بث تجريبي

التدخل العسكري وتحديات ما بعد الصراع: قراءة في تجربة ليبيا وتداعياتها على إيران

دراسات وأبحاث - Foresight

مع تصاعد الجدل الدولي حول احتمالات التدخل العسكري الأمريكي والإسرائيلي في إيران، برزت مقارنات متكررة مع تجربة التدخل الدولي في ليبيا عام 2011. وغالباً ما تُطرح هذه المقارنة في إطار تحذيري مفاده أن أي تدخل قد يحول إيران إلى “ليبيا أخرى”. غير أن هذا الطرح المبسط يغفل الفروق البنيوية بين الحالتين، سواء من حيث حجم الدولة، أو قوة مؤسساتها، أو موقعها الجيوسياسي، أو قدراتها العسكرية. ومع ذلك، فإن تجربة ليبيا تظل حالة مهمة يمكن من خلالها استخلاص دروس استراتيجية تتعلق بتصميم التدخلات العسكرية وإدارة نتائجها السياسية.

فالتدخل الذي قاده حلف شمال الأطلسي في ليبيا غالباً ما يُوصف بأنه نجاح عسكري أعقبه فشل سياسي. إلا أن القراءة الأكثر عمقاً تشير إلى أن المشكلة لم تكن في فعالية القوة العسكرية، بل في غياب تصور واضح للنهاية السياسية للحملة العسكرية. ومن هذه الزاوية، تقدم الحالة الليبية ثلاث قضايا أساسية ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم أي تدخل عسكري محتمل في إيران: وضوح الهدف السياسي النهائي، وتماسك أهداف التحالف، وإدارة مستويات التصعيد.

أولاً: أهمية تحديد الهدف السياسي النهائي
تكشف تجربة ليبيا عن المخاطر الاستراتيجية التي تنشأ عندما تكون الأهداف السياسية للتدخل غير واضحة أو قابلة للتغير أثناء العمليات العسكرية. فقد بدأ تدخل الناتو في ليبيا استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 1973، الذي ركّز على حماية المدنيين. غير أن مسار العمليات تطور تدريجياً ليصبح أكثر ارتباطاً بإسقاط نظام معمر القذافي.

هذا التحول يعكس إشكالية جوهرية في تصميم التدخلات العسكرية، إذ تختلف الاستراتيجيات المطلوبة لتحقيق أهداف مثل حماية المدنيين أو إجبار النظام على التفاوض أو إسقاطه بالكامل. فالحملة التي تهدف إلى الضغط التفاوضي تعتمد عادة على استخدام محدود للقوة العسكرية مع فتح قنوات سياسية للحوار. أما الحملة التي تنتهي بانهيار النظام فتفرض تحديات أكثر تعقيداً تتعلق بإدارة مرحلة ما بعد الصراع وبناء سلطة سياسية قادرة على فرض الاستقرار.

في الحالة الليبية لم يتم حسم هذه المسألة بشكل واضح، وهو ما أدى إلى فراغ سياسي بعد سقوط النظام. فقد تفتتت السلطة بين الميليشيات والفاعلين المحليين والإقليميين، في ظل غياب استراتيجية دولية واضحة لإدارة الانتقال السياسي أو إعادة بناء المؤسسات الأمنية.

ومن هذا المنطلق، فإن أي نقاش حول التدخل في إيران يجب أن يبدأ بتحديد واضح للهدف السياسي النهائي. فإذا كان الهدف هو الضغط على القيادة الإيرانية للدخول في مفاوضات، فينبغي تحديد شروط إنهاء العمليات العسكرية. أما إذا كان التدخل قد يؤدي إلى إضعاف النظام أو انهياره، فإن مسألة الخلافة السياسية واستمرارية المؤسسات تصبح قضية مركزية لا يمكن تأجيلها إلى ما بعد العمليات العسكرية.

ثانياً: تماسك أهداف التحالف الدولي
تظهر التجربة الليبية أيضاً أن إدارة التحالفات العسكرية تمثل عاملاً حاسماً في نجاح أو فشل التدخلات الدولية. فرغم أن حلف الناتو أظهر درجة عالية من التنسيق العملياتي خلال الحملة الجوية، فإن الدول المشاركة لم تكن متفقة تماماً حول الهدف النهائي للتدخل.

فبينما اعتبرت بعض الدول أن المهمة تقتصر على حماية المدنيين، رأت دول أخرى أن التدخل يمثل فرصة لإسقاط النظام الليبي. وقد سمحت هذه الاختلافات باستمرار العمليات العسكرية، لكنها أضعفت التوافق الاستراتيجي حول مرحلة ما بعد الصراع، وتركّت مسألة استقرار ليبيا السياسي دون إطار واضح للمسؤولية أو التخطيط.

وفي حالة إيران، تكتسب هذه المسألة أهمية أكبر نظراً لتعدد الأطراف المحتملة المشاركة أو الداعمة لأي تدخل. فنجاح أي استراتيجية عسكرية سيتطلب توافقاً واضحاً بين الولايات المتحدة وإسرائيل وأي شركاء دوليين آخرين حول تعريف النجاح وأهداف الحملة.

فإذا كان أحد الأطراف يسعى إلى تحقيق الردع، بينما يهدف طرف آخر إلى الضغط التفاوضي، ويسعى طرف ثالث إلى إضعاف النظام الإيراني إلى حد الانهيار، فإن غياب التوافق الاستراتيجي قد يؤدي إلى انحراف الحملة العسكرية عن أهدافها الأصلية.

ثالثاً: إدارة التصعيد وحدود القوة الجوية
تسلط تجربة ليبيا الضوء أيضاً على العلاقة المعقدة بين النجاح العسكري والتداعيات السياسية للصراع. فقد نجحت الضربات الجوية للناتو في وقف تقدم قوات النظام الليبي وتغيير ميزان القوى لصالح المعارضة المسلحة. إلا أن هذا النجاح التكتيكي لم يترجم إلى استقرار سياسي.

كما أظهرت التجربة أن التدخلات المعتمدة على القوة الجوية قد تواجه ديناميات تصعيد غير متوقعة. فعندما تعتمد القوى الخارجية على فصائل محلية لمواصلة الضغط العسكري على النظام، فإن هذه الفصائل تكتسب نفوذاً سياسياً وعسكرياً متزايداً، ما قد يؤثر في شكل النظام السياسي الذي ينشأ بعد انتهاء الصراع.

وفي السياق الإيراني، تبرز مسألة إدارة التصعيد كعامل حاسم في تصميم أي تدخل عسكري محتمل. فبدون تحديد واضح للحدود السياسية والعسكرية للحملة، قد تتحول العمليات المحدودة إلى صراع أوسع يتجاوز الأهداف الأصلية للتدخل.

خاتمة
لا تكمن أهمية تجربة ليبيا في كونها دليلاً على أن التدخل العسكري يؤدي حتماً إلى الفوضى أو عدم الاستقرار، بل في كونها مثالاً على أن النجاح العسكري لا يمكن أن يعوض غياب التخطيط السياسي والاستراتيجي. فالتدخلات العسكرية التي تهدف إلى تغيير التوازنات السياسية في دولة ما تفرض على القوى المتدخلة مسؤوليات تتجاوز المجال العسكري إلى إدارة التحولات السياسية والمؤسسية في مرحلة ما بعد الصراع.

ومن ثم، فإن النقاش حول احتمالات التدخل في إيران ينبغي أن يركز على تصميم الاستراتيجية السياسية بقدر تركيزه على القدرات العسكرية. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة على تغيير مسار الصراع عسكرياً، بل في القدرة على ربط هذا التغيير العسكري بإطار سياسي مستقر يضمن استدامة النظام السياسي ويمنع انزلاق الدولة إلى حالة من عدم اليقين الاستراتيجي.