الصين على خط الأزمة الإيرانية–الأمريكي

تحليلات - Foresight

لا تبدو الدعوة الصينية الأخيرة إلى استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران مجرد نداء دبلوماسي جديد لخفض التصعيد، وإنما تأتي في سياق محاولة أوسع من جانب بكين للحفاظ على مسار تفاوضي يمكن من خلاله احتواء الصراع ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة تهدد استقرار الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي.

وخلال محادثاته في بكين مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، دعا وزير الخارجية الصيني وانج يي واشنطن وطهران إلى التحلي بالعقلانية وضبط النفس، محذراً من أن استمرار الصراع لا يخدم مصالح الأطراف المعنية ولا المجتمع الدولي. والأهم من ذلك أنه دعا إلى العودة إلى مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها في إسلام آباد، وإعادة بناء آلية التفاوض على أساس التوافق الذي تحقق حتى الآن، مع الانتقال إلى مشاورات جوهرية حول القضايا محل الخلاف.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة لأنها تأتي بعد أشهر من الجهود التي بذلتها أطراف متعددة لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين طهران وواشنطن. وكانت الصين قد رحبت في يونيو بالتوصل إلى مذكرة تفاهم للمرحلة الأولى، معتبرة أن الحوار والتفاوض يمثلان المسار المناسب لمعالجة الأزمة، كما أكد وانج يي في يوليو أن التقدم الذي تحقق من خلال الحوار ينبغي ألا يتم التخلي عنه.

بكين لا تريد ترك الأزمة لمسار القوة

تتحرك الصين في الأزمة الإيرانية–الأمريكية انطلاقاً من مبدأ واضح: استمرار المواجهة العسكرية لا يحقق مكاسب مستقرة لأي طرف، بينما يمكن للتفاوض أن يوفر إطاراً لتسوية الخلافات تدريجياً.

ولا يعني هذا الموقف أن بكين تتبنى بالضرورة جميع المواقف الإيرانية، أو أنها تسعى إلى الدخول في مواجهة دبلوماسية مباشرة مع واشنطن. فالخطاب الصيني يركز بصورة أكبر على وقف التصعيد، احترام السيادة، واستعادة المسار التفاوضي.

وقد كررت بكين خلال الأشهر الماضية أن الأزمات السياسية لا يمكن حلها بالوسائل العسكرية، وأن الحوار يظل الطريق الأكثر ملاءمة لتسوية الخلافات. وفي اتصال سابق مع عراقجي، أكدت الخارجية الصينية دعمها للجهود الرامية إلى إنهاء الأعمال العدائية واستئناف التفاوض.

ومن ثم، فإن التحرك الصيني الحالي يمكن فهمه باعتباره محاولة لمنع تحول الصراع إلى وضع يصعب احتواؤه لاحقاً، وليس مجرد وساطة ظرفية مرتبطة بتصعيد محدد.

لماذا تتمسك الصين بمذكرة إسلام آباد؟

تكمن أهمية دعوة وانج يي إلى العودة إلى مذكرة إسلام آباد في أن بكين لا تدعو إلى بدء التفاوض من نقطة الصفر، وإنما إلى استعادة إطار سبق أن تحقق حوله قدر من التوافق.

وتشير الوثيقة المنشورة لمذكرة التفاهم إلى أن الإطار تضمن مبادئ تتعلق بإنهاء العمليات العسكرية، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، واحترام السيادة وسلامة الأراضي. لكن الوثيقة المتاحة منشورة بوصفها مسودة، ولذلك ينبغي التعامل مع تفاصيلها بحذر وعدم افتراض أنها تمثل اتفاقاً نهائياً نافذاً بكل بنوده.

وهنا تكمن أهمية الموقف الصيني: فإعادة إطلاق التفاوض من قاعدة تفاهم سابقة قد تكون أكثر واقعية من محاولة صياغة اتفاق جديد بالكامل في ظل استمرار انعدام الثقة بين طهران وواشنطن.

لكن ذلك لا يعني أن العودة إلى المذكرة ستكون سهلة. فالخلافات التي أدت إلى تعثر المسار السابق لم تختفِ بالضرورة، كما أن أي تفاوض جديد سيكون مرتبطاً بالتطورات العسكرية والسياسية التي حدثت منذ التوصل إلى التفاهم الأول.

المصالح الصينية: أكثر من مجرد وسيط

لا يمكن فصل التحرك الصيني عن المصالح الاستراتيجية لبكين في الشرق الأوسط.

فالصين ترتبط بعلاقات استراتيجية واقتصادية وثيقة مع إيران، وتعد من أبرز المشترين للنفط الإيراني. وفي الوقت نفسه، لا تريد بكين أن تتحول منطقة الخليج إلى ساحة مواجهة ممتدة تهدد حركة التجارة والطاقة.

وقد ظهر هذا البعد بوضوح في المواقف الصينية السابقة، عندما شددت بكين على ضرورة معالجة قضية الملاحة في مضيق هرمز وضمان حرية وأمن الملاحة فيه، إلى جانب دعمها جهود خفض التصعيد.

ومن منظور صيني، فإن أمن الخليج ليس قضية إقليمية محضة. فأي اضطراب طويل الأمد في المنطقة يمكن أن ينعكس على أسواق الطاقة، وحركة التجارة، وسلاسل الإمداد، والنمو الاقتصادي العالمي. ولذلك فإن منع اتساع الصراع يتوافق في الوقت نفسه مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الصينية.

مضيق هرمز في قلب الحسابات

أصبحت مسألة الملاحة في مضيق هرمز أحد الملفات التي تتقاطع فيها الاعتبارات الإيرانية والأمريكية والصينية.

فالمضيق يمثل ممراً حيوياً لتجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، ويزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي.

ولهذا لم تتعامل بكين مع القضية باعتبارها تفصيلاً ثانوياً في الأزمة. ففي أبريل الماضي، أكدت الصين أن سيادة إيران وأمنها ومصالحها المشروعة يجب احترامها، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة ضمان حرية وأمن الملاحة في المضيق والعمل على استعادة حركة الملاحة الطبيعية.

وهذا يعكس طبيعة المقاربة الصينية: دعم خفض التصعيد مع التأكيد على المصالح الدولية المرتبطة باستقرار الممرات البحرية.

الصين وإيران: شراكة استراتيجية ولكنها ليست تحالفاً بلا حدود

تحمل زيارة عراقجي إلى بكين دلالة أخرى تتعلق بطبيعة العلاقة بين إيران والصين.

فطهران تنظر إلى بكين باعتبارها شريكاً استراتيجياً يمكنه لعب دور سياسي واقتصادي في مواجهة الضغوط الدولية. وقد أكد عراقجي في اتصالات سابقة أهمية العلاقات الاستراتيجية مع الصين، كما أعرب عن تقدير طهران للدور الصيني في دعم المسار التفاوضي.

لكن الشراكة بين البلدين لا تعني بالضرورة تطابق المصالح في كل الملفات.

فالصين تحتاج إلى علاقات مستقرة مع إيران، لكنها تحتاج أيضاً إلى الحفاظ على علاقات اقتصادية ودبلوماسية مع دول الخليج والولايات المتحدة. وبالتالي فإن بكين تتحرك على الأرجح وفق سياسة تقوم على إدارة التوازنات، وليس على الانحياز الكامل إلى أحد طرفي الصراع.

وهذا يفسر طبيعة الخطاب الصيني الذي يجمع بين التأكيد على احترام السيادة الإيرانية، والدعوة إلى الحوار، والتشديد في الوقت ذاته على أمن الملاحة واستقرار المنطقة.

واشنطن أمام خيار إعادة التفاوض

من الجانب الأمريكي، تمثل الدعوة الصينية اختباراً لمدى استعداد واشنطن للعودة إلى مسار تفاوضي يمكن أن يبدأ من التفاهمات السابقة.

وتزداد أهمية ذلك في ظل محاولة بكين وواشنطن إدارة ملفات متعددة في الوقت نفسه. فقد أفادت تقارير حديثة بأن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت سيجتمع مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ قبل قمة مرتقبة بين الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ، مع وجود ملف إيران والعلاقات المالية بين الصين وطهران ضمن القضايا التي تناقشها واشنطن وبكين.

وبذلك، فإن الأزمة الإيرانية لا تجري بمعزل عن التنافس الأوسع بين الصين والولايات المتحدة. بل يمكن أن تصبح أحد الملفات التي تختبر قدرة القوتين على الفصل بين الخلافات الاستراتيجية الكبرى وبين الحاجة إلى التعاون في إدارة أزمات دولية ذات تداعيات واسعة.

حدود الدور الصيني

رغم أهمية التحرك الصيني، فإن قدرة بكين على التأثير في القرارين الإيراني والأمريكي ليست مطلقة.

فنجاح أي وساطة يتطلب أولاً وجود استعداد لدى الطرفين للعودة إلى التفاوض، وثانياً وجود أرضية مشتركة يمكن البناء عليها. كما أن الصين لا تستطيع بمفردها معالجة جميع الملفات التي تسببت في التصعيد.

وتكمن إحدى الصعوبات الأساسية في أن الأزمة لا ترتبط بملف واحد، وإنما بمجموعة متداخلة من القضايا الأمنية والاستراتيجية والإقليمية. وبالتالي، فإن إعادة بناء آلية التفاوض قد تكون أسهل من التوصل إلى اتفاق نهائي.

وهنا يصبح الهدف الصيني الأكثر واقعية هو منع انهيار الدبلوماسية بالكامل، والحفاظ على قنوات الاتصال التي تسمح باستئناف التفاوض عندما تتوافر الظروف السياسية المناسبة.

من الوساطة إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية

لا يبدو الدور الصيني مقتصراً على محاولة تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران. فقد ربطت بكين في مواقف سابقة بين حل الأزمة الإيرانية وبين الحاجة إلى تطوير ترتيبات أمنية إقليمية أوسع، وتحسين العلاقات بين دول المنطقة، وتعزيز الأمن الجماعي في الخليج.

وهذا يعني أن الرؤية الصينية تتجاوز فكرة «اتفاق مؤقت» بين إيران والولايات المتحدة إلى محاولة معالجة البيئة الإقليمية التي تجعل الصراع قابلاً للتجدد.

فحتى لو تم التوصل إلى تفاهم بين واشنطن وطهران، فإن استمرار التوترات الإقليمية قد يعيد إنتاج الأزمة بصورة مختلفة. ومن هنا يأتي التركيز الصيني على أمن الخليج، والعلاقات بين دول المنطقة، وحرية الملاحة، وعدم اتساع رقعة الصراع.

هل تستطيع بكين منع اتساع الصراع؟

يمثل هذا السؤال جوهر التحرك الصيني الحالي.

فبكين تمتلك مجموعة من عناصر النفوذ: علاقات استراتيجية مع إيران، علاقات اقتصادية واسعة مع دول الخليج، عضوية دائمة في مجلس الأمن، وعلاقات مباشرة مع الولايات المتحدة. كما أنها سبق أن لعبت دوراً في الوساطة بين إيران والسعودية، ما منحها خبرة سياسية في ملفات الشرق الأوسط.

لكن امتلاك أدوات النفوذ لا يعني بالضرورة القدرة على فرض تسوية.

وتبقى قدرة الصين على التأثير مرتبطة باستعداد الأطراف المحلية والدولية لاستخدام القنوات الدبلوماسية. فإذا قررت واشنطن وطهران العودة إلى التفاوض، يمكن لبكين أن توفر دعماً سياسياً واقتصادياً لمسار خفض التصعيد. أما إذا استمر منطق المواجهة العسكرية، فإن هامش الوساطة الصينية سيصبح أكثر ضيقاً.

اختبار جديد للدبلوماسية الصينية

تكشف التحركات الأخيرة أن الصين تسعى إلى ترسيخ نفسها باعتبارها طرفاً قادراً على المساهمة في إدارة أزمات الشرق الأوسط، وليس مجرد قوة اقتصادية ذات مصالح تجارية في المنطقة.

لكن نجاح هذا الدور سيعتمد على مدى قدرة بكين على تحويل خطابها الداعي إلى الحوار إلى مسار تفاوضي فعلي. فالدعوة إلى ضبط النفس وإعادة فتح قنوات الاتصال تمثل الخطوة الأولى، بينما تبقى الخطوة الأصعب هي مساعدة الطرفين على تجاوز القضايا الجوهرية التي عطلت التفاهم السابق.

وفي هذا السياق، فإن دعوة وانج يي إلى العودة إلى مذكرة إسلام آباد تكتسب أهمية تتجاوز مضمونها المباشر. فهي تشير إلى أن الصين لا تريد أن تبدأ الدبلوماسية من الصفر، بل تسعى إلى استعادة نقطة التقاء سابقة والبناء عليها.

وفي النهاية، يبدو أن بكين تتحرك على ثلاثة مستويات متوازية: منع التصعيد العسكري، الحفاظ على مسار التفاوض، وحماية المصالح الاستراتيجية المرتبطة بأمن الخليج والطاقة والملاحة الدولية.

ولا يمكن بعدُ الجزم بأن هذه المقاربة ستنجح في إعادة واشنطن وطهران إلى طاولة التفاوض بصورة مستدامة. لكن التحرك الصيني يكشف بوضوح أن بكين ترى في استمرار الصراع تهديداً للاستقرار الإقليمي ولمصالحها الاستراتيجية، وأنها تسعى إلى استخدام علاقاتها مع طهران وواشنطن للحفاظ على نافذة دبلوماسية مفتوحة.

وبذلك تتحول أزمة إيران والولايات المتحدة إلى اختبار مزدوج: فهي من ناحية اختبار لقدرة واشنطن وطهران على الانتقال من منطق القوة إلى التفاوض، ومن ناحية أخرى اختبار لقدرة الصين على ترجمة نفوذها المتزايد في الشرق الأوسط إلى دور دبلوماسي مؤثر في واحدة من أكثر أزمات المنطقة تعقيداً.