من التطبيع إلى بناء منظومة إقليمية: المغرب وإسرائيل ومستقبل اتفاقات أبراهام في شرق أوسط مضطرب

دراسات وأبحاث - د. محمد شتاتو
د. محمد شتاتو
محلل سياسي وأستاذ علوم التربية بجامعة محمد الخامس - الرياض

هل يمكن أن يصبح الاستثناء المغربي نموذجاً إقليمياً؟

قُرئت عملية تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل في ديسمبر/كانون الأول 2020، في البداية، باعتبارها مكوناً آخر من مكونات اتفاقات أبراهام التي رعتها الولايات المتحدة، ومن ثم جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط على أساس صفقات تحركها الحسابات الأمنية، وليس منطقاً حضارياً أعمق. وهذه القراءة ليست خاطئة، لكنها تظل غير كافية؛ لأنها تتعامل مع القرار المغربي باعتباره قابلاً للمقارنة الوظيفية مع قرارات الإمارات أو البحرين أو السودان، في حين أن العلاقة المغربية-الإسرائيلية تحمل أبعاداً تاريخية وثقافية ودينية واقتصادية ودبلوماسية واستراتيجية، بل ومجتمعية متزايدة، تميزها بصورة واضحة عن الصفقات الاستراتيجية البحتة التي ارتبطت تقليدياً بالدبلوماسية العربية-الإسرائيلية.

فالعلاقة لا تستند فقط إلى المصالح الوطنية الراهنة، وإنما تمتد جذورها إلى تاريخ يمتد قروناً من الوجود اليهودي في المغرب، وأنماط التعايش بين اليهود والمسلمين، واستمرار الحضور القوي للهوية اليهودية المغربية داخل المجتمع الإسرائيلي المعاصر. ومن ثم، قد يمثل المغرب واحدة من الدول العربية القليلة جداً التي يمكن فيها تقديم التطبيع، بصورة معقولة، لا باعتباره قطيعة مع الماضي، وإنما باعتباره استعادة جزئية لعلاقة تاريخية أقدم، كانت حقبتا الاستعمار والحروب العربية-الإسرائيلية قد عطّلتاها من دون أن تتمكنا من محوها بالكامل.

ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز العلاقة الثنائية ذاتها: هل يمكن تحويل التجربة المغربية إلى نموذج إقليمي أوسع قادر على توسيع منطق اتفاقات أبراهام ليشمل دولاً أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

والإجابة التي تقترحها هذه الدراسة هي: نعم، ولكن بتحفظ، شريطة ألا يُفهم "التوسع" باعتباره إعادة إنتاج آلية الاتفاق المغربي بصورة حرفية، وإنما باعتباره بناء منظومة إقليمية متمايزة تستند إلى مجموعة من الركائز المتكاملة والمتعاضدة، تشمل: المصالحة التاريخية، والاعتراف بالتعددية الدينية والثقافية، والتشابك الاقتصادي، والتعاون التكنولوجي، والحوار الدبلوماسي، والتنسيق الأمني، والتبادل التعليمي، وقبل كل شيء، وجود مسار ذي مصداقية نحو ضمان الحقوق السياسية للفلسطينيين وإقامة دولتهم.

فمن دون الركيزة الأخيرة، تظل جميع الإنجازات الأخرى عرضة لأن تصبح رهينة لجولة العنف التالية في غزة أو لبنان أو الضفة الغربية.

وتكتسب هذه التفرقة أهميتها لأن اتفاقات أبراهام نشأت في سياق جيوسياسي استثنائي يصعب تكراره. فقد كانت لكل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان مصالح مختلفة، ونظم سياسية مختلفة، وقواعد اجتماعية داخلية مختلفة عندما قامت هذه الدول بالتطبيع عام 2020. ولذلك، لا يمكن فهم الاتفاقات باعتبارها نموذجاً سببياً واحداً ينتج النتائج نفسها في جميع الحالات.

لكن إعلان سبتمبر/أيلول 2020 أسس بالفعل لغة معيارية جديدة تمحورت حول التعايش، والتفاهم المتبادل، والحرية الدينية، والحوار بين الثقافات، والتجارة، والعلوم، والطب، ومواجهة التطرف (البيت الأبيض، 2020).

ويتمثل التحدي الذي يواجه صانعي السياسات اليوم في تحويل هذه اللغة من مجرد خطاب إلى منظومة إقليمية مستدامة قادرة على الصمود أمام الحروب وردود الفعل الشعبية.

وتكتسب الحالة المغربية أهمية خاصة لأنها تصل بين روايات تُعامل في أماكن أخرى باعتبارها متناقضة أو متعارضة.

فالمغرب في الوقت نفسه بلد عربي مسلم، وبلد أمازيغي، وبلد متوسطي، وبلد أفريقي، وبلد يمتلك تراثاً يهودياً متجذراً بعمق في تاريخه. وقد عملت الملكية المغربية على ترسيخ تصور للهوية الوطنية يُنظر فيه إلى اليهودية باعتبارها مكوناً أصيلاً من مكونات الحضارة المغربية، وليس مجرد ذكرى لأقلية غادرت البلاد.

وقد وفر هذا الاعتراف الدستوري بنية ثقافية يمكن أن تُبنى عليها العلاقات مع إسرائيل، حتى قبل أن يجعلها عام 2020 رسمية.

وكما يشير Chtatou (2025)، فقد نشأت الثقافة اليهودية المغربية عبر قرون من التفاعل بين البيئات الأمازيغية والعربية والأندلسية والسفاردية والإسلامية، وهو ما أنتج تركيبة معقدة لا يمكن اختزالها في فئتي "اليهودي" و"المسلم" باعتبارهما هويتين مغلقتين ومنفصلتين بصورة تامة.

ويوسع Chtatou (2026c) هذه الرؤية، واصفاً التراثين اليهودي والأمازيغي بأنهما مكونان متداخلان في تشكيل الحضارة المغربية، وليس مجرد تاريخين متوازيين لأقلية وأخرى يعيشان إلى جانب تيار عربي-إسلامي يُفترض أنه يمثل التيار الحضاري الأكثر أصالة.

وتكتسب الأبعاد التاريخية أهميتها من الناحية التحليلية لأن الاتفاقات الدبلوماسية تكون أكثر قدرة على البقاء عندما تستطيع المجتمعات وضعها ضمن سرديات شرعية قائمة مسبقاً، بدلاً من النظر إليها باعتبارها ترتيبات مفروضة من أعلى.

وقبل عام 2020 بوقت طويل، كان المغرب قد أقام اتصالات غير معلنة لكنها مهمة مع مسؤولين إسرائيليين، بينما احتفظ مئات الآلاف من الإسرائيليين من أصول مغربية بعلاقات عائلية وثقافية وعاطفية مع المغرب عبر ثلاثة أجيال.

ومن ثم، فإن التطبيع لم ينشئ هذه القنوات من العدم، وإنما أعاد فتح قنوات لم تكن قد أُغلقت بالكامل في أي وقت.

ومنذ ذلك الحين، توسعت الشراكة لتشمل مجالات الدبلوماسية والسياحة والتجارة والاستثمار والتعاون الأمني وغيرها.

اتفاقات أبراهام: من التطبيع الدبلوماسي إلى إعادة تشكيل الإقليم

مثّلت اتفاقات أبراهام تحولاً مهماً عن النموذج التقليدي للدبلوماسية العربية-الإسرائيلية. فقد كانت الاتفاقات السابقة، ولا سيما معاهدة مصر عام 1979 ومعاهدة الأردن عام 1994، تتشكل بدرجة كبيرة بفعل الصراعات الثنائية المباشرة، والقضايا الإقليمية، والحضور الحتمي للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. أما اتفاقات أبراهام فجاءت مختلفة من الناحية البنيوية، لأنها جمعت إسرائيل بدول عربية لم تخض حروباً تقليدية ضدها. ومن ثم، كان منطقها أكثر جيوسياسية ووظيفية منه إقليمياً، وموجهاً نحو الفرص المستقبلية بدلاً من تسوية مظلمة تاريخية محددة.

وقد أكدت وثيقة سبتمبر/أيلول 2020 بصورة صريحة مفاهيم «التفاهم المتبادل والتعايش»، والحرية الدينية، والحوار بين الثقافات، والعلوم، والطب، والتجارة، ومواجهة التطرف (البيت الأبيض، 2020). وكان اختيار إبراهيم بوصفه رمزاً مرجعياً مقصوداً؛ إذ سعت الوثيقة إلى تقديم لغة حضارية تربط بين اليهودية والمسيحية والإسلام، بدلاً من تقديم المنطقة حصراً من خلال الصراع الإقليمي، وهي خطوة ابتكارية حقيقية لا تزال ترجمتها العملية إلى سياسات غير مكتملة.

ومع ذلك، كانت الاتفاقات ذات طبيعة صفْقية في جوانب مهمة منها. فقد سعت الإمارات والبحرين إلى تعميق علاقاتهما الأمنية والتكنولوجية مع إسرائيل والولايات المتحدة. أما تطبيع المغرب فارتبط صراحة باعتراف الولايات المتحدة بسيادته على الصحراء الغربية. بينما ارتبط اتفاق السودان بإخراجه من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب.

وهكذا أثبتت اتفاقات أبراهام مبدأً مستداماً: يصبح التطبيع قابلاً للتحقق سياسياً عندما تدرك الحكومات وجود فوائد ملموسة وقابلة للحساب، بدلاً من الاكتفاء بمناشدات مجردة للسلام.

ولا ينبغي النظر إلى ذلك باعتباره دبلوماسية ساخرة أو انتهازية، لأن العلاقات الدولية نادراً ما تقوم على المثالية وحدها. والسؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت البدايات القائمة على الصفقات يمكن أن تنتج علاقات مؤسسية تمتلك أسساً اجتماعية واقتصادية مستقلة.

وتقدم تجربة الإمارات مثالاً واضحاً على ذلك. فقد توسعت العلاقة الإماراتية-الإسرائيلية بدرجة كبيرة إلى ما هو أبعد من مبرراتها الأمنية الأولية، لتشمل التجارة والاستثمار والسياحة والابتكار والخدمات اللوجستية والطاقة والخدمات، حيث بلغت التجارة الثنائية نحو 3.2 مليار دولار عام 2025 في ظل اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة (وزارة الخارجية الإماراتية، 2026).

وتوضح هذه التطورات مبدأً حاكماً: يصبح التطبيع أكثر قدرة على الصمود عندما تصبح تكلفة التراجع عنه أكبر من تكلفة استمراره.

لكن الاعتماد المتبادل وحده لا يضمن الاستدامة السياسية. فقد كشفت حرب غزة حدود التطبيع الذي تقوده النخب السياسية. وأظهرت أبحاث «الباروميتر العربي» أن التطبيع أصبح أكثر صعوبة بصورة كبيرة في أنحاء المنطقة بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023 (Arab Barometer, 2025).

وهذا لا يعني أن الاتفاقات القائمة ستنهار، لأن الشركات والنخب تمتلك حوافز قوية للحفاظ على ترتيبات أصبحت جزءاً من التدفقات التجارية. لكنه يعني أن على الحكومات التمييز بين «التطبيع البارد»، الذي يمكن أن يستمر من خلال مؤسسات الدولة رغم الرفض الشعبي، و**«التطبيع الدافئ»**، الذي يحتاج إلى شرعية شعبية حقيقية ولا يمكن فرضه من أعلى.

ومستقبل اتفاقات أبراهام يعتمد على تضييق هذه الفجوة، وهو مشروع يمتد لجيل كامل وليس مجرد حدث دبلوماسي عابر.

المغرب: لماذا تختلف العلاقة المغربية-الإسرائيلية؟

يحتل المغرب موقعاً متميزاً لأن علاقته باليهودية تسبق النظام الدولي الحديث بقرون. فقد شاركت الجماعات اليهودية في الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية المغربية في ظل سلالات حاكمة متعاقبة. وعلى الرغم من التراجع الحاد في أعداد اليهود خلال القرن العشرين نتيجة الهجرة بعد عام 1948، فإن العلاقة التاريخية استمرت في الذاكرة والروابط العائلية والممارسات المؤسسية، حتى بعد الهجرة الديموغرافية الكبرى.

وكما يؤكد Chtatou (2025)، فإن الثقافة اليهودية المغربية تمثل نتاجاً لتفاعل بين التأثيرات الأمازيغية والعربية والأندلسية والسفاردية والإسلامية، وليست عنصراً مستورداً قائماً بذاته.

وقد طورت الجماعات اليهودية تقاليد متميزة في الموسيقى واللغة والمطبخ والطقوس والتجارة والعمارة، في الوقت الذي شاركت فيه في النسيج الأوسع للمجتمع المغربي.

وتتتبع أعمال Chtatou السابقة حول التفاعل بين السكان الأمازيغ واليهود الكيفية التي نشأت بها هذه الطبقة الثقافية عبر قرون من التقارب في جبال الأطلس وسوس والواحات الواقعة جنوب الصحراء، بما أوجد ممارسات هجينة يصعب معها الفصل بصورة واضحة بين الميراثين «اليهودي» و«البربري» (Chtatou, 2019).

ولم يكن هذا التعايش مثالياً أو سلمياً بصورة دائمة؛ فقد تضمن تمييزاً مرتبطاً بوضع أهل الذمة وتوترات سياسية متكررة، لكنه أنتج أيضاً أشكالاً مستدامة ومتجددة من التعايش رسخت نفسها في الذاكرة التاريخية المغربية.

ويكتسب مفهوم Convivencia، أي التعايش، أهمية هنا إذا استُخدم بصورة نقدية لا رومانسية؛ فهو لا يشير إلى جنة مثالية، وإنما إلى الآليات المؤسسية والاجتماعية التي تمكنت من خلالها جماعات مختلفة من العيش في فضاء مشترك مع احتفاظها بهوياتها الدينية المنفصلة.

وتوثق دراسة Chtatou عن مدينة صفرو مجتمعاً كانت بنيته الحضرية تقوم، على مدى أجيال، على نوع من التكامل الديني بين الإسلام واليهودية، مع وجود احتفالات مشتركة وأولياء مشتركين وشبكات اقتصادية متداخلة (Chtatou, 2020).

كما توثق أبحاثه حول تزنيت نمطاً أطول زمنياً من التعايش بين الأمازيغ واليهود في جنوب الصحراء، استند إلى شبكات التجارة العابرة للصحراء (Chtatou, 2023b).

وتظهر أبحاثه الأوسع حول التعايش اليهودي-الإسلامي أن العلاقة لم تقتصر على التسامح اللاهوتي المجرد؛ فقد تقاسم اليهود والمسلمون الأسواق والأحياء، وفي بعض الحالات تقاليد دينية متداخلة تتمحور حول أولياء مشتركين (Chtatou, 2022b). كما تبرز أبحاثه حول المعتقدات المشتركة التقارب الذي نشأ من خلال الروايات التوحيدية المشتركة وسلاسل النسب النبوية المتداخلة (Chtatou, 2022a).

أما دراساته حول العصر الذهبي لليهودية في الأندلس، فتضع الحياة اليهودية المغربية ضمن عالم فكري أوسع امتد عبر شبه الجزيرة الإيبيرية والمغرب، واستمرت أصداؤه في المغرب طويلاً بعد سقوط غرناطة (Chtatou, 2021b, 2021c).

وقد بدأت الدولة المغربية بصورة متزايدة في دمج هذا التراث التعددي ضمن الهوية الوطنية.

وفي عهد الملك محمد السادس، حظي التراث اليهودي باعتراف مؤسسي من خلال ترميم المعابد والمقابر اليهودية، وإنشاء مشروعات المتاحف، واعتماد خطاب رسمي يعترف بالمكون اليهودي للهوية المغربية.

وقد كرّس دستور المغرب لعام 2011 هذا التوجه بصورة رسمية، عندما اعترف بالمكونات المتنوعة للبلاد، ومن بينها صراحة المكوّن العبري للهوية الوطنية.

وتوثق دراسة Chtatou (2022c) حالة اليهود الأمازيغ تحديداً، الذين تكشف هويتهم المزدوجة كأقلية عن الطريقة التي تشكلت بها الهوية المغربية من خلال انتماءات متراكبة، وليس انتماءات متعارضة أو حصرية.

ويخلق هذا النهج تمييزاً مهماً بين التطبيع المغربي وبين التحالف الجيوسياسي البحت. فإسرائيل لا تُقدَّم للمجتمع المغربي ببساطة باعتبارها دولة خارجية اكتشف المغرب معها مصالح مشتركة؛ وإنما ترتبط بجالية كبيرة تمتلك ذكريات وتاريخاً عائلياً يشكلان جسراً عابراً للحدود يعمل بصورة مستقلة عن سياسات الحكومات.

ومن ثم، فإن العلاقة المغربية-الإسرائيلية تمتلك بعداً ثقافياً يتجاوز الدبلوماسية التقليدية، ولا يزال المسؤولون الإسرائيليون من أصول مغربية يستحضرون هذا التراث باعتباره صلة حية.

ولهذا ينبغي فهم العلاقة الجيوستراتيجية من خلال التفاعل بين الذاكرة التاريخية والمصلحة المعاصرة (Chtatou, 2023a)، وهي بنية متعددة المستويات يؤكدها كذلك Maghraoui (2025): فالتطبيع ليس حدثاً واحداً، وإنما عملية مستمرة من بناء المؤسسات، تتعمق خلالها العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية أو تتعثر.

من «التعايش» إلى الشراكة الاستراتيجية

تكمن أهم دروس التجربة المغربية في أن التاريخ يمكن أن يتحول إلى رأس مال دبلوماسي، وهي فكرة تقلل النظريات الواقعية التقليدية في العلاقات الدولية من أهميتها.

فقد أصبح التراث اليهودي المغربي مورداً دبلوماسياً حقيقياً، لأنه يوفر لغة يمكن من خلالها إضفاء الشرعية على العلاقات مع إسرائيل داخلياً ودولياً، بطريقة لا تستطيع الشراكات القائمة على الاعتبارات الأمنية وحدها أن تحققها.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في منطقة كثيراً ما تقسم فيها السرديات السياسية السكان إلى هويات متعارضة، بحيث تبدو التضامن مع جماعة معينة وكأنه يستوجب العداء لجماعة أخرى.

لكن النموذج المغربي يقترح بديلاً: يمكن للهوية الوطنية أن تكون متراكبة وتراكمية، بدلاً من أن تكون حصرية وقائمة على منطق الصفر.

فالمغرب لا يتوقف عن كونه مملكة عربية-إسلامية ذات أغلبية مسلمة عندما يعترف بتراثه اليهودي باعتباره مكوناً أصيلاً لهويته. كما أن الاعتراف باليهودية لا يتطلب التخلي عن التضامن مع الفلسطينيين، والتعاون مع إسرائيل لا يعني الموافقة على كل سياسة إسرائيلية.

ويبرهن المغرب على إمكانية أن تحافظ دولة ما على دعم واضح ومؤسسي للحقوق الفلسطينية، في الوقت الذي تحافظ فيه على علاقات دبلوماسية واقتصادية وأمنية مع إسرائيل.

فالملك المغربي يرأس لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، ويدافع عن الطابع الإسلامي للقدس، في الوقت الذي تحافظ فيه المملكة على علاقات نشطة مع إسرائيل في قطاعات متعددة.

وهذا التناقض الظاهري يمكن فهمه بصورة أفضل باعتباره انخراطاً استراتيجياً مزدوجاً: الحفاظ على قنوات مفتوحة مع إسرائيل، بالتوازي مع التمسك الواضح بالطموحات الفلسطينية، انطلاقاً من فكرة أن التأثير يتطلب الحضور لا الغياب.

ولأن هذا النموذج يرفض المنطق الثنائي الذي يهيمن على جزء كبير من الخطاب الإقليمي، فإنه قد يصبح نموذجاً مهماً بصورة متزايدة مع بحث دول عربية أخرى عن لغة تستطيع من خلالها تبرير التطبيع أمام جماهير متشككة.

المنطق الاقتصادي: من التجارة الثنائية إلى الاعتماد الإقليمي المتبادل

يوفر البعد الاقتصادي ربما أقوى حجة بنيوية لتوسيع الاتفاقات، لأن الاعتماد المتبادل ينشئ جماعات مصالح مادية لديها مصلحة في الحفاظ على التعاون رغم الاضطرابات السياسية الدورية.

ويعاني الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من حالة مستمرة من التجزئة الهيكلية؛ فالتجارة البينية الإقليمية لا تزال منخفضة مقارنة بمناطق العالم الأخرى، بينما تتجه سلاسل الإمداد نحو أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية بدلاً من دول الجوار.

كما أن ندرة المياه، وأمن الطاقة، والاعتماد على الغذاء، وبطالة الشباب، وعدم المساواة التكنولوجية، تخلق مواطن ضعف مشتركة لا تستطيع دولة واحدة معالجتها بمفردها.

وتمتلك إسرائيل قدرات متقدمة في إدارة المياه، والتكنولوجيا الزراعية، والأمن السيبراني، والطب، والتكنولوجيا الحيوية، والذكاء الاصطناعي.

أما دول الخليج فتملك رأس المال والبنية التحتية وشبكات الخدمات اللوجستية ومؤسسات الثروة السيادية القادرة على تمويل مشروعات إقليمية واسعة النطاق.

ويمتلك المغرب إمكانات زراعية، وخططاً طموحة للطاقة المتجددة، واتصالاً أطلسياً ومتوسطياً، وصناعات آخذة في التوسع في قطاعات السيارات والطيران، إضافة إلى موقع استراتيجي يربط أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.

ولا تزال هذه التكاملية مستغلة بصورة جزئية فقط من خلال مجموعة من الاتفاقات الثنائية، بدلاً من وجود إطار إقليمي متكامل.

وتوضح العلاقة الإماراتية-الإسرائيلية ما يمكن أن يحدث عندما يتم ربط القدرات المتكاملة من خلال تصميم مؤسسي متعمد.

وينبغي أن يكون الهدف الانتقال من الاتفاقات الثنائية إلى سلاسل قيمة إقليمية حقيقية: الإنتاج الزراعي المغربي مرتبطاً بتكنولوجيات المياه الإسرائيلية، ورأس المال الإماراتي، والخدمات اللوجستية السعودية، والأسواق الأوروبية؛ ومشروعات الطاقة المتجددة التي تربط إمكانات الطاقة الشمسية في شمال أفريقيا بالطلب الأوروبي عبر خطوط الربط وممرات الهيدروجين الأخضر؛ والبنية التحتية الرقمية التي تربط الابتكار الإسرائيلي برأس المال الخليجي والقدرات الهندسية المغربية؛ والسياحة التي تُنظم على أساس مسارات متعددة الدول بدلاً من كونها ظاهرة ثنائية منفصلة.

والمنطق الأساسي معروف جيداً: الدول التي تتاجر وتستثمر وتسافر وتُرسل طلابها للتعلم لدى بعضها بعضاً وتبني بنية تحتية مشتركة، تطور حوافز مستدامة للحفاظ على الاستقرار، لأن تكلفة القطيعة ترتفع كلما تعمقت العلاقة.

وتشير أبحاث تجريبية حديثة حول الاتفاقات العربية-الإسرائيلية السابقة إلى أن التطبيع يحقق عوائد مهمة عبر الاستثمار والتجارة والمصداقية المؤسسية والتدفقات المالية (Kovác & Spruk, 2025).

وعلى الرغم من أن تجربتي مصر والأردن لا يمكن استنساخهما بالكامل، فإن الأدلة تدعم الفكرة الأوسع القائلة إن السلام والتكامل الاقتصادي يعزز كل منهما الآخر.

وتستحق السياحة اهتماماً خاصاً؛ إذ يرى Salman (2024) أنها لعبت دوراً إيجابياً حقيقياً في تنفيذ التطبيع بين إسرائيل والمغرب والبحرين والإمارات، من خلال خلق لقاءات مباشرة بين المواطنين، وليس الدبلوماسيين فقط، وتحويل قرار السياسة الخارجية المجرد إلى تجربة معيشة.

ولكي تتمكن اتفاقات أبراهام من الصمود سياسياً، يجب أن يتوسع هذا البعد الاجتماعي إلى ما يتجاوز نطاقه الحالي الذي لا يزال موجهاً بدرجة كبيرة إلى النخب.

بنية التمويل الإقليمية

ثمة نقطة هيكلية أخرى تتعلق ببنية التمويل.

فمؤسسات التنمية متعددة الأطراف القائمة في المنطقة، سواء صناديق الثروة السيادية الخليجية أو البنك الإسلامي للتنمية أو وكالات التنمية الأميركية والأوروبية الثنائية، تعمل حالياً إلى حد كبير بصورة متوازية، بدلاً من العمل المشترك.

وهي تمول مشروعات متداخلة وأحياناً متكررة، بدلاً من المشاركة في تمويل حزمة إقليمية متكاملة من المشروعات.

ومن شأن إنشاء أداة استثمارية مخصصة لاتفاقات أبراهام، تمول بصورة مشتركة من صناديق الثروة السيادية الخليجية، والمستثمرين المؤسسيين الإسرائيليين، وبنوك التنمية المغربية والمصرية، وشركاء أوروبيين وأمريكيين مهتمين، أن يركز رأس المال على المشروعات العابرة للحدود، وربط شبكات الطاقة، وخطوط أنابيب المياه، والممرات الرقمية، وسلاسل الإمداد الزراعية.

وهي مشروعات تعجز بنوك التنمية الوطنية المنفردة، بحكم طبيعتها المؤسسية، عن تمويلها بمفردها، لأن عوائدها ومخاطرها موزعة عبر حدود لا تملك مؤسسة وطنية واحدة تفويضاً لإدارتها.

المراجع

  • Albera, D. (2009). Religions traversées: Lieux saints partagés entre chrétiens, musulmans et juifs en Méditerranée. Actes Sud/MMSH.
  • Arab Barometer. (2025, January 9). MENA publics and the future of normalization with Israel. Arab Barometer. https://www.arabbarometer.org/2025/01/14619/
  • Arab Barometer. (2025, June 23). Foreign Affairs: Arab public opinion constrains normalization with Israel. Arab Barometer. https://www.arabbarometer.org/media-news/press-release-foreign-affairs-article-how-arab-public-opinion-constrains-normalization-with-israel/
  • Ben-Ami, I. (1998). Saint veneration among the Jews in Morocco. Wayne State University Press.
  • Bilu, Y. (2005). Reconfigurer le sacré: Le culte des saints juifs marocains en Israël. Archives Juives, 38(2), 103–123.
  • Boum, A. (2013). Memories of absence: How Muslims remember Jews in Morocco. Stanford University Press.
  • Chtatou, M. (2019, October 7). Morocco: Encounter of Amazigh and Jews and their germination of cultural substratum. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/07102019-morocco-encounter-of-amazigh-and-jews-and-their-germination-of-cultural-substratum-analysis/
  • Chtatou, M. (2020, March 28). Sefrou: Moroccan city of religious symbiosis between Islam and Judaism. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/28032020-sefrou-moroccan-city-of-religious-symbiosis-between-islam-and-judaism-analysis/
  • Chtatou, M. (2021a, August 24). Reconsidering the Israeli-Palestinian conflict. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/24082021-reconsidering-the-israeli-palestinian-conflict-analysis/
  • Chtatou, M. (2021b, November 23). The golden age of Judaism in Al-Andalus (Part I). Eurasia Review.
  • Chtatou, M. (2021c, November 24). The golden age of Judaism in Al-Andalus (Part II). Eurasia Review.
  • Chtatou, M. (2022a, July 5). The shared beliefs of Muslims and Jews in Morocco. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/05072022-the-shared-beliefs-of-muslims-and-jews-in-morocco-analysis/
  • Chtatou, M. (2022b, December 29). Jewish-Muslim conviviality in Morocco. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/29122022-jewish-muslim-conviviality-in-morocco-analysis/
  • Chtatou, M. (2022c, June 16). Amazigh Jews, who are they? Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/16062022-amazigh-jews-who-are-they-analysis/
  • Chtatou, M. (2022d, September 1). Jewish music and singing in Morocco. Eurasia Review. https://www.eurasiareview.com/01092022-jewish-music-and-singing-in-morocco-analysis/
  • Chtatou, M. (2023a). The Moroccan-Israeli geostrategic relationship: From a harmonious past to a promising future. Orbis, 67(2), 228–246. https://doi.org/10.1016/j.orbis.2023.03.006
  • <