمات المسيّرات والصواريخ، واحدة من أكثر الدول خبرة في التعامل مع هذا النوع من التهديدات. وهذا ما يمنحها ميزة تنافسية في سوق الأمن الإقليمي، لا سيما لدى دول الخليج التي تسعى باستمرار إلى تطوير منظوماتها الدفاعية وحماية منشآتها الحيوية. ومن هنا يمكن فهم الاتفاقيات الأمنية التي أبرمتها كييف مؤخرًا مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع لتحويل الخبرة الحربية إلى شراكات مؤسسية طويلة المدى.
ولا يقتصر هذا المسار على البعد العسكري المباشر، بل يمتد إلى المجال الاقتصادي والاستثماري. فالحرب أرهقت الاقتصاد الأوكراني، وجعلت من تمويل الصناعات الدفاعية أولوية قصوى. وفي المقابل، تمتلك دول الخليج فوائض مالية ضخمة وتسعى إلى تنويع استثماراتها في قطاعات التكنولوجيا والدفاع. ومن ثم، فإن العلاقة بين الطرفين تحمل منطقًا تكامليًا واضحًا: أوكرانيا توفر المعرفة التقنية والخبرة العملياتية، بينما يوفر الخليج رأس المال والقدرة التمويلية.
وفي هذا الإطار، قد يتحول التعاون في مجال التصنيع العسكري المشترك إلى أحد أبرز مسارات الشراكة المستقبلية. فبدلًا من الاقتصار على شراء الأنظمة الدفاعية، يمكن لدول الخليج أن تستثمر في خطوط إنتاج أوكرانية متقدمة، سواء داخل أوكرانيا أو عبر مشاريع مشتركة، بما يضمن نقلًا جزئيًا للتكنولوجيا، ويعزز أمن الإمداد الدفاعي، ويمنح كييف موارد مالية مستدامة.
كما يفتح هذا التقارب الباب أمام توسيع التعاون نحو الأمن البحري، خاصة في ظل الأهمية الحيوية لـمضيق هرمز بالنسبة للتجارة والطاقة العالميتين. وتمتلك أوكرانيا خبرة متنامية في استخدام الزوارق غير المأهولة، والحرب البحرية غير التقليدية، وإزالة الألغام، وهي خبرات يمكن أن تجد طلبًا متزايدًا في بيئة الخليج البحرية الحساسة.
ومن زاوية أوسع، قد تمثل الشراكة الأوكرانية-الخليجية مدخلًا لإعادة صياغة بعض الترتيبات الأمنية العابرة للأقاليم. فنجاح كييف في بناء علاقات دفاعية مستقرة مع دول الخليج قد يجعلها حلقة وصل بين حلف شمال الأطلسي والمنطقة، خاصة في ملفات الدفاع الجوي، وأمن البنية التحتية، والتصدي للتهديدات غير المتماثلة. وبذلك، لا تصبح أوكرانيا مجرد متلقٍ للدعم الغربي، بل شريكًا يضيف قيمة أمنية لشبكات التحالف الأوسع.
ومع ذلك، لا يخلو هذا المسار من تحديات. فاستمرار الحرب مع روسيا يفرض ضغوطًا هائلة على الموارد البشرية والعسكرية الأوكرانية، كما أن انخراط كييف الأمني في الخليج قد يثير حساسيات لدى قوى إقليمية منافسة. كذلك، فإن دول الخليج ستوازن غالبًا بين الاستفادة من الخبرة الأوكرانية وبين الحفاظ على تنوع شراكاتها الدفاعية التقليدية مع الولايات المتحدة وأوروبا.
في المحصلة، تكشف التحركات الأخيرة أن أوكرانيا تسعى إلى الانتقال من موقع الدولة التي تتلقى الدعم إلى موقع الدولة التي تصدر جزءًا من خبراتها الأمنية. وإذا نجحت في تثبيت هذا المسار، فإنها لن تعزز فقط علاقاتها مع الخليج، بل ستؤسس لنموذج جديد في كيفية تحويل خبرات الحرب إلى أوراق نفوذ جيوسياسي واقتصادي. أما بالنسبة لدول الخليج، فإن الشراكة مع أوكرانيا قد توفر فرصة عملية لتنويع مصادر الأمن والتكنولوجيا في بيئة إقليمية شديدة التقلب.
