ما بعد «اليونيفيل»: هل ينتقل الجنوب اللبناني من حفظ السلام إلى «التحقق»؟

تقدير موقف - Foresight

لا يبدو أن النقاش حول مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» يتجه، في مرحلته الراهنة، إلى مجرد تجديد للمهمة بصيغة معدلة، بل إلى إعادة تعريف كاملة للدور الدولي في جنوب لبنان. فبينما يبدو أن انتهاء مهمة القوة بات أقرب إلى الواقع، تتركز المداولات على طبيعة البديل، وهويته، ومرجعيته، والأهم على حدود صلاحياته وعلاقته بالجيش اللبناني.

وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة؛ لأن السؤال لم يعد فقط: من سيخلف «اليونيفيل»؟ وإنما: ما الوظيفة التي ستؤديها القوة الجديدة؟

فالمقترحات المتداولة، وفق المعطيات الواردة في التقرير، تشير إلى احتمال الانتقال من قوة دولية مهمتها الأساسية مراقبة تنفيذ القرار 1701 ودعم الاستقرار، إلى آلية أكثر تركيزًا على التحقق من تنفيذ التزامات محددة، وفي مقدمتها حصرية السلاح جنوب نهر الليطاني.

وهذا التحول، إذا تم اعتماده، قد يغير طبيعة الدور الدولي في الجنوب، ويفتح في الوقت نفسه نقاشًا حساسًا حول السيادة اللبنانية وحدود الدور الخارجي.

نهاية «اليونيفيل» ليست نهاية الدور الدولي

ارتبط وجود «اليونيفيل» في جنوب لبنان، بصيغته المعروفة، بالقرار 1701، الذي شكل الإطار الدولي الأساسي لتنظيم الوضع في الجنوب بعد حرب عام 2006.

لكن المعطيات الواردة في التقرير تشير إلى أن النقاش الحالي يتجه نحو إنهاء هذه الصيغة، مع تداول بدائل يمكن أن يكون لأوروبا دور رئيسي فيها، ولا سيما إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وربما ألمانيا، مع احتمال وجود دور أمريكي في لجان التحقق.

وبذلك، فإن انتهاء «اليونيفيل» لا يعني بالضرورة انسحاب المجتمع الدولي من الملف اللبناني، بل قد يعني إعادة تشكيل وجوده ووظيفته.

وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الانتقال من صيغة إلى أخرى لا يقتصر على إعادة توزيع الجنود أو تغيير المسمى المؤسسي، وإنما قد يعكس تحولًا في أولويات الأطراف الدولية المعنية.

فإذا كانت المهمة السابقة تتمحور حول حفظ السلام ومراقبة الالتزام بالقرار 1701، فإن المهمة الجديدة قد تتمحور بصورة أكبر حول التحقق من نتائج إجراءات يتولاها الجيش اللبناني.

القوة الأوروبية المحتملة: بين الاستمرارية والتغيير

المقترح الإيطالي المتداول، وفق التقرير، يقوم على حضور دولي محدود العدد وأكثر فاعلية، مع التركيز على دعم الجيش اللبناني وحماية المدنيين، ودعم آلية وقف الأعمال العدائية، والمراقبة ورفع التقارير، إضافة إلى إمكانية المساهمة في إجراءات مرتبطة بنزع السلاح إذا جرى التوافق عليها سياسيًا.

هذه الصيغة تحمل عنصرين متناقضين.

فمن جهة، هناك رغبة في الحفاظ على قدر من الاستمرارية، بحيث لا يحدث فراغ دولي مفاجئ في الجنوب، ويظل للوجود الأوروبي دور في دعم الاستقرار ومساندة الجيش اللبناني.

ومن جهة أخرى، فإن التركيز على التحقق من حصرية السلاح يضيف بعدًا جديدًا إلى المهمة، ويجعل القوة المرتقبة مرتبطة بصورة مباشرة بملف سياسي وأمني بالغ الحساسية في لبنان.

وبالتالي، فإن نجاح الصيغة الأوروبية لن يتوقف فقط على عدد الدول المشاركة أو حجم القوة، وإنما على طبيعة التفويض الذي ستحصل عليه.

من «حفظ السلام» إلى «التحقق»: التحول الأهم

التحول المفاهيمي من قوة لحفظ السلام إلى لجان تحقق قد يبدو للوهلة الأولى تغييرًا إداريًا، لكنه في الواقع يحمل تداعيات سياسية وعسكرية مهمة.

فالقوة التي تراقب الوضع وتقدم تقارير عن مستوى الالتزام تختلف في طبيعتها عن جهة تتولى التحقق بصورة مباشرة من تنفيذ إجراءات محددة.

والفارق يصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بحصرية السلاح.

فإذا كان الجيش اللبناني هو الجهة التي تتولى عمليات التفتيش والمصادرة واتخاذ الإجراءات الميدانية، بينما تكتفي الجهة الدولية بالتأكد من النتائج ورفع التقارير، فإن العلاقة بين الطرفين يمكن أن تبقى ضمن إطار أكثر وضوحًا بالنسبة إلى السيادة اللبنانية.

أما إذا تجاوزت مهمة الجهة الدولية التحقق من النتائج إلى المشاركة في العمليات الميدانية أو الإشراف المباشر على كيفية تنفيذها، فإن طبيعة العلاقة تتغير بصورة كبيرة.

وهنا تبرز واحدة من أكثر نقاط الخلاف حساسية في أي صيغة مستقبلية.

من يراقب الجيش اللبناني؟

المثال الذي يطرحه التقرير حول العثور على مخزن أسلحة يكشف بوضوح طبيعة الإشكال.

إذا وردت معلومات عن وجود مخزن، وقام الجيش اللبناني بتحديد الموقع ومداهمته، فهناك نموذجان محتملان:

الأول، أن تنفذ القوات اللبنانية العملية، ثم تقدم تقريرًا إلى لجنة التحقق التي تراجع النتيجة وتتأكد من تنفيذ المهمة.

أما الثاني، فهو أن ترافق الجهة الدولية القوات اللبنانية خلال العملية، أو تراقب التفتيش ميدانيًا باستخدام عناصرها أو معداتها أو وسائل الاتصال والمراقبة.

والفارق بين النموذجين ليس تقنيًا فقط.

ففي الحالة الأولى، يظل الجيش اللبناني صاحب القرار والتنفيذ، بينما تؤدي الجهة الدولية وظيفة رقابية لاحقة.

وفي الحالة الثانية، يصبح الطرف الدولي حاضرًا داخل العملية التنفيذية نفسها.

وهذا قد يثير سؤالًا أساسيًا حول من يملك القرار العسكري على الأرض.

فالجيش اللبناني قد يقبل بمبدأ التحقق الدولي، خصوصًا إذا كان الهدف دعم التزام لبنان بالترتيبات الدولية، لكنه قد يجد صعوبة أكبر في قبول وجود جهة خارج التسلسل القيادي العسكري تشارك بصورة مباشرة في توجيه عملياته أو الإشراف عليها.

حصرية السلاح والانسحاب الإسرائيلي: معادلتان مترابطتان

لا يمكن فصل النقاش حول حصرية السلاح جنوب الليطاني عن مسألة الانسحاب الإسرائيلي.

وهذه نقطة مهمة في الموقف اللبناني كما يعكسها التقرير. فلبنان، وفق هذا الطرح، لا يعترض بالضرورة على وجود آلية للتحقق من حصرية السلاح، لكنه يريد في المقابل أن تكون هناك آلية واضحة للتحقق من الانسحاب الإسرائيلي.

وهنا تظهر مشكلة التوازن.

فإذا كانت الجهة الدولية مطالبة بالتحقق من التزام طرف لبناني بالتزاماته، فمن المنطقي من المنظور اللبناني أن تكون هناك أيضًا آلية واضحة للتحقق من التزامات الطرف الآخر.

وإلا فإن آلية التحقق قد تتحول، من وجهة النظر اللبنانية، إلى أداة تركز على جانب واحد من معادلة الأمن في الجنوب.

ومن ثم، فإن قابلية أي صيغة جديدة للحياة ستتوقف بدرجة كبيرة على قدرتها على التعامل مع الالتزامات المتبادلة، وليس فقط مع حصرية السلاح.

الولايات المتحدة وإسرائيل في خلفية المشهد

تكشف المعطيات الواردة في التقرير عن وجود اهتمام أمريكي بأن تكون للجان التحقق صلاحيات تنفيذية أكبر، في ظل ضغط إسرائيلي في الاتجاه نفسه.

وهنا تصبح هوية القوة أقل أهمية من طبيعة التفويض الذي ستعمل بموجبه.

فوجود قوة أوروبية قد يكون مقبولًا بدرجة أكبر لدى لبنان، لكن إذا حصلت هذه القوة على صلاحيات تتجاوز المراقبة والتحقق إلى الإشراف المباشر على العمليات، فقد يظل الإشكال قائمًا بصرف النظر عن جنسية القوات المشاركة.

وفي المقابل، فإن وجود دور أمريكي في لجان التحقق يمكن أن يمنح الآلية الجديدة وزنًا سياسيًا أكبر، لكنه قد يجعلها أكثر حساسية بالنسبة إلى الأطراف اللبنانية التي تنظر إلى الدور الأمريكي باعتباره جزءًا من التوازن الإقليمي الأوسع.

وبذلك، لا يتعلق الخلاف فقط بمن سيشارك في القوة، بل بمن سيحدد قواعد عملها ومن سيكون صاحب الكلمة النهائية في تفسير مهمتها.

الجيش اللبناني في قلب المعادلة

ربما يكون العامل الأكثر أهمية في أي ترتيبات مستقبلية هو موقع الجيش اللبناني.

فالبديل عن «اليونيفيل» لا يمكن أن ينجح إذا أدى إلى إضعاف دور المؤسسة العسكرية اللبنانية أو وضعها في موقع التابع لجهة دولية.

وفي الوقت نفسه، فإن المجتمع الدولي يبدو مهتمًا بضمان قدرة الجيش على تنفيذ المهام المرتبطة بحصرية السلاح والحفاظ على الاستقرار في الجنوب.

وهذا يضع الجيش أمام معادلة دقيقة: فهو مطالب بإثبات قدرته على الاضطلاع بدور أساسي في الأمن جنوب الليطاني، لكنه يحتاج في الوقت ذاته إلى الحفاظ على استقلالية قراره العسكري.

ومن هنا، قد يكون النموذج الأكثر قابلية للاستمرار هو نموذج يقوم على جيش لبناني ينفذ، وآلية دولية تتحقق وترفع التقارير، بدل نموذج تصبح فيه الجهة الدولية شريكًا مباشرًا في التنفيذ.

لكن الوصول إلى هذا التوازن يتطلب اتفاقًا سياسيًا واضحًا على الصلاحيات.

هل يمكن أن يتحول «التحقق» إلى وصاية؟

تكمن إحدى أكبر المخاوف في أن يتحول التحقق، مع مرور الوقت، إلى شكل من أشكال الإشراف غير المباشر.

فإذا بدأت اللجنة الدولية بتلقي التقارير، ثم طلبت معلومات إضافية، ثم انتقلت إلى مراقبة العمليات ميدانيًا، ثم أصبحت طرفًا في تحديد كيفية تنفيذ الجيش لمهامه، فإن الخط الفاصل بين «التحقق» و«الإشراف» يصبح تدريجيًا أكثر ضبابية.

ولهذا فإن تحديد الصلاحيات مسبقًا سيكون عنصرًا أساسيًا في أي اتفاق جديد.

فالمطلوب ليس فقط تحديد ما تستطيع القوة الجديدة القيام به، وإنما أيضًا تحديد ما لا تستطيع القيام به.

وهذه المسألة لا تقل أهمية عن تحديد عدد القوات أو جنسياتها أو مصادر تمويلها.

البديل الحقيقي قد يكون سياسيًا قبل أن يكون عسكريًا

تظهر من خلال النقاشات المتداولة حقيقة أساسية، وهي أن مستقبل الجنوب لن تحدده القوة الدولية وحدها.

فوجود أي قوة، مهما كانت طبيعة تفويضها، لن يحل بمفرده الإشكالات المتعلقة بالسلاح أو الحدود أو الانسحاب أو علاقة الدولة اللبنانية بمختلف القوى الموجودة على الأرض.

القوة الدولية تستطيع أن تراقب وتتحقق وترفع التقارير، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التوافق السياسي اللبناني.

ومن هنا، فإن نجاح أي ترتيبات جديدة سيكون مرتبطًا بوجود تفاهم أوسع حول دور الدولة اللبنانية والجيش وحصرية السلاح، وكذلك حول الالتزامات المتبادلة على الحدود.

مرحلة انتقالية أكثر حساسية

يبدو أن لبنان يقترب من مرحلة انتقالية في الجنوب تتجاوز مسألة تغيير قوة دولية بأخرى.

فالمسألة تتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين ثلاثة أطراف رئيسية: الدولة اللبنانية، والوجود الدولي، والواقع الأمني على الحدود مع إسرائيل.

وكل صيغة جديدة ستحتاج إلى تحقيق توازن بين متطلبات الأمن الدولي، والمصالح اللبنانية، وضرورات الحفاظ على دور الجيش، في وقت تتداخل فيه هذه الملفات مع حسابات إقليمية ودولية أوسع.

ولهذا فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بقدرة الأطراف على الاتفاق على قوة بديلة لـ«اليونيفيل»، وإنما بقدرتها على الإجابة عن الأسئلة التي ظلت مؤجلة: ما حدود التفويض؟ من ينفذ؟ من يتحقق؟ من يرفع التقارير؟ وما الآلية التي تضمن التزام جميع الأطراف بتعهداتها؟

الاختبار الحقيقي: طبيعة الدور لا اسم القوة

في النهاية، قد يكون التركيز على هوية القوة الأوروبية أو عدد الدول المشاركة فيها أقل أهمية من تحديد طبيعة الدور الذي ستقوم به.

فإذا كانت القوة الجديدة ستوفر دعمًا للجيش اللبناني، وتحمي المدنيين، وتراقب وقف الأعمال العدائية، وتتحقق من تنفيذ الالتزامات، فقد تمثل استمرارًا مطورًا للدور الدولي في الجنوب.

أما إذا انتقلت إلى الإشراف المباشر على عمليات الجيش أو امتلكت صلاحيات تنفيذية واسعة، فإننا نكون أمام نموذج مختلف تمامًا عن «اليونيفيل»، حتى لو حملت القوة الجديدة طابعًا أوروبيًا أو احتفظت ببعض المهام السابقة.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية في المرحلة المقبلة ستكون معركة تعريف التفويض.

فلبنان يحتاج إلى آلية دولية قادرة على دعم الاستقرار والتحقق من الالتزامات، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى الحفاظ على مركزية مؤسساته العسكرية والأمنية. والمجتمع الدولي يريد آلية أكثر فاعلية لضمان تنفيذ الترتيبات الأمنية، بينما تسعى أطراف أخرى إلى توسيع نطاق الرقابة على السلاح.

وبين هذه المطالب المتعارضة، ستتحدد طبيعة المرحلة التي ستلي «اليونيفيل».

فالمسألة في جوهرها ليست: من سيحل محل «اليونيفيل»؟

بل: هل سيكون البديل قوة تراقب ما ينفذه لبنان، أم قوة تشارك لبنان في تحديد كيفية التنفيذ؟

والإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان، وإنما أيضًا حدود السيادة اللبنانية وطبيعة التوازن الأمني الذي سيحكم المنطقة في المرحلة المقبلة.