إثيوبيا تعود إلى الحرب: حين تتحول الأزمة الداخلية إلى صراع إقليمي

تحليلات - Foresight

لم يكن اتفاق بريتوريا الذي أنهى حرب تيغراي في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 سوى هدنة هشة أكثر منه تسوية نهائية لأزمة الدولة الإثيوبية. وبعد أقل من أربع سنوات، عادت المواجهات المسلحة إلى شمال البلاد، هذه المرة في بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا، تتقاطع فيها الحرب الإثيوبية مع الصراع السوداني، والخلاف حول مياه النيل، والتنافس على البحر الأحمر، وتزايد أدوار القوى الخليجية.

والأهم أن المشهد الجديد لا يشبه تمامًا حرب 2020–2022. فقد ظهرت إلى جانب جبهة تحرير شعب تيغراي قوى مسلحة من أقاليم وبيئات إثنية مختلفة، بينها قوات فانو الأمهرية وجيش تحرير أورومو، ضمن تحالف جديد يعلن هدفه إسقاط حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية. ويضم التحالف جماعات كانت في مراحل سابقة على طرفي الحرب، وهو ما يمنح التطور الجديد دلالة تتجاوز حدود تيغراي.

لكن اتساع رقعة المعارضة لا يعني بالضرورة قيام جبهة موحدة ذات مشروع سياسي متجانس. فالجماعات المنضوية تحت التحالف الجديد تختلف في أهدافها المحلية، ومرجعياتها الإثنية، وتصوراتها لشكل الدولة الإثيوبية. ولذلك فإن التحدي الذي يواجه حكومة أبي أحمد لا يكمن فقط في قدرة هذه القوى على التنسيق عسكريًا، بل في قدرتها على تحويل تقاطعها المؤقت ضد الحكومة المركزية إلى مشروع سياسي قابل للاستمرار.

من سلام بريتوريا إلى عودة الحرب

اندلعت حرب تيغراي في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 بعد سنوات من التوتر بين الحكومة الفيدرالية بقيادة أبي أحمد والقيادة السياسية في الإقليم. وكانت الحرب، التي شاركت فيها إريتريا وقوات من إقليم أمهرة إلى جانب الحكومة، واحدة من أكثر الصراعات دموية في تاريخ إثيوبيا الحديث.

وقد أنهى اتفاق بريتوريا الحرب رسميًا، لكنه ترك خلفه مجموعة من القضايا غير المحسومة، من بينها ترتيبات السلطة في تيغراي، ومسألة الأراضي المتنازع عليها، ومستقبل القوات المسلحة الإقليمية، والعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والنخب الإثنية المختلفة.

ومع تجدد القتال في سبتمبر/أيلول 2026، يبدو أن بعض هذه القضايا المؤجلة قد عادت إلى السطح في ظروف أكثر تعقيدًا. فقد امتد القتال إلى مناطق في أمهرة وعفار، وسيطرت قوات تيغراي وحلفاؤها على مواقع استراتيجية، فيما تبادلت الحكومة والجبهة الاتهامات بشأن الطرف الذي بدأ التصعيد. وتشير تقارير حديثة إلى سقوط ضحايا ونزوح مدنيين وتعطل الاتصالات والخدمات في مناطق القتال.

وبذلك لا تبدو المشكلة مجرد «عودة حرب تيغراي»، وإنما أزمة أوسع في صيغة الدولة الإثيوبية نفسها: كيف يمكن الجمع بين مركز اتحادي قوي وبين نظام سياسي قائم على الاعتراف بالتنوع الإثني والإقليمي، من دون أن يتحول الصراع على السلطة إلى صراع على وجود الجماعات ومناطق نفوذها؟

التحالف الجديد: قوة عسكرية أم تقاطع مصالح؟

يمثل تشكيل «تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء» أحد أهم التحولات في المشهد الحالي. فضم جبهة تحرير شعب تيغراي وقوات فانو وجيش تحرير أورومو إلى إطار واحد يعني أن خصوم الحكومة باتوا يحاولون تجاوز حدود الصراعات الإقليمية المنفصلة نحو بناء جبهة وطنية مضادة للحكومة المركزية.

غير أن هذه الصيغة تحمل في الوقت نفسه تناقضًا داخليًا. فبعض هذه القوى خاضت الحرب السابقة إلى جانب الحكومة، بينما قاتلتها قوى أخرى. كما أن الخلافات حول الأرض والهوية وترتيبات السلطة لم تختفِ بمجرد الاتفاق على مواجهة أبي أحمد.

ومن ثم، فإن قوة التحالف لا يمكن قياسها فقط بعدد الجماعات التي أعلنت الانضمام إليه، بل بقدرته على تنسيق العمليات، وتأمين خطوط الإمداد، والحفاظ على تماسكه السياسي، والأهم تحديد ما سيحدث بعد إسقاط الحكومة – إذا تمكن من ذلك. وهذه نقطة حاسمة لأن التاريخ الإثيوبي الحديث يُظهر أن إسقاط تحالف سياسي لا يعني بالضرورة القدرة على بناء تسوية مستقرة تحل محله.

لماذا تدخل مصر والسودان في الحسابات الإثيوبية؟

هنا تنتقل الأزمة من المستوى الداخلي إلى المستوى الإقليمي.

اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، مصر والسودان بدعم التحالف المسلح الجديد، واتهم إريتريا بالعمل كحلقة وصل بين قوى خارجية والجماعات المناوئة للحكومة. لكن الاتهامات المصرية والسودانية قوبلت بالنفي، ولم تُعرض علنًا أدلة مستقلة تثبت وجود دعم مصري أو سوداني للتحالف.

وتكتسب الإشارة إلى مصر أهمية خاصة بسبب ملف سد النهضة. فالقاهرة تنظر إلى السد باعتباره قضية مرتبطة بأمنها المائي، بينما تعتبره أديس أبابا مشروعًا استراتيجيًا للتنمية وإنتاج الطاقة. وعلى مدى سنوات، ظل الخلاف حول قواعد الملء والتشغيل وآليات التعامل مع فترات الجفاف أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات المصرية الإثيوبية.

لكن تحويل هذا الخلاف إلى تفسير مباشر للاتهامات الحالية يحتاج إلى قدر من الحذر. فوجود صراع استراتيجي بين القاهرة وأديس أبابا لا يثبت، في حد ذاته، أن مصر تدعم التحالف المسلح الجديد. كما أن وجود علاقات تاريخية بين مصر وبعض القوى الإثيوبية المعارضة في فترات مختلفة لا يمثل دليلًا على وجود سياسة مصرية حالية لدعم إسقاط حكومة أبي أحمد.

أما السودان، فالحسابات أكثر تعقيدًا بسبب الحرب المستمرة داخله. فالحدود السودانية الإثيوبية الطويلة، والنزاع حول الفشقة، والعلاقات التاريخية بين قوى تيغراي وأطراف سودانية، كلها عوامل تجعل الحدود منطقة شديدة الحساسية.

وفي الوقت نفسه، تتبادل الخرطوم وأديس أبابا اتهامات مرتبطة بالحرب السودانية. إذ تتهم الخرطوم إثيوبيا بالسماح لقوات الدعم السريع باستخدام أراضيها، بينما تتهم أديس أبابا السودان بالسماح لقوى إثيوبية معارضة بالتحرك من أراضيه. وتأتي هذه الاتهامات في سياق إقليمي باتت فيه الحدود والمنشآت العسكرية وخطوط الإمداد جزءًا من الحرب بالوكالة بين أطراف سودانية وإقليمية مختلفة.

وهكذا، فإن الاتهامات الإثيوبية لمصر والسودان يمكن قراءتها على مستويين: أولًا، بوصفها اتهامات مباشرة تتطلب أدلة للتحقق منها؛ وثانيًا، بوصفها انعكاسًا لمخاوف استراتيجية حقيقية لدى أديس أبابا بشأن البيئة الإقليمية المحيطة بها.

إريتريا: الحلقة الأكثر حساسية

إذا كانت مصر والسودان دولتين متهمتين من جانب أديس أبابا، فإن إريتريا تمثل حالة مختلفة وأكثر مباشرة.

فالعلاقة بين أبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي انتقلت خلال سنوات قليلة من المصالحة التاريخية إلى التوتر. وكان التقارب بين البلدين عام 2018 أحد أبرز إنجازات السياسة الخارجية لأبي أحمد، قبل أن تؤدي حرب تيغراي إلى إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية.

وتزداد حساسية العلاقة مع إريتريا بسبب قضية الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر. فإثيوبيا، الدولة الحبيسة، تسعى إلى تأمين منفذ بحري أكثر استقرارًا، بينما تنظر إريتريا بحذر شديد إلى أي ترتيبات يمكن أن تمنح أديس أبابا نفوذًا عسكريًا أو اقتصاديًا دائمًا على الساحل الإريتري.

وقد أصبحت هذه المسألة جزءًا من التنافس الإقليمي الأوسع حول البحر الأحمر، الذي لم يعد مجرد ممر تجاري، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح دول القرن الأفريقي والدول الخليجية والقوى الدولية.

الإمارات في الجانب الآخر من المعادلة

في المقابل، تبدو الإمارات في موقع مختلف تمامًا عن مصر والسودان داخل الحسابات الإثيوبية. فقد تطورت العلاقات الإماراتية الإثيوبية بصورة كبيرة منذ وصول أبي أحمد إلى السلطة عام 2018، وشملت الاستثمار والتجارة والتعاون السياسي والأمني والعسكري.

وكان الدعم الإماراتي للحكومة الإثيوبية خلال حرب تيغراي موثقًا في دراسات متخصصة؛ إذ يشير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى نحو 120 جسرًا جويًا بطائرات شحن إماراتية إلى إثيوبيا في عام 2021، إضافة إلى أسلحة وتدريب، كما وثّق وصول مركبات مدرعة إماراتية الصنع إلى إثيوبيا.

وتشير تحليلات أخرى إلى استمرار تدفقات عسكرية مرتبطة بالإمارات إلى إثيوبيا منذ أواخر 2025، مع رصد رحلات شحن يُعتقد أنها مرتبطة بشبكات نقل عسكرية إماراتية. لكن طبيعة هذه الشحنات ووجهاتها النهائية لا يمكن تأكيدها دائمًا بسبب انقطاع أجهزة التتبع، ولذلك ينبغي التمييز بين ما هو موثق وما هو استنتاج مبني على بيانات مفتوحة المصدر.

هذه العلاقة تجعل الإمارات عنصرًا مهمًا في فهم التوازنات الجديدة في القرن الأفريقي. فالإمارات لا تتعامل مع إثيوبيا باعتبارها دولة داخلية بعيدة عن البحر الأحمر، وإنما باعتبارها جزءًا من منظومة جيوسياسية تمتد من الموانئ والممرات البحرية إلى الاستثمارات الزراعية والطاقة والأمن.

ومن هنا، فإن التنافس في إثيوبيا لا يمكن فصله تمامًا عن التنافس الأوسع على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

السودان: الحرب التي تعيد رسم المنطقة

ربما تكمن أخطر عناصر الأزمة الحالية في أن إثيوبيا لا تواجه أزمة داخلية في فراغ إقليمي. فالسودان المجاور يخوض حربًا مستمرة، والصراع هناك أصبح بدوره ساحة لتنافس إقليمي ودولي معقد.

وتشير تحليلات حديثة إلى أن الأراضي الإثيوبية أصبحت جزءًا من شبكات الدعم والتحرك المرتبطة بالحرب السودانية، فيما تتبادل القوات المسلحة السودانية والحكومة الإثيوبية الاتهامات بشأن الدعم العسكري للطرف الآخر. كما أشارت تقارير وتحليلات مفتوحة المصدر إلى وجود خطوط إمداد وشحن مرتبطة بالحرب السودانية تمر عبر الأراضي الإثيوبية.

وإذا استمرت الحرب الإثيوبية في الاتساع بالتزامن مع استمرار الحرب السودانية، فإن الحدود بين البلدين قد تتحول من منطقة عازلة إلى جبهة تفاعل بين صراعين مسلحين.

وهذا هو السيناريو الذي يجعل الأزمة الإثيوبية أكثر خطورة من مجرد نزاع داخلي: فكلما زادت حاجة الأطراف المحلية إلى الدعم الخارجي، زادت قدرة القوى الإقليمية على التأثير في مسار الحرب، وكلما توسع التدخل الخارجي، أصبح التوصل إلى تسوية داخلية أكثر تعقيدًا.

من الصراع الإثني إلى صراع على النظام الإقليمي

المفارقة الأساسية في المشهد الحالي أن الصراع الإثيوبي يبدو داخليًا في أسبابه المباشرة، لكنه إقليمي في نتائجه المحتملة.

فتيغراي ليست مجرد إقليم إثيوبي؛ فهي تقع عند تقاطع ثلاث دول ومجموعة من الملفات الاستراتيجية. وأمهرة وأوروميا ليستا مجرد ساحات صراع محلية؛ بل تمثلان جزءًا من معادلة القوة الداخلية التي تحدد مستقبل الدولة الإثيوبية. أما الحدود مع السودان وإريتريا، فتربط هذه الصراعات مباشرة بأزمات إقليمية أوسع.

لهذا السبب، فإن السؤال الأهم ليس فقط: من بدأ القتال؟ وإنما: هل ما زالت إثيوبيا قادرة على احتواء صراعاتها داخل إطار الدولة، أم أن الصراع الداخلي بدأ يتحول إلى منصة لتنافس إقليمي متعدد الأطراف؟

حتى الآن، لا توجد أدلة علنية كافية لإثبات كل الاتهامات المتبادلة بشأن الدعم الخارجي. لكن المؤكد أن البنية الجيوسياسية المحيطة بإثيوبيا تجعل مثل هذا الدعم – إذا ثبت – ذا تأثير يتجاوز حدود البلاد.

وفي هذه البيئة، يصبح اتفاق بريتوريا أكثر من مجرد اتفاق سلام سابق. فهو اختبار لقدرة الدولة الإثيوبية على تحويل وقف إطلاق النار إلى تسوية سياسية، ولقدرة القوى الإقليمية على منع النزاع من التحول إلى صراع بالوكالة.

فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في عودة الحرب إلى تيغراي، وإنما في أن تتحول تيغراي إلى نقطة التقاء لأزمات متزامنة: التنافس الإثيوبي الإريتري، والحرب السودانية، والخلاف حول النيل، والتنافس على البحر الأحمر، والتدخلات الخليجية والدولية.

وعند هذه النقطة، لن تكون المسألة مجرد حرب إثيوبية جديدة، بل أزمة إقليمية تمتد حدودها من النيل إلى البحر الأحمر.