بث تجريبي

ترامب واللحظة الانتقالية: هل تمر الولايات المتحدة بمرحلة "يلتسين" جديدة؟

تحليلات - Foresight

هل يقترب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في موقعه ودوره من بوريس يلتسين أم من فلاديمير بوتين ؟ لا يتعلق هذا السؤال بالشخصية بقدر ما يتعلق بالدور التاريخي: أي نوع من القادة يظهر عندما يبدأ النظام في فقدان توازنه الداخلي؟

على مدار جزء كبير من القرن العشرين، كان العالم محكومًا بانقسام أيديولوجي واضح. لم تكن الولايات المتحدة و الاتحاد السوفيتي مجرد قوتين متنافستين، بل كانتا تمثلان إجابتين متباينتين على سؤال واحد: كيف ينبغي لمجتمع حديث أن ينظم اقتصاده ومجتمعه؟

على أحد الجانبين، برزت الرأسمالية كنظام لا مركزي قائم على السوق وقابل للتكيف. وعلى الجانب الآخر، ظهرت الشيوعية كنظام مركزي مخطط وموجّه من قبل الدولة. وقد ادعى كل منهما أنه يصحح اختلالات الآخر، إلا أن كليهما كشف في النهاية عن تناقضاته الداخلية.

لم ينهَر الاتحاد السوفيتي لأنه افتقر إلى القوة. ففي ذروته، كان يمتلك موارد طبيعية هائلة، وقاعدة صناعية قوية، وأحد أقوى الجيوش في العالم. لكنه انهار بسبب عيوب هيكلية متجذرة في تصميمه ذاته.

فمن خلال تهميش "التاجر"—أي المحرك الريادي للتبادل والابتكار—أزال النظام السوفيتي الحوافز التي تحافظ على الحيوية الاقتصادية. وأصبحت عملية الإنتاج جامدة، وتوزيع الموارد خاضعًا للاعتبارات السياسية، فيما ترافقت حالات النقص مع الهدر.

ومع مرور الوقت، كان الفشل الأعمق نفسيًا: إذ لم يعد المواطنون يؤمنون بأن النظام يعمل لصالحهم. وعندما جاءت محاولات الإصلاح، جاءت متأخرة للغاية، حيث أصبح النظام جامدًا إلى درجة تمنعه من التكيف.

اختلال معكوس

تواجه الولايات المتحدة اليوم تحديًا مختلفًا، لكنه قابل للمقارنة من حيث البنية.

فبينما قام النظام السوفيتي بتهميش "التاجر"، فإن النظام الأمريكي بات—بشكل متزايد—يهمّش "العامل"، أي صاحب الأجر الذي يشكّل أساس الاقتصاد الحقيقي. فمنذ أواخر القرن العشرين، أعادت العولمة، ونقل الإنتاج إلى الخارج، والتمويلية تشكيل الاقتصاد الأمريكي. أصبح رأس المال شديد الحركة، بينما لم يحظَ العمل بالمرونة ذاتها. وانتقل التصنيع إلى الخارج، في حين توسّع القطاع المالي من حيث الحجم والتأثير.

النتيجة لم تكن انهيارًا اقتصاديًا، بل اختلالًا هيكليًا. فالولايات المتحدة لا تزال تولّد ثروات هائلة، غير أن هذه الثروة أصبحت أكثر تركّزًا. كما ضعفت العلاقة بين الإنتاجية والأجور، وبالنسبة لعدد كبير من الأمريكيين، لم يعد النمو الاقتصادي ينعكس في تحسن مستويات المعيشة.

وتُظهر الاحتياطي الفيدرالي هذا التحول بوضوح، حيث يسيطر أعلى 1% من الأسر الآن على نحو ثلث إجمالي الثروة في الولايات المتحدة، وهو مستوى لم يُسجَّل منذ عقود. وفي ظل إدارة ترامب، استمر هذا الاتجاه التصاعدي في عدم المساواة، إذ يمتلك أعلى 1% ما يقارب 31.7% من إجمالي ثروة الأسر—وهو أعلى مستوى مسجل. وفي المقابل، شهدت الأجور حالة من الركود لدى شرائح واسعة من السكان، بينما ظل انعدام الأمن الاقتصادي ظاهرة منتشرة.

لا يقتصر الأمر على كونه اختلالًا اقتصاديًا فحسب، بل هو في جوهره أزمة شرعية. وكما كان الحال في أواخر عهد الاتحاد السوفيتي ، فإن المشكلة لا تتعلق بالجانب المادي فقط، بل تمتد إلى البعد النفسي أيضًا.

تؤكد بيانات استطلاعات الرأي هذا التآكل في الثقة؛ إذ يرى نحو 60% من الأمريكيين أن بلادهم تسير في الاتجاه الخاطئ، في حين أن ما يقارب 61% من الروس—رغم الحرب والعقوبات—يعتقدون أن بلادهم على المسار الصحيح. ويعكس ذلك حقيقة أن شريحة متزايدة من الأمريكيين لم تعد تؤمن بأن النظام يعمل لخدمتهم أو يعكس مصالحهم.

القادة كأعراض لا كأسباب

غالبًا ما تظهر الشخصيات السياسية ليس بوصفها صانعة للتغيير، بل كتجسيد لحالة الضغط البنيوي داخل النظام.

في الاتحاد السوفيتي ، صعد بوريس يلتسين في لحظة كان فيها النظام قد فقد تماسكه بالفعل. لم يكن هو من خلق الأزمة، بل كان تعبيرًا عنها. وقد ساهمت فترة حكمه في تسريع انهيار النظام القديم، لكنها أطلقت أيضًا مرحلة انتقالية اتسمت بالفوضى.

فقد جرت خصخصة أصول الدولة بسرعة كبيرة، وغالبًا بأسعار زهيدة، ما أدى إلى نشوء طبقة أوليغارشية. وبالنسبة لكثير من الروس، لم تكن تسعينيات القرن الماضي مرحلة تحرر بقدر ما كانت مرحلة اضطراب وفقدان للاستقرار.

جاء صعود فلاديمير بوتين ليعكس مرحلة مختلفة؛ إذ أعاد ترسيخ سلطة الدولة، وركّز السلطة، واستعاد قدرًا من الاستقرار. تعافى الاقتصاد الروسي، وانخفضت معدلات البطالة، واستعادت الدولة سيطرتها على القطاعات الاستراتيجية. وبغض النظر عن التداعيات طويلة المدى لهذا النموذج، فإنه نجح في معالجة الأزمة الفورية المتمثلة في انهيار النظام.

أما المسار السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب فيعكس سياقًا مختلفًا، لكنه ينتمي إلى لحظة بنيوية قابلة للمقارنة. فقد جاء دعمه بشكل كبير من فئات تشعر بالتهميش الاقتصادي والثقافي، كما أن خطابه يتحدى أطر التجارة والتحالفات والهياكل الحاكمة التي يرى كثيرون أنها بعيدة عنهم أو غير مستجيبة لمطالبهم.

المقارنة هنا لا تقوم على التطابق، بل على التسلسل. فترامب لا يشبه حالة استقرار نهائية بقدر ما يمثل مرحلة انتقالية، أقرب إلى يلتسين منه إلى بوتين. إنه نموذج للقائد الذي يظهر عندما يبدأ النظام في كسر قواعده الداخلية.

وسادة البترودولار

على مدى عقود، تمتعت الولايات المتحدة بحماية نسبية من التداعيات الكاملة لاختلالاتها الداخلية، بفضل ميزة عالمية فريدة تتمثل في الدور المركزي للدولار. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، جرت تجارة النفط العالمية إلى حد كبير بالدولار الأمريكي، ما خلق طلبًا مستدامًا على الأصول المقومة به.

ولا يزال الدولار حتى اليوم يشكل نحو 60% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، بينما تظل الأسواق المالية الأمريكية الأعمق والأكثر سيولة على مستوى العالم. وقد أتاح هذا النظام للولايات المتحدة تشغيل عجز مالي مزمن مع الحفاظ على تكاليف اقتراض منخفضة نسبيًا، ما وفر لها بمثابة "وسادة مالية" امتصت الضغوط التي كان من الممكن أن تفرض إصلاحات هيكلية في وقت مبكر. غير أن هذه الوسائد—كحال الإمبراطوريات—ليست دائمة.

في السنوات الأخيرة، بدأت ملامح تحول تدريجي في الظهور؛ إذ وسّعت الصين استخدام عملتها (اليوان) في معاملات الطاقة، بينما خفّضت روسيا اعتمادها على الدولار عقب العقوبات، كما بدأت دول أخرى في استكشاف آليات تسوية بديلة. ورغم أن هذه التحولات لا تزال تدريجية، فإنها تشير إلى اتجاه نحو نظام نقدي عالمي أكثر تنوعًا.

الاستجابة الغائبة

في المقابل، وعلى عكس النهج الذي تبناه بوتين ، والذي خفّض ديون بلاده إلى نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي وأعاد الانضباط المالي، لم يطرح الرئيس ترامب خطة جادة لمعالجة الدين الوطني الأمريكي، الذي يقترب الآن من 40 تريليون دولار، مع تزايد مدفوعات الفائدة كنسبة من الإنفاق الفيدرالي.

وبدلًا من التعامل مع هذا العبء، دفع ترامب نحو توسيع الإنفاق الدفاعي، ما يفاقم الضغوط المالية في وقت تتآكل فيه تدريجيًا "وسادة البترودولار". ويؤدي تزايد الدين، وارتفاع الإنفاق العسكري، وغياب الإصلاحات الهيكلية، إلى جعل الاقتصاد الأمريكي أكثر عرضة لصدمة مالية مقارنة بأي وقت منذ أزمة عام 2008.

ويزيد من تعقيد المشهد تصاعد الاستقطاب السياسي، الذي يحد من قدرة النظام على تنسيق سياسات طويلة الأمد، ويجعل الولايات المتحدة أكثر هشاشة في حال تراجع الطلب العالمي على الدولار بوتيرة أسرع من المتوقع.

الدروس البنيوية وإشكالية المرحلة الانتقالية

لا تكمن العبرة من تجربة الاتحاد السوفيتي في أن القوى الكبرى تنهار فجأة، بل في أنها تضعف عندما تفقد أنظمتها التوافق مع أسسها الداخلية. وفي هذا السياق، فإن تشبيه المرحلة الحالية بمرحلة Boris Yeltsin يحمل دلالة مهمة: فالقادة الانتقاليون لا يحلون الأزمات التي يعبرون عنها، بل يمهدون الطريق لما بعدها.

وما يأتي لاحقًا يعتمد على ما إذا كانت المرحلة التالية ستشهد إعادة توازن حقيقية—تتعامل بجدية مع الفجوة بين رأس المال والعمل، وبين النمو وتوزيع عوائده—أم ستؤدي فقط إلى إعادة ترسيخ أكثر صلابة للنظام القائم.

تشير التجربة السوفيتية إلى أن الأنظمة نادرًا ما تصلح نفسها من الداخل إلا عندما تصبح كلفة عدم الإصلاح غير قابلة للتحمل. وحتى الآن، لم تصل الولايات المتحدة إلى هذه النقطة، لكن المسافة التي تفصلها عنها أصبحت أقصر مما كانت عليه في السابق.

إن مواجهة هذا التحدي تتطلب إعادة توازن العلاقة بين رأس المال والعمل، واستعادة نموذج نمو يربط بين الإنتاجية ومستويات الأجور، إضافة إلى وضع مسار مستدام للدين العام—وهي قضايا لم يتعامل معها أي من الطرفين السياسيين بجدية كافية حتى الآن.

في النهاية، لا يكمن السؤال في ما إذا كانت الولايات المتحدة ستواجه لحظة مراجعة حاسمة، بل في ما إذا كانت ستدركها في الوقت المناسب لتحدد شروطها بنفسها.