الإحداثيات البحرية بين العراق والكويت: قراءة استراتيجية في أبعاد التصعيد وحدود الاحتواء الخليجي
يمثّل إيداع العراق خرائطه البحرية لدى الأمم المتحدة لحظة سياسية تتجاوز طابعها الإجرائي، إذ يعكس إعادة تنشيط ملف حدودي ظلّ لسنوات تحت السيطرة الدبلوماسية الهادئة بين العراق والكويت فالقضية لا تتعلّق فقط بخطوط ملاحية أو إحداثيات فنية، بل تمس جوهر العلاقة التي تشكّلت بعد حرب الخليج، وأُعيد بناؤها على أساس قرارات دولية هدفت إلى إغلاق باب النزاع الحدودي نهائيًا.
منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 833 عام 1993، جرى تثبيت الحدود البرية بين البلدين ضمن إطار أممي صارم، بما حمل رسالة واضحة مفادها أن مرحلة إعادة النظر في السيادة الجغرافية قد انتهت. غير أن ترك بعض الملفات البحرية للمعالجة الثنائية فتح هامشًا قانونيًا ظل كامناً، ولم يتحول إلى أزمة إلا حين أعادت بغداد تفعيله عبر خطوة أحادية، ما أعاد إلى السطح مخاوف خليجية قديمة تتعلق بإمكانية تسييس الحدود متى ما تغيّرت الظروف الداخلية في العراق.
استراتيجيًا، تنظر دول الخليج إلى أي تحرك أحادي في ملفات السيادة باعتباره سابقة حساسة في إقليم ارتبط تاريخه الحديث بنزاعات حدودية تحوّلت في بعض الحالات إلى مواجهات عسكرية مباشرة. فحرب الخليج عام 1990 مثلت المثال الأوضح على كيف يمكن للخلافات الحدودية أن تنقلب إلى صراع شامل أعاد تشكيل البيئة الأمنية للمنطقة لعقود. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح تثبيت الحدود واحترام القرارات الأممية جزءًا من العقيدة الأمنية الخليجية.
لهذا جاء التضامن الخليجي سريعًا وشاملًا، ليس فقط دعمًا للكويت، بل باعتباره آلية ردع سياسية-قانونية استباقية، فمجلس التعاون الخليجي، الذي تأسس عام 1981 في سياق تهديدات إقليمية متصاعدة، يعتبر أن أي مساس بحدود دولة عضو يمس المنظومة ككل. وقد ظهر ذلك بوضوح في البيانات المتزامنة الصادرة عن المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر والبحرين وعمان والتي أكدت جميعها على مبدأ احترام السيادة والالتزام بالقانون الدولي.
وتكتسب المسألة بعدًا أعمق بالنسبة للسعودية تحديدًا، لأن المنطقة البحرية محل الجدل تتاخم المنطقة المقسومة السعودية-الكويتية، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة. فالمنطقة المقسومة، التي تبلغ مساحتها نحو 5770 كيلومترًا مربعًا (برًا وبحرًا)، تُدار بشكل مشترك منذ اتفاقية 1922، وتحتوي على حقول نفطية مهمة مثل حقل الوفرة البري وحقل الخفجي البحري. وتصل الطاقة الإنتاجية المشتركة للمنطقة إلى ما يقارب 500 ألف برميل يوميًا عند التشغيل الكامل، ما يجعل أي غموض قانوني حول امتداداتها البحرية مصدر قلق مباشر على استقرار إمدادات الطاقة.
إلى جانب البعد النفطي، يرتبط الملف بأمن الملاحة في شمال الخليج، حيث يمر جزء من حركة السفن المتجهة إلى موانئ العراق والكويت. ويُقدَّر أن نحو 20% من تجارة النفط العالمية تمر عبر الخليج العربي ومضيق هرمز، فيما تعتمد الموانئ العراقية في أم قصر والفاو على استقرار الممرات البحرية في خور عبد الله. أي نزاع قانوني غير محسوم قد ينعكس على كلفة التأمين البحري، وجاذبية الاستثمار في مشاريع البنية التحتية المينائية، بما في ذلك مشروع ميناء الفاو الكبير الذي تسعى بغداد إلى تحويله إلى محور لوجستي إقليمي.
ومن ثم فإن التعامل الخليجي مع المسألة لا ينطلق من منطق سيادي ضيق، بل من رؤية أمن اقتصادي شامل، تعتبر أن استقرار الحدود شرط مسبق للنمو والاستثمار. فاقتصادات الخليج، التي يتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي مجتمعة تريليوني دولار، تعتمد على بيئة إقليمية منخفضة المخاطر لجذب الاستثمارات الأجنبية وتنفيذ مشاريع التحول الاقتصادي الكبرى مثل “رؤية 2030” السعودية.
على الجانب العراقي، لا يمكن فصل التحرك عن السياق السياسي الداخلي، فقد أعاد قرار المحكمة الاتحادية العليا في العراق عام 2023، الذي قضى ببطلان تصديق البرلمان على اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله لأسباب دستورية، فتح النقاش حول آليات المصادقة على المعاهدات الدولية حتى أن هذا القرار أوجد أرضية قانونية لإعادة النظر في بعض الترتيبات البحرية، وأعطى دفعة لخطاب سيادي يطالب بمراجعة ما يُنظر إليه كاتفاقيات أُبرمت في ظروف سياسية استثنائية.
كما أن قضايا السيادة والحدود تحمل وزنًا رمزيًا في الخطاب السياسي العراقي، خاصة في ظل بيئة داخلية تعاني من أزمات اقتصادية وضغوط اجتماعية. فالعراق، الذي يعتمد على النفط بنسبة تزيد عن 90% من إيراداته العامة، يواجه تحديات مالية متكررة، ما يجعل أي ملف يرتبط بالمجالات البحرية والموارد المحتملة ذا حساسية سياسية.
ومع ذلك، فإن لغة بغداد الدبلوماسية التي شددت على الحوار والاحتكام إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 تعكس إدراكًا واضحًا لكلفة التصعيد. فالعراق يسعى في المرحلة الراهنة إلى تعزيز علاقاته الاقتصادية مع الخليج، سواء عبر الربط الكهربائي مع مجلس التعاون، أو من خلال مشاريع استثمارية سعودية وإماراتية في قطاعات الطاقة والزراعة. كما أن استقرار علاقته مع الكويت ضروري لتسهيل حركة التجارة عبر موانئ الخليج.
بناءً على ذلك، يمكن قراءة الخطوة العراقية كاختبار قانوني وسياسي للهوامش المتاحة ضمن الإطار الدولي، وليس كمقدمة لصدام مفتوح. فهي محاولة لإعادة تثبيت رواية سيادية داخلية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على سقف دبلوماسي منخفض يمنع انزلاق الملف إلى أزمة إقليمية واسعة.
جيوسياسيًا، تكتسب القضية بعدًا أكثر تعقيدًا في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة التي تشهدها منطقة الخليج والشرق الأوسط عمومًا. فمرحلة الاستقطاب الحاد التي سادت خلال العقد الماضي بدأت تتراجع تدريجيًا لصالح مسارات تهدئة وإعادة اصطفاف جديدة، كان أبرزها التقارب السعودي–الإيراني، والانفتاح الخليجي المتزايد على العراق اقتصاديًا واستثماريًا. ويعكس هذا التحول إدراكًا إقليميًا بأن الصراعات المفتوحة استنزفت الموارد وأعاقت مشاريع التنمية الكبرى، وأن الاستقرار بات شرطًا أساسيًا لتحقيق التحولات الاقتصادية الطموحة.
في هذا السياق، فإن أي إعادة فتح لملفات حدودية حساسة بين العراق والكويت تحمل خطر إرباك مسارات التهدئة الإقليمية الأوسع، ليس فقط على المستوى السياسي، بل على مستوى الثقة الاقتصادية والاستثمارية. فالعراق بات يُنظر إليه خليجيًا بوصفه حلقة وصل استراتيجية بين الخليج وبلاد الشام وتركيا، ومكوّنًا مهمًا في مشاريع الربط البري والطاقة والتجارة. أي توتر سيادي مع الكويت قد ينعكس سلبًا على هذه الرؤية التكاملية، ويعيد إنتاج مناخ عدم اليقين الذي تحاول دول الخليج تجاوزه.
ومن هنا يُفهم الحرص الخليجي على الاحتواء السريع للخلاف ضمن قنوات دبلوماسية منظمة، بدل السماح له بالتصاعد إلى سجال سياسي مفتوح، فدول مثل السعودية ترى أن استقرار الحدود الشمالية للخليج يشكل جزءًا لا يتجزأ من أمنها الاستراتيجي، لا سيما في ظل تركيزها على مشاريع التحول الاقتصادي العملاقة، التي تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة وخالية من النزاعات السيادية.
ومن منظور استراتيجي أوسع، يعكس هذا النزاع إشكالية متكررة في مرحلة ما بعد الصراعات الكبرى التي أعادت رسم الخرائط بالقوة أو بقرارات دولية ملزمة، فالتاريخ يُظهر أن ترسيم الحدود قانونيًا لا يعني بالضرورة ترسيخها نفسيًا وسياسيًا في وعي النخب الوطنية. ففي حين ترى الكويت ودول الخليج أن ترتيبات ما بعد 1991 أنهت نهائيًا أي جدل سيادي مع العراق، لا تزال بعض التيارات العراقية تنظر إلى تلك المرحلة باعتبارها لحظة اختلال توازن فُرضت خلالها حلول تحت ضغط دولي غير مسبوق.
هذا التباين في الذاكرة السياسية يخلق قابلية دائمة لإعادة فتح الملفات كلما شهد الداخل العراقي تحولات في ميزان القوى أو تصاعدًا في الخطاب السيادي. وهي ظاهرة ليست حكرًا على العراق، بل تتكرر في دول عديدة خرجت من نزاعات خضعت فيها الحدود لإعادة ترسيم دولي، حيث تبقى “الشرعية القانونية” للحدود قائمة، لكن “القبول السياسي الكامل” بها يتأخر أو يبقى محل جدل.
أما على مستوى السيناريوهات، فيظل مسار الاحتواء التفاوضي هو الأكثر ترجيحًا على المدى المنظور، مدفوعًا بجملة من المصالح المتشابكة. فالعراق يحتاج إلى العمق الاقتصادي الخليجي للاستثمار في الطاقة والبنية التحتية وإعادة الإعمار، في حين تحتاج دول الخليج إلى عراق مستقر يشكل سوقًا واعدة وممرًا استراتيجيًا لمشاريع الربط الإقليمي. هذه المصالح المتبادلة تجعل التصعيد خيارًا مكلفًا لجميع الأطراف.
ومن المرجح أن تتجسد التسوية العملية عبر أدوات فنية وقانونية، من بينها تشكيل لجان مشتركة لترسيم الحدود البحرية بدقة أعلى، وإصدار توضيحات رسمية حول الإحداثيات المتداخلة، وإعادة التأكيد على المرجعيات الأممية القائمة، بما يضمن عدم المساس بالترتيبات السابقة مع إدخال معالجات تقنية للخلافات التفصيلية.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الأزمة الحالية بحد ذاتها، بل في ترك الملف دون حسم نهائي طويل الأمد. فالقضايا الحدودية المؤجلة تتحول عادة إلى أوراق ضغط سياسية تُستحضر عند كل أزمة داخلية أو تغير إقليمي، ما يجعلها مصدر توتر دوري حتى لو جرى احتواؤها مرحليًا. وفي الحالة العراقية تحديدًا، حيث تتقاطع السيادة مع التنافس السياسي الداخلي، تبقى احتمالات إعادة طرح الملف قائمة في المستقبل.
وخلاصة المشهد الاستراتيجي تشير إلى أن أزمة الإحداثيات البحرية ليست مسألة تقنية مرتبطة بخطوط ملاحية فقط، بل اختبار أعمق لمرحلة ما بعد النزاعات في الخليج والعراق معًا. إنها اختبار لقدرة الإقليم على تحويل الحدود المرسومة دوليًا إلى حدود مستقرة سياسيًا، وعلى إدارة الخلافات السيادية بمنطق القانون والمصالح المشتركة بدل الانزلاق إلى دوامات توتر مزمنة.
ورغم أن جميع الأطراف تبدو اليوم حريصة على التهدئة، فإن الدرس الأهم يتمثل في أن الملفات المؤجلة — مهما بدت فنية أو هامشية — تظل قابلة للتحول إلى بؤر صراع حين تتلاقى الحسابات القانونية مع الضغوط السياسية الداخلية. ولهذا فإن الحل المستدام لا يكمن فقط في احتواء الأزمة الراهنة، بل في إغلاق هذا الملف الحدودي بشكل نهائي وواضح، بما يحصّن العلاقات الخليجية–العراقية من ارتدادات مستقبلية محتملة.
