رباعية جديدة في الشرق الأوسط... هل يتشكل إطار إقليمي لإدارة الأزمات؟
لم يكن الاجتماع الخامس الذي جمع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمّان مجرد لقاء تنسيقي لمتابعة التطورات الإقليمية، بل قد يكون مؤشرًا على تشكل نمط جديد من العمل الإقليمي يقوم على تنسيق مواقف أربع قوى تمتلك، مجتمعة، ثقلاً سياسيًا وعسكريًا وجغرافيًا يمتد من شرق المتوسط إلى الخليج والمحيط الهندي.
ففي توقيت يشهد تصاعدًا غير مسبوق في الأزمات الإقليمية، من الحرب في غزة، إلى التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، مرورًا بتهديد الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، يبدو أن الدول الأربع تحاول الانتقال من رد الفعل إلى بناء إطار تشاوري قادر على إدارة الأزمات قبل انفجارها.
ولعل ما يلفت الانتباه في البيان الختامي ليس فقط تأكيده دعم الحلول الدبلوماسية، وإنما جمعه بين ثلاثة ملفات مترابطة: خفض التصعيد، وحماية سيادة الدول، وأمن الممرات البحرية. وهذا الربط يعكس إدراكًا بأن الأمن الإقليمي لم يعد يُقاس فقط بمنع اندلاع الحروب، وإنما أيضًا بضمان استمرار حركة التجارة والطاقة، باعتبارهما عنصرين أساسيين في الاستقرار الاقتصادي العالمي.
ومن هذه الزاوية، فإن دعم الوساطة الباكستانية-القطرية يحمل دلالة مهمة. فالدول الأربع لا تطرح نفسها طرفًا في الاستقطاب القائم بين واشنطن وطهران، بل تحاول أن تتموضع في مساحة تسمح لها بلعب دور الوسيط أو الداعم لمسارات التهدئة، وهو ما يمنحها هامشًا سياسيًا أوسع، ويجنبها الانخراط المباشر في الصراعات.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار طبيعة الدول المشاركة. فالسعودية تمثل الثقل الخليجي وأكبر مصدر للطاقة في المنطقة، ومصر تملك قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وتركيا تتحكم في موقع جيوسياسي يربط البحر الأسود بالبحر المتوسط، بينما تمثل باكستان قوة نووية ذات علاقات متوازنة مع معظم الأطراف الإقليمية والإسلامية. وعندما تجتمع هذه العناصر في إطار واحد، فإنها تعكس محاولة لبناء شبكة توازنات جديدة تتجاوز التحالفات التقليدية.
كما أن التركيز على أمن مضيقي هرمز وباب المندب يكشف عن تطور في التفكير الأمني الإقليمي. فهاتان النقطتان لم تعودا مجرد ممرين بحريين، بل أصبحتا محورًا للصراع على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ومن ثم، فإن أي اضطراب فيهما لا ينعكس على دول المنطقة وحدها، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
وفي هذا السياق، تبرز الإشادة بمبادرة المملكة العربية السعودية لإنشاء التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات باعتبارها أكثر من مجرد دعم لمبادرة أمنية. فهي تعكس اتجاهًا نحو بناء ترتيبات إقليمية يكون للدول العربية والإقليمية دور أكبر في حماية الممرات البحرية، بدلاً من الاعتماد الكامل على القوى الدولية كما كان الحال خلال العقود الماضية.
لكن، في المقابل، لا ينبغي المبالغة في تقدير ما تحقق. فالاجتماع لا يعني بالضرورة نشوء تحالف سياسي أو عسكري جديد. فالدول الأربع تختلف في عدد من الملفات الإقليمية، كما أن لكل منها أولوياتها الوطنية وعلاقاتها الدولية الخاصة. ولذلك، فإن الإطار الحالي يبدو أقرب إلى منصة للتنسيق السياسي منه إلى تحالف مؤسسي ملزم.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن لهذا التنسيق أن يتطور إلى آلية إقليمية دائمة؟
الإجابة ستتوقف على عاملين رئيسيين. الأول، قدرة الدول الأربع على الحفاظ على توافقها رغم اختلاف مصالحها في بعض الملفات. والثاني، مدى استمرار التوترات الإقليمية، لأن الأزمات الممتدة غالبًا ما تدفع الدول إلى إنشاء أطر أكثر تنظيمًا لإدارة المخاطر.
ومن المرجح أن يشهد هذا الإطار توسعًا تدريجيًا إذا أثبت فعاليته، سواء عبر إشراك دول أخرى، أو من خلال تحويل الاجتماعات الدورية إلى آلية مؤسسية للتشاور والتنسيق.
وفي جميع الأحوال، فإن اجتماع عمّان يعكس تحولًا مهمًا في المشهد الإقليمي. فبدلاً من انتظار المبادرات القادمة من القوى الكبرى، بدأت قوى إقليمية رئيسية تتحرك لصياغة مقارباتها الخاصة لإدارة الأزمات، والدفاع عن استقرار المنطقة، وحماية المصالح المشتركة.
وقد لا يكون هذا التحرك كافيًا لتغيير موازين القوى في المدى القريب، لكنه يكشف عن اتجاه متزايد نحو بناء نظام إقليمي أكثر اعتمادًا على الفاعلين المحليين، وأقل ارتهانًا بالتوازنات الدولية. وإذا استمر هذا المسار، فقد يصبح التنسيق الرباعي أحد الملامح الجديدة للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، خاصة في ظل عالم يتجه تدريجيًا نحو تعددية أكبر في مراكز النفوذ وصناعة القرار.
