الناتو وهرمز: تحالف خارج التحالف وإدارة ما بعد الحرب
لا تكمن الأهمية السياسية في اجتماع قادة الدفاع المنتمين إلى حلف شمال الأطلسي لبحث المساهمات المحتملة في دعم حرية الملاحة في مضيق هرمز، بقدر ما تكمن في الصيغة التي اختار بها الحلف إدارة هذا الملف: تنسيق عسكري داخل البنية الأطلسية، لكن من دون تحويل المهمة إلى عملية تابعة للناتو.
فقد عقدت القيادة العليا لقوات الحلف في أوروبا اجتماعاً في 19 أغسطس/آب مع قادة دفاع من الدول الحليفة المعنية لبحث مساهمات محتملة لدعم حرية الملاحة في المضيق، قبل أن تؤكد قيادة الحلف أن الأمر «ليس من مهام الناتو». وفي الوقت نفسه، تقود بريطانيا وفرنسا جهوداً لتشكيل ائتلاف متعدد الجنسيات للتعامل مع أمن الملاحة عندما تسمح الظروف بذلك.
وهنا تحديداً تبدأ الدلالة السياسية للخبر.
من «عملية للناتو» إلى «الناتو كمنصة»
يبدو أن الغرب يتعامل مع أزمة هرمز وفق معادلة دقيقة: استخدام قدرات التحالف من دون استخدام اسم التحالف.
فالناتو يمتلك بنية فريدة لتجميع القدرات العسكرية، وتحديد ما تستطيع كل دولة تقديمه، وتنسيق الاتصالات والتخطيط والتشغيل البيني. ولذلك فإن إخراج المهمة من الإطار الرسمي للناتو لا يعني بالضرورة إخراج الحلف من المعادلة.
بل قد يعني العكس تماماً: تحويل الناتو من فاعل عسكري مباشر إلى منصة تمكين وتنسيق.
وهذا نموذج أكثر مرونة من إطلاق عملية أطلسية رسمية. فالمشاركة الرسمية للناتو ستطرح أسئلة سياسية وقانونية شديدة الحساسية: هل أصبحت الحرب مع إيران جزءاً من أجندة الحلف؟ هل يتعرض جنود دول أعضاء في الناتو لمواجهة مباشرة مع القوات الإيرانية؟ وهل يمكن أن تتحول حماية الملاحة إلى حرب بحرية مفتوحة؟
أما صيغة «التحالف خارج التحالف»، فتتيح للدول الراغبة في المشاركة أن تتحرك ضمن ائتلاف مستقل، بينما يستفيد هذا الائتلاف من الخبرة والبنية والقدرات التي يوفرها الناتو.
وبعبارة أخرى، الناتو هنا لا يقود المهمة، لكنه يساعد على جعلها ممكنة.
لماذا تصر الدول الغربية على عدم تحويل هرمز إلى مهمة أطلسية؟
السبب الأول هو الخوف من توسيع نطاق الحرب.
فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري؛ إنه نقطة تماس مباشرة بين المصالح الاقتصادية العالمية والقوة العسكرية الإيرانية. وكان المضيق قبل اندلاع الحرب يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، كما أن حركة الملاحة فيه تراجعت بشدة خلال أغسطس/آب مع استمرار حالة عدم اليقين الأمني.
أي تدخل عسكري واسع لتأمين الملاحة يمكن أن يتحول بسرعة من مهمة حماية سفن تجارية إلى مواجهة مباشرة مع إيران، خصوصاً إذا لجأت طهران إلى الألغام البحرية أو الصواريخ المضادة للسفن أو الطائرات المسيّرة أو استهداف القطع البحرية المشاركة في عملية الحماية.
وهنا يصبح السؤال الغربي أكثر تعقيداً:
كيف يمكن إعادة فتح هرمز من دون أن تصبح عملية إعادة فتحه سبباً في حرب جديدة؟
هذه هي المعضلة المركزية.
بريطانيا وفرنسا تحاولان صناعة «ائتلاف الضرورة»
من اللافت أن بريطانيا وفرنسا هما الطرفان الأكثر نشاطاً في بناء إطار متعدد الجنسيات لأمن الملاحة.
وهذا ليس تفصيلاً عابراً.
فالدولتان تحاولان منذ أشهر بناء شرعية دولية لمهمة مستقلة عن العمليات العسكرية المباشرة للحرب. ففي مايو/أيار أعلنت لندن وباريس وحلفاؤهما تأييداً سياسياً لمهمة عسكرية متعددة الجنسيات، دفاعية ومستقلة، هدفها دعم السفن المدنية وطمأنة شركات الشحن والمساهمة في إزالة الألغام، على أن تبدأ العمليات في بيئة تسمح بذلك ووفق القانون الدولي والإجراءات الدستورية الوطنية.
وفي يوليو/تموز، أكدت بريطانيا وفرنسا استعدادهما لنشر المهمة متعددة الجنسيات، بالتعاون مع عُمان، عندما تسمح الظروف الأمنية والسياسية.
إذن، اجتماع الناتو الأخير لا يبدو بداية مشروع جديد بقدر ما يبدو مرحلة متقدمة من مشروع يجري بناؤه تدريجياً منذ أشهر.
والهدف هو الانتقال من سؤال:
من سيحارب إيران؟
إلى سؤال أكثر قابلية للتوافق الدولي:
من سيؤمّن الملاحة عندما تتوقف الحرب أو تنخفض حدتها؟
وهذا تغيير بالغ الأهمية في تعريف المشكلة.
«ما بعد الحرب» يبدأ قبل انتهاء الحرب
ربما تكون هذه هي القراءة الأعمق للخطوة.
فالتحضير لتأمين هرمز لا يتعلق فقط بإدارة الأزمة الحالية، وإنما بإدارة المرحلة التالية لها.
فإذا توقفت الأعمال العسكرية غداً، فلن تعود حركة الملاحة تلقائياً إلى طبيعتها. ستظل هناك ألغام محتملة، ومخاطر صاروخية، وقطع بحرية مسلحة، وشركات تأمين مترددة، وسفن تجارية تخشى المرور، وشكوك بشأن قدرة إيران على فرض قيود جديدة على حركة السفن.
وقد بدأت تظهر بالفعل مؤشرات على أن إعادة فتح المضيق ليست مسألة تقنية بسيطة؛ إذ منحت إيران مؤخراً تصاريح لبعض ناقلات النفط العراقية بالعبور، بينما لا تزال حركة الملاحة محدودة للغاية.
ومن هنا فإن الغرب يستعد مبكراً لـ«اليوم التالي».
لكن هناك لاعباً لا يستطيع الغرب تجاوزه: إيران
تكشف عبارة رويترز بأن أي ترتيب طويل الأمد سيحتاج في النهاية إلى موافقة إيران عن جوهر المشكلة.
يمكن للقوى الغربية أن تجمع السفن والطائرات وكاسحات الألغام وأنظمة المراقبة والاستطلاع.
لكنها لا تستطيع بسهولة أن تنتج شرعية سياسية مستقرة للملاحة في منطقة تتصل مباشرة بسيادة إيران ومصالحها الأمنية.
وهذا يضع حدوداً واضحة لفكرة «حرية الملاحة بالقوة».
فالترتيب المؤقت قد يكون قابلاً للفرض عسكرياً، لكن الترتيب المستدام يحتاج إلى تفاهم سياسي.
وهنا تظهر المفارقة:
القوة البحرية قد تفتح المضيق، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان بقائه مفتوحاً.
لذلك فإن أي نظام طويل الأجل لأمن هرمز سيحتاج، بصورة أو بأخرى، إلى تفاهم مع إيران، سواء كان مباشراً أو عبر وسطاء مثل عُمان أو دول الخليج أو ترتيبات دولية أوسع.
من يملك هرمز يملك ورقة تفاوضية هائلة
من منظور إيراني، لا يمكن النظر إلى المضيق باعتباره مجرد «ممر دولي» منفصل عن ميزان القوى الإقليمي.
فطهران تنظر إلى هرمز باعتباره واحدة من أهم أوراق الضغط الاستراتيجية التي تمتلكها في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
ولهذا فإن محاولة بناء قوة بحرية دولية مستقلة لتأمين المضيق قد تُفسَّر إيرانياً باعتبارها محاولة لانتزاع إحدى أهم أدوات الردع الإيرانية.
ومن هنا تأتي حساسية أي مهمة عسكرية جديدة.
فإذا دخلت سفن غربية إلى المضيق تحت شعار «حرية الملاحة»، فقد تراها طهران باعتبارها قوة احتلال أو حصاراً بحرياً مقنعاً، لا مجرد بعثة لحماية التجارة.
وهذا هو السيناريو الذي تحاول بريطانيا وفرنسا والناتو تجنبه عبر ثلاث طبقات من الفصل:
فصل المهمة عن الحرب، وفصلها عن الناتو، وفصلها عن فكرة استهداف إيران.
الناتو أمام اختبار جديد لوظيفته
الخبر يحمل أيضاً دلالة أوسع على مستقبل الناتو.
فالحلف لم يعد يواجه فقط السؤال التقليدي: كيف يدافع عن أراضي أعضائه؟
بل يواجه سؤالاً جديداً:
كيف يستخدم قدراته العالمية لحماية المصالح الأمنية والاقتصادية لأعضائه من دون تحويل كل أزمة دولية إلى عملية أطلسية؟
وهذا مهم خصوصاً في ظل تزايد النقاش داخل أوروبا حول ضرورة امتلاك الأوروبيين قدرة أكبر على العمل العسكري المستقل.
فإذا نجحت بريطانيا وفرنسا في بناء قوة بحرية متعددة الجنسيات خارج الناتو، لكنها تستفيد من البنية الأطلسية في التخطيط والتنسيق، فقد نشهد نموذجاً قابلاً للتكرار في أزمات أخرى:
ائتلافات مرنة تستند إلى بنية الناتو من دون أن تكون عملياتها عمليات للناتو.
وهذا يمكن أن يكون أحد أكثر التحولات أهمية في بنية الأمن الأوروبي والأطلسي خلال السنوات المقبلة.
الرسالة الأمريكية: لا تجعلوا هرمز مسؤولية الناتو
هناك بعد آخر لا ينبغي تجاهله.
إدخال الناتو رسمياً في الحرب مع إيران كان سيعني توسيع الالتزام الأمريكي والأوروبي بصورة تلقائية تقريباً، في وقت تبدو فيه واشنطن نفسها حريصة على إدارة الحرب وفق حسابات أمريكية مباشرة.
والولايات المتحدة لا تحتاج بالضرورة إلى تحويل كل عملية لحماية الملاحة إلى عملية أطلسية.
لذلك فإن صيغة «الدول الحليفة التي تتحرك خارج الناتو» تمنح واشنطن أيضاً هامشاً سياسياً واسعاً.
يمكن للدول الأوروبية أن تتحمل جزءاً أكبر من أعباء أمن الملاحة، ويمكن لواشنطن الاستفادة من قدرات حلفائها، من دون أن تتحول كل مواجهة بحرية إلى قضية تتعلق رسمياً بالحلف كله.
وهكذا يصبح الفصل بين الناتو كتحالف والدول الأعضاء كقوى عسكرية مستقلة أداة لإدارة المخاطر، وليس مجرد مسألة إجرائية.
معضلة الشرعية: القانون الدولي لا يكفي وحده
تستند الدول الغربية إلى مبدأ حرية الملاحة والقانون الدولي، وقد أكدت بياناتها السابقة أن استعادة حرية المرور في هرمز قضية ذات مصلحة عالمية.
لكن المشكلة أن الشرعية القانونية لا تحسم وحدها سؤال استخدام القوة.
فهناك فارق بين:
- حماية سفن مدنية في بيئة آمنة نسبياً،
- إزالة ألغام بحرية،
- مرافقة السفن التجارية،
- اعتراض هجمات مسلحة،
- واستخدام القوة لفتح ممر ترفض إيران فتحه.
كل درجة من هذه الدرجات تنقل المهمة إلى مستوى مختلف من المخاطر السياسية والقانونية والعسكرية.
ولهذا جاءت الصيغة الغربية الحالية حذرة للغاية: مهمة دفاعية، مستقلة، وفي بيئة تسمح بالعمل، مع الحفاظ على قنوات الاتصال وتجنب التصعيد.
هرمز قد يتحول إلى اختبار للنظام الأمني الدولي
المسألة في النهاية أكبر من إيران والناتو.
مضيق هرمز هو نقطة اختبار لفكرة أوسع: هل يستطيع المجتمع الدولي حماية الممرات البحرية الاستراتيجية من دون أن تتحول حماية الملاحة إلى صراع على السيادة والنفوذ؟
إذا نجح النموذج البريطاني-الفرنسي في إنشاء قوة متعددة الجنسيات قادرة على حماية الملاحة بالتنسيق مع دول المنطقة، فقد يمثل ذلك نموذجاً جديداً لأمن الممرات البحرية.
أما إذا احتاج فتح المضيق إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، فإن المهمة ستتحول من «حماية الملاحة» إلى إعادة رسم ميزان القوى في الخليج بالقوة.
وهنا يصبح الفرق بين السيناريوهين هائلاً.
السيناريوهات الثلاثة المقبلة
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:
الأول: التسوية السياسية وإعادة الفتح المنظم.
وهو السيناريو الأقل تكلفة. يتم التوصل إلى تفاهم أمريكي-إيراني، ربما بوساطة إقليمية، يسمح باستعادة الملاحة، وتدخل القوة متعددة الجنسيات في إطار دفاعي ومؤقت لضمان أمن السفن وإزالة الألغام وبناء الثقة.
الثاني: فتح المضيق بالقوة المحدودة.
تتراجع إيران عن الإغلاق لكنها لا تمنح موافقة سياسية كاملة على وجود قوات دولية، فتتحول المهمة إلى قوة ردع بحرية ترافق السفن وتراقب التهديدات وتتعامل مع الألغام والهجمات.
هذا السيناريو يحمل خطر الاحتكاك المستمر.
الثالث: تحويل هرمز إلى جبهة مفتوحة.
تستمر إيران في رفض الترتيبات الغربية، ويجري نشر قوة بحرية أكبر، ثم تقع مواجهة مع سفن أو مواقع إيرانية. عندها قد تنهار الحدود الفاصلة بين «مهمة حماية الملاحة» و«الحرب على إيران».
وهذا تحديداً هو السيناريو الذي يبدو أن الناتو يحاول منعه من خلال رفضه تحويل المهمة إلى عملية أطلسية رسمية.
الخلاصة: الناتو يريد أن يكون «مُمكِّناً» لا «مقاتلاً»
الاجتماع الذي عقده الجنرال أليكسوس غرينكويتش لا يعني أن الناتو قرر دخول حرب هرمز، بل يكشف شيئاً أكثر تعقيداً: الحلف يريد الاحتفاظ بدوره في تشكيل الاستجابة الغربية للأزمة، مع تجنب تحمل المسؤولية المباشرة عن عملية عسكرية جديدة ضد إيران.
وهذه صيغة سياسية شديدة الدلالة.
فالغرب لا يستعد فقط لفتح مضيق هرمز؛ بل يستعد لبناء نظام أمني جديد للمضيق بعد الحرب.
وبريطانيا وفرنسا تحاولان أن تكونا في قلب هذا النظام، بينما يقدم الناتو البنية التنسيقية والعسكرية التي تجعل المهمة قابلة للتنفيذ، وتبقى الولايات المتحدة صاحبة الثقل العسكري الأكبر، فيما تظل عُمان ودول الخليج وإيران أطرافاً لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات مستقرة.
لكن المفارقة الأساسية ستظل قائمة:
يمكن للغرب أن يبني قوة لحماية هرمز، لكنه لا يستطيع بناء نظام مستدام لأمن هرمز من دون تفاهم مع إيران.
ولهذا فإن المعركة المقبلة قد لا تكون حول من يسيطر على المضيق بقدر ما ستكون حول من يضع قواعد المرور فيه، ومن يملك حق ضمان تلك القواعد، ومن يملك القدرة على تعطيلها أو إعادة فتحها.
ومن هذه الزاوية، فإن اجتماع الناتو ليس مجرد تحرك عسكري احترازي؛ إنه مؤشر مبكر على أن الصراع على هرمز بدأ ينتقل من مرحلة الحرب على المضيق إلى مرحلة التفاوض على النظام الأمني الذي سيحكم المضيق بعد الحرب.
وهنا تحديداً تكمن أهميته الاستراتيجية.
